المخرج السينمائي مصطفى الشعبي: انجازات سينمائية تحققت في المغرب بفضل فنانين مهمشين

الرباط ـ «القدس العربي»: يقوم المخرج المغربي مصطفى الشعبي حاليا بوضع اللمسات الأخيرة على فيلمه السينمائي الجديد «جزيرة ليلى». ويروي الفيلم، الذي صورت مشاهده في مدينة تطوان والجبهة وبنيونش وواد لو، أحداثا وقعت سنة 2004 عندما قامت إسبانيا باحتلال جزيرة «ليلى» المغربية وقتل الجنود الإسبان لماعز «رحمة» التي كانت ترعى بالجزيرة، فقرر زوجها أن يتحدى الاحتلال الاسباني ليعيش قي هذه الجزيرة بعد موت زوجته. وقد اختار الشعبي فضاءات الجبهة الشاطئية، مرسدار، شاطئ مونيكا… لتصوير أغلب مشاهد فيلمه، وذلك لتشابه طبيعة المنطقة الساحلية لتلك الشواطئ مع طبيعة صخرة «ليلى» المقابلة لبليونش. ويلعب دور البطولة في هذا الفيلم كل من حميد نجاح ويسرى بنجدي وسلام الرحيلي وزهرة العماري. أما الطاقم التقني فيتكون من مدير التصوير سعيد السليماني والسيناريو لمصطفى الشعبي.
«القدس العربي» التقت صاحب هذا الفيلم، وأجرت معه الحوار التالي:
ـ ما الغاية من انجازك لفيلم حول «جزيرة ليلى»؟ وهل يمكن اعتباره فيلما سياسيا، بالنظر لإحالته على النزاع الذي سبق أن دار بين المغرب وإسبانيا حول هذه الجزيرة؟
ـ فيلم «جزيرة ليلى» منجز هذه السنة، وهو حاليا في آخر أطوار الإنجاز. تدور أحداثه على أرض جزيرة «البقدنوس»، التي وطأتها أقدام الجيش الاسباني سنة 2004، حيث اعتدوا على ماعز السيدة «رحمة» بقتله رميا بالرصاص، فهذه الشخصية جزء من المكان، مثلها مثل الحجر والشجر والبقدنوس… فهي غير معنية بالصراعات الدولية حول المجال. نفوق الماعز أدخل «رحمة» في انهيار عصبي حاد، فقدت معه ذاكرتها وارتباطها بالمكان، فتاهت ولم تبق إلا صورتها تغمر المكان. قرر الزوج نصب تمثال لـ»رحمة» فوق هذه الصخرة مع الإقامة الدائمة لحراسته، تكريما لها ولوفائها. أثناء الإقامة ستوالي الأحداث والمفاجآت نترك للمشاهد فرصة اكتشافها.
« جزيرة ليلى» منجز فني سينمائي بالطبع، لكنه ينطوي بكل تأكيد على حس سياسي وحرقة وطنية وندوب تركتها تلك الأحداث الأليمة لدى المواطنين المغاربة.
لا يفوتني هذا أن أتقدم بالشكر للسلطات المحلية من عمالة (محافظة) المضيق وقيادة «بنيونس» التي قدمت لنا يد العون بتسهيلها لنا لبعض الإجراءات التنظيمية، كما أشكر سكان منطقة «الجبهة» الذين أبانوا عن حسن الضيافة والكرم الجبلي.
ـ سبق لك أن أخرجت فيلما قصيرا تحت عنوان «القدس أبنادم». ماهي الأصداء التي تركها هذا الفيلم لدى الجمهور المغربي والأجنبي، خاصة وأنك عرضته في مهرجان مالمو للسينما العربية بالسويد؟ ولماذا اخترت ذلك العنوان الذي يبدو أنه لا يعكس بالضرورة مضمون الفيلم، حسب ما وصل لدينا من أصداء؟
ـ «القدس أبنادم» فيلم أنجزته سنة 2012، وهو صرخة في وجه المغاربة والعرب والمسلمين الذين بدأوا يتغافلون في التعامل مع القضية العربية الأولى، على عكس ما جاء في سؤالك. عنوان الفيلم كان فقط عتبة المرور إلى مضمون الفيلم الأساس والذي لن يكون معروضا ومكشوفا بشكل مباشر. كل الرموز والإشارات والإحالات والتساؤلات وغيرها وظفتها لكي تحيل على هذه القضية الوجودية: فلسطين المحتلة وعاصمتها القدس الشريف. لقد آثرت الانتباه إلى عدم التخاذل والنسيان والملل الذي تبثه جهات صهيونية داخل الأوساط الشعبية والقروية والأطفال والنساء لكي يتم فصلهم وإبعادهم عن مشاكلهم الحقيقة؛ كل ذلك بلغة سينمائية غير مباشرة، على المتلقي أن يبذل جهدا في اكتشافها والتوصل إليها. وبالمناسبة، فقد حاز هذا الفيلم على عدة جوائز تقديرية في عدة ملتقيات داخل الوطن وخارجه.

السينما كتربية

ـ إلى أي حد يكمن للسينما أن تكون أداة تربوية، لا سيما وأن لديك تجربة في هذا المجال من خلال انجاز فيلم بعنوان «زينب»؟
ـ الفيلم التربوي أو سينما الطفل دعامة أساسية للتربية والتثقيف، التربية على المواطنة، المحافظة على البيئة، حقوق الإنسان، التربية على السير على الطرق، محاربة العنف والإرهاب والتطرف، التميز النوعي.. كل هذه الثيمات وغيرها يمكن للسينما أن تنقلها بشكل فني وسلس ومحبوب إلى أذهان الأطفال ومخيلتهم، والصورة أبلغ من ألف كلمة كما يقال.
أنجزت فيلم «زينب» سنة 2010، وموضوعه قضية الحجاب لدى القاصرات والضجة الإعلامية التي أثارها هذا الموضوع على الصعيد الدولي. الفيلم ينبه الآباء والأمهات والمدرّسين والشارع بصفة عامة إلى وجوب احترام الأطفال والبنات في اختيارهم لزيّهم، وعدم إرغامهم تحت ضغط أي فكر أو مذهب لارتداء لباس معين يحمل دلالة ما.
يدخل فيلم «زينب» في إطار المساهمة والتشارك التربوي والتوجيهي مع الجهات المختصة بالشأن التربوي من مؤسسات تعليمية وأكاديميات ونيابات. لقد تمكنت فئة عريضة من تلاميذ وأمهات وآباء التلاميذ من مشاهدة هذا الفيلم، وقد نال إعجاب المسؤولين على القطاع التربوي، ونال أربع جوائز وطنية ودولية.
ـ وماذا عن الثيمة الأساسية التي يتناولها فيلمك «أصدقاء الجنرال فرانكو»؟
ـ إنها قضية إنسانية بالأساس، قضية المغاربة الذين شاركوا في الحرب الأهلية الاسبانية إلى جانب فرانكو. هذه الفئة المعذبة، المهمشة التي تم التعامل معها بنوع من الجفاء والنكران، قضية طوتها أياد خفية ووضعتها على رفوف النسيان والضياع. لقد حاولتُ إثارة نقاش حول هذا الموضوع من خلال الصورة المتحركة، حتى تنصف هذه الفئة من المغاربة ويعود لها الاعتبار.
يحكي الفيلم قصة ثلاثة أصدقاء، سجناء، تمت مساومتهم بالخروج من السجن مقابل حمل السلاح إلى جانب القوات الفرانكاوية الإسبانية. فتحقق ذلك، وبعد انتهاء الحرب كانت النهاية المأساوية والكارثية لهؤلاء الثلاثة: تقدم في السن عاهات مستدامة، انعدام المأوى التغطية الصحية، «لا صحة، لا اولاد، لا فلوس..» كما يقول المثل المغربي.

جودة الصورة

ـ ما هي القضية المركزية التي تشغل بالك كمخرج سينمائي؟
ـ لن أتكلم عن المسائل الذاتية والنفعية والتي رغم أهميتها تبقى في المرتبة الثانية. فالكلام عن الواضحات من المفضحات كما يقوم الفقهاء. الخير موجود ويجب أن يعم الجميع… أنا منشغل أساسا بجودة الصورة السينمائية الوطنية وتحسينها وتنويعها حتى تشمل جميع الجهات وجميع مناحي الحياة. كل المكونات المغربية يجب أن تكون ممثلة في المشهد السينمائي المغربي، ولا يُعقل أن يهيمن نموذج عن الآخرين. ولن يكون إلا الاجتهاد والتكوين والتشجيع.
منشغل أيضا ببعض القضايا الوطنية التي هُمشت أو تم السكوت عنها. أتمنى أن أنجز فيلما حول البطل عبد الكريم الخطابي وبأية لغة كانت عربية أو أمازيغية.. أحداث 83-84 الأليمة، قضايا الطفولة والشباب الخ… مواضيع عديدة ومتنوعة وهامة، لكن المشكل هنا يكمن في الدعم والتمويل وكيفية الاستفادة من الصندوق المخصص لذلك، وأقصد صندوق الدعم السينمائي المغربي، علما أن كل دعم متبوع بمحاسبة.
ـ هل أنت راض على واقع الفن السابع بالمغرب؟
ـ لا يمكن لأي متتبع للمشهد السينمائي المغربي إلا أن يسجل بفخر واعتزاز التقدم والتطور الملحوظ خصوصا على المستوى التقني، كما يجب الإشادة بمستوى التشخيص والأداء لدى الممثل المغربي والذي أبان عن علو كعبه في مناسبات وطنية ودولية هامة. هذا صحيح… لكن طموحنا أكثر من ذلك. لا بد من الاهتمام بالكفاءات الواعدة والموهوبة والتي لم تنصفها الطبيعية بالتواجد في المركز. كفاءات لا بد لها أن تنظم إلى كتيبة السينما لتعطي وتبدع وتُغْني. فكثير من الإنجازات السينمائية العالمية وصلتنا بفضل أناس مهمشين، غير متخصصين، يقطنون أماكن قصية وبعيدة عن الأضواء… لا بد من إشراك الجميع.

الطاهر الطويل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية