المخرج العراقي جواد الأسدي: المسرح العراقي كتب قضايا بعيدا عن الشعارات
المخرج العراقي جواد الأسدي: المسرح العراقي كتب قضايا بعيدا عن الشعاراتالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمد عاطف: المخرج المسرحي العراقي المتميز جواد الأسدي لا يعتمد علي إبداع حالة مسرحية تهبيجية حركية ونافذة في حدتها ولذعها من خلال شخوصه وأدواته وأسلوبه الجمالي الفذ، لا يعتمد علي ذلك فحسب بل يسعي دائما الي نقل الحياة برمتها من خارج المسرح وتجسيدها علي خشبته أو يحدث العكس أحيانا بأن ينقل الحياة في المسرح إلي الخارج.المخرج العراقي جواد الأسدي: المسرح العراقي كتب قضايا بعيدا عن الشعاراتالأسدي لا يقف في هذا الموقف التخصصي الواحد في العمل المسرحي، بمعني أنه عندما يخرج العمل فهو يقوم بأكثر من عملية الاخراج طيلة هذا الوقت ويتحول إلي أكثر من كائن فهو كاتب وموسيقي وممثل ومشاهد.يقول الفنان الكبير جواد الأسدي: تاريخ المسرح العراقي مكون أساسي لتجربة المسرح العربي، ومكون أساسي للتجارب والتفاعل مع الواقع والأعمال المسرحية العربية والعالمية، وهو بهذا الانفتاح علي مدارس ونظريات المسرح في العالم استطاع أن يكتب قضاياه ومشاكله ببلاغة كانت لا تعتمد علي الأسلوب المباشر، ولا الشعارات بل كان الايحاء والرمز والتراث والواقع أساس بكوب الحلم ومغامرة المتخيل للاقتراب من الواقع أكثر لنقل تناقضاته بجماليات لا تسقط في الاستلاب أو الجريان وراء التقليد.ويضيف: للمسرح العراقي تاريخ وماض وله أيضا حاضره ومستقبله، ويكون واقعه هو نصوصه وعروضه وانجازاته، وهي تتحدث عن المآسي في دراما الكتابة، هذا المسرح أعطي كتابا ومخرجين وممثلين ونقادا تابعوا بشكل فني وجمالي كل تناقضات الواقع لينقلوه الي الدراما، ولذلك عند الحوار مع أي مبدع مسرحي عراقي أراه اعادة قراءة الذاكرة المسرحية العراقية، ويكون وصفا للخطابات في سياقها التاريخي والجمالي والفني التي كتبت هذا المسرح بالتجريب وبالعطاء الفني المغامر.حول اسهاماته في إرساء قواعد ومعالم المسرح العراقي يقول جواد الأسدي: الثقافة العراقية متعددة المرجعيات بأصالتها وتاريخها وألوانها الإبداعية، هذه الألوان شعرا وقصيدة، ورسما ونحتا هي تاريخ العراق الحقيقي، حتي أن العراقيين بهذه الأصالة يمكن أن يقال عنهم انهم وجدوا أنفسهم فيها، كأنما التاريخ دفع بهم الي منصة ضخمة من النصوص والكتابات كأنما هم ينبوع كبير تفجر علي الكثير من القصائد وعلي الكثير من الإشارات والعلامات التي تلقفها الكثير من الشعراء والمخرجين كتابا ورسامين. هذه كانت باعتقادي الميزة العراقية، ميزة التاريخ العراقي في هذه الدرجة الخطيرة من التوحد والانسجام في العزف علي الفكرة المدنية الانسانية لإعلاء المنصة الاجتماعية الجمالية مسرحيا، وبكل الوجوه المتعددة الأخري.حول أهم المراحل الخصبة في تاريخ المسرح العراقي قال جواد الأسدي: هي الفترة التي ترعرع خلالها جيلي علي أيدي أساتذة كبار مثل: سامي عبدالحميد وإبراهيم جلال وقاسم محمد وعدد آخر من مسرح الفن الحديث ومن خارجه جعفر السعدي وجاسم العبودي وبدري حسون فريد، هؤلاء كانوا يعلموننا المسرح العراقي كأنما يكتبون نسيجا واحدا. كانت الفرق كلها ذات وجوه متباينة الايقاعات والكتابات والألوان بالبحث عن كثير من المجسات النصية والبحث في الأشكال المسرحية، ولكنها كلها تتوحد في هم واحد، هو انعاش الروح، وإعادة الدفء إلي المجتمع العراقي الذي كان يطلب سواء بهاجس انساني أو هاجس اجتماعي أو بهاجس ايديولوجي أو هاجس سياسي، المزيد من التشابك بين هذا النوع من المسرح، وهذا النوع من المعرفة، وبين هذا النوع من الناس الذين كانوا بطابعهم يحفزون في الجانب المدني.لم يكن غريبا عن العراقيين أنهم مدنيون بالفطرة، من حيث أطروحاتهم الانسانية، ليس لأننا عراقيون نتحدث عن العراق بل لأن المثقفين العراقيين كانوا يحضرون في البعد الإنساني، ولم يطلع عندنا مخرجون يشتغلون علي العبث.ان العبث بجماله الذي صنعه الكاتب صمويل بيكيت شيء عظيم لكن كتابنا لم يشتغلوا علي اللحظة غير الراهنة، أو اللحظة الخارجة عن التاريخ، أو اللحظة السفيهة ولم تتكون عندنا كوميديات مبتذلة، وبغض النظر عن التفاوت بين الجماليات، فهذا التاريخ كان يكتبها ويصورها.يضرب جواد الأسدي مثالا علي عرض له كينونة خاصة وتفسيرات جمالية متنوعة، ويقول عنه: العمل الذي أدي الي نوع من الانفجار الجمالي السياسي والانساني بشكل كبير في اتصاله بالمجتمع هو عرض النخلة والجيران والذي كان بحق من العروض ذات التفرد الاستثنائي في شكل ونوع وطبيعة الكتابة والتمثيل والاخراج، وكان من اخراج قاسم محمد الذي حضر من موسكو وكان لديه ذلك الينبوع المتدفق من الإبداع، ولا يزال، ولكن في تلك اللحظات كان لديه هذا التفجر الخطر، فقدمنا عرضا أخاذا علي صعيد العرض السابق الذي اعتبره خلاصة الارتباط بين المجتمع والعرض المسرحي.وايضا هناك علامات في عروض المسرح العراقي مثل الخرابة ليوسف العاني الذي ادخل مفردات أوروبية حداثية جميلة في المجتمع العراقي مثل ثورة الزنوج لمعين بسيسو، وإبراهيم جلال في رائعته الكبيرة الطوفان ، و تموز يقرع الناقوس لسامي عبدالحميد.حول رأيه في المسرح الفلسطيني وماذا ينقصه حتي يكون أكثر فاعلية، قال الأسدي: لقد ربطت عنقي بعنق فلسطين، ارتديت جبتها ولهثت في مخيماتها، وكتبت اسمها علي رأس القصيدة الساحرة. حاولت وبشغف أن اتقدم بحذر كي انفض عن المسرح الفلسطيني غبار الصراخ واللهاث خلف الخطاب المضلل، بنيت نور الشخصية في الظل البعيد صبرا علي رأسي وشاتيلا في قلبي، منحت الممثلين أقصي ما لدي من حسرة ودمع في البروفات التي أجريتها معهم، في المسرح دائما نتوق لاستنهاض المدينة الفاضلة المؤجلة أو بنشر الصلوات من أجل الرجوع للحرية الأم، ليس ما يدل علي الازدهار المسرحي كأنما المسرح صار محطة انتظار للمخبولين النشاز. الركاكة والرطانة والتسفيه والتخبط في مربع الابتذال والفكاهة العاهرة، أهذا أصبح يشكل السمة الجوهرية لصورة التمسرح والمسرح المقلوب علي قفاه؟أضاف: منذ 15 سنة أحاول عبر عملي مع المسرح الفلسطيني أن أفكك بيت النص ثم أخلع أعمدة التمثيل الميت، الإشارات ودلالاتها المكثفة ارسمها في فنجان قهوتي ثم أنفذها في الظل المسرحي، ليس هناك أي مجد للثبات، ولا ركيزة للألفاظ الخطابية ولا أي توحد لابتزاز الجسد، ما زلت أدفع المسرح الذي أعيش وأتنفس نحو هذا الهول المفزع.QMS2