المخرج المسرحي السوري وليد قوتلي: معظم المسرح العربي يعتمد علي الثرثرة وليس الجماليات البصرية!

حجم الخط
0

أبو ظبي ـ “القدس العربي”: وليد قوتلي مخرج مسرحي مغامر وأعماله مدهشة، وهو يمتاز بتصور مشهدي قادر علي تحويل أصعب النصوص الروائية إلي عرض بصري جميل، ولعل إعداده لرواية إميل حبيبي (لكع بن لكع) في أوائل الثمانينات من القرن الماضي وتقديم عرض مسرحي ممتع كان تجربة إخراجية رائدة جعلته مخرج الصعاب. وكان قد أخرج عددا من المسرحيات، مثل في قصة حديقة الحيوان لإدوارد ألبي التي لفتت الأنظار إليه قبل أكثر من ثلاثين عاما. والقوتلي أستاذ سابق في المعهد العالي المسرحي بدمشق، وقد جرب الإخراج التلفزيوني فأعد مسرحية بير القمح، لكنها منعت من العرض لأنه وجد أن حل المواصلات في المدن العربية الكبري هو أن يركب الموظفون الكبار علي أكتاف الصغار من المستخدمين البائسين. وقد طوع الشعر للعرض المسرحي الجاد في عين القمر كما اعتبر النقاد عرضه الأخير الانتظار بداية تاريخ جديد في المسرح السوري.

وفي امارة الشارقة، حيث يقيم، كان لنا معه هذا الحوار: هل المسرح فن بصري يعتمد علي المشاهدة أساساً في علاقته مع المتلقي؟ برأيي ورأي كل العاملين في المسرح تقريبا إلا قلة قليلة أن المسرح شيء بصري، والناس يقولون لبعضهم لنتفرج علي المسرحية ولا يقولون لنستمع إلي المسرحية. إذاً المسرح هو فرجة ومتعة بصريه ويقدم أجسادا حية تتحرك مع الاكسسوار وعناصر الديكور بملابس محددة وبألوان محددة وبإضاءة محددة.

دائماً كل العناصر المشاركة في العمل المسرحي هي عناصر بصرية إلا الصوت وحتي الصوت ليس مجرد كلام يجري تبادله بين الممثلين. الصوت له تشكيلاته فالحنجرة التي يؤدي بها الممثل الكلام المنطوق لها تشكيلات مختلفة ومتنوعة والمهم فيها أن تكون كلمات لها جرسها الخاص وموسيقاها الخاصة حتي تدخل المتعة علي المتفرج وفي نفس الوقت هي تمثل شخصية بعينها لها طريقتها في النطق وفي إخراج الحروف وموسيقا الكلمات. فمثلا إذا كانت الشخصية نزقة فمن الطبيعي ان كلامها يجب أن يكون فيه شيء من التوتر والحدة. حتي الصورة التي تعطيها الكلمة هي في النهاية صورة تجسد لدي المتلقي ليس كمعني للكلمة وإنما كصورة تحدد شيئا من حالة هذه الشخصية ضمن صراع معين وضمن موقف معين وضمن علاقة معينة علي خشبة المسرح. إذا نعود إلي المسرح. هو صورة وحتي الكلمات تشكل صورة ما ونجد طريقة نطقها وحدتها أو هدوءها. برأيي المسرح شيء بصري ومتعة بصرية ومن دون ذلك يفقد الكثير الكثير أو لا يكون مسرحا أساسا. المتعة البصرية شيء مهم ومهم جداً في المسرح وبالتالي يجب التعويل عليها وخلق الحوار في أبسط حالاته وفي أعقدها يجب أن يحل بصريا وهذا جزء هام من المتعة التي يتلقاها المتلقي ويشارك فيها في نفس الوقت. معني ذلك أنك اتجهت في السنوات الأخيرة وبعد تجربة باريس إلي المسرح الإيمائي. هل تري أن الصورة هي أبلغ من الكلام؟ يمكن أن أؤكد مرة أخري أولا المسرح الذي أقدمه ليس مسرحا إيمائياً بل هو مسرح تعبير جسدي والتعبير الجسدي قد يكون مع الكلمة أو بدون الكلمة وقد لاحظت مؤخرا أنني قدمت منذ أكثر من سنتين في المسرح القومي السوري مسرحية مبنية علي نصوص شعرية لخمسة شعراء، تكلموا عن نيويورك وهم لوركا- أدونيس – محمود درويش، ألن غينسبيرغ، وأمجد ناصر. إذا يمكن أن يقدم مسرح يعتمد الكلمة ولكن لا يجب أبدا أن ترافقه دراما مكتوبة لكن برأيي أنا أن الجسد غني جدا بلا حدود وهناك الإشارة والحركة والوجه له أبعاد أكبر مما تستوعبه الكلمة. الكلمة معناها واضح وصريح فإذا قال ممثل لآخر افتح الباب تري المعني محصورا ومعروفا فهو لا يحتاج لاجتهاد من قبل المتلقي لتفسيره وبالتالي لا يثير الخيال كما هي الحركة الجسدية وتعبير الجسد مليء بالاشارات والرموز والألغاز وبالتالي يخلق عند المتلقي حالة جمالية خاصة إذا كان المؤدي يمتلك الليونة الكافية والسيطرة الجيدة علي أدواته الخاصة، وجهازه العضلي. وثانيا هناك معان كثيرة في أي حركة أو إشارة تشعل وتلهب مخيلة المتفرج وتجعله مشاركا بصورة أكثر في العمل المسرحي. وحتي عصرنا هو عصر المشاهدة وعصر العين والرؤية أكثر منه عصر السمع كما هو عصر الحال في التلفزيون الصورة البصرية بدأت تدخل في كل شيء حتي أصبحت تنمو بصورة كبيرة جدا. ولا يمكن أن نقدم مسرحا عبارة عن كلمة فنحن لدينا مع الآسف في المسرح العربي كثير من المسارح، تقتصر علي الحكي والثرثرة علي خشبة المسرح دون أي متعة بصرية، غالبا ما تكون خطابية ومؤسساتية لا تلهب الخيال ولا تتطلب من المتفرج أن يعمل تفكيره وبالتالي لا يتفاعل مع هكذا مسرح، للأسف ما يزال هكذا مسرح وكأن هناك توجهات تريد أن تبقيه وتستعيد الحياة لهذه الجثة التي ما يزال لها مريدون ومؤيدون. يقال إنه يوجد حوار حول احياء المسرح في سورية مرة أخري، كظاهرة لها وجودها وحضورها في المشهد الثقافي، فكيف يمكن أن نستعيد التفاعل بين المسرح العربي والجمهور؟ لقد قصدت بالجثة أن هناك بقايا مسرح. المسرح كان طقساً قبل أن يعرف الإنسان البدائي الكلمة فقد كان يؤدي رقصة المسرح وكان يقلد فيها علاقتة بالصيد وكانت عنصراً من عناصر المسرح. وهكذا فإن المسرح وجد قبل الكلمة ولا يجب أن يكون أسير الكلمة أو أسير الأداء، فالنص المسرحي بالنسبة لي لا أعتبره شيئاً مقدسا يجب عدم المساس به. إن المسرح شيء بصري يقدم متعة بصرية فإذا لم يستطع المخرج أن يقدم هذه المتعة فكأنه يحيي جثة بصرية ميتة. أما بالنسبة لعلاقتنا نحن مع المسرح في الوطن العربي فأنا أتصور أن الكثير من الإداريين والمسؤولين لا يحبون المسرح حتي لو كانوا في موقع المشرف علي العمل المسرحي. فالمسرح لا يكتسب لديهم القيمة الكافية لكي يقوموا بتشجيعه والحفاظ عليه وتطويره علي أقل تقدير. وبالتالي فإن أزمة المسرح ليست في داخل المسرح بل هي أزمة خارجية تفرض علي المسرح. وقد لاحظت من خلال أعمالي أن الناس يحبون المسرح والفرجة البصرية لكن هناك إشكاليات تتمثل في أن المسرح ليس له دعم كاف خاصة في بلادنا العربية، في أوروبا نلاحظ هناك دائما البلديات تدعم المسرح، والمؤسسات تدعم المسرح. وزارة الثقافة تدعم المسرح. هناك لا توجد أزمة في المسرح، وخلال إقامتي في باريس لاحظت لا توجد معاناة مع شيء اسمه المسرح لأن الدولة والبلديات وجهات عديدة تقدم إعانات للمسرح الذي يكتظ دائما بالجمهور وبالعروض التي يتم الحجز لها قبل أشهر لكي يحضرها الناس، ولأن المسرح لا يمكن أن يقوم دون نفقات خاصة ولأن فن المسرح هو فن خاسر لأنه لا يعوض التكاليف ولذلك يحتاج إلي دعم. وبالتالي فإن قلة الدعم تجعل مدينة كدمشق التي يبلغ عدد سكانها قرابة ستة ملايين لا يوجد فيها إلا بضعة مسارح ودائما أنا أقارن مع باريس التي يوجد فيها علي الأقل 400 مسرح التي يقارب سكانها بعدد سكان دمشق أو اكثر قليلا. إن الفرق هائل وأتصور أنه يجب أن يكون هناك مسرح في كل حي أو عدة مسارح. وبالتالي يصل المسرح إلي الناس. الناس تحب المسرح لكن ليس هناك طريقة أو عروض مسرحية تحقق ذلك فنحن نقدم بضعة عروض في السنة. اشتغلت علي النص الشعري مسرحياً. فكيف استطعت أن تجمع بين النص الشعري والمسرحي والموسيقي إذ قدمت مسرحية عين القمر موسيقا وأصوات تعلو وتنخفض وتتحرك بأبعاد مختلفة، ثم لماذا اخترت النصوص التي تتحدث عن مدينة نيويورك تحديداً؟ طبعا، بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) شعرنا جميعا في عالمنا العربي بالغبن وبالفاشية والغطرسة الجديدة التي استغلت هذا الحدث لتقصف رقابنا وتنتقم من شعوبنا في المنطقة وتعطي المجال واسعا لإسرائيل لتقتل وتضرب وتهدم وكان شارون هو بطل هذه المرحلة دون منازع وبوش الابن أيضاً. لذلك رأيت أنني معني بكل ما يجري عندنا في هذه المنطقة ورأيت أن أميز بين المدني الأمريكي والسلطة الغاشمة التي لا تضم إلا القهر والقمع والكراهية وبين الثقافة الأمريكية التي نحترمها وتربينا علي أعلامها سواء في الرواية أو المسرح أو السينما. وليس صحيحا أننا نكره أمريكا لمجرد أن بوش يرفع هذا الشعار، وكما كثير من الامريكيين، يحبون امريكا ويكرهون بوش فيما أوصل إليه أمريكا من كراهية انتشرت في العالم. بالتالي بحثت عمن كتب عن نيويورك القاسية.. نيوريوك المدينة وليس الثقافة فوجدت أن لوركا منذ عام 1929 زار نيويورك وكتب عنها، وكذلك أدونيس كتب قصيدة قبر من أجل نيويورك ومحمود درويش له قصيدة الخطبة ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض، وأمجد ناصر له قصيدة بعنوان قصيدة مؤجلة الي نيويورك وألن غينسبيرغ له قصيدة عواء التي كتبها عن هذه المدينة الخرقاء المتبجحة العنيفة، وقد لاقت صدي جيداً في ستينات القرن الماضي. وبالتالي جمعت هذه القصائد واستطعت أن أقدم منها عرضا مسرحيا اعتمد علي لغة الجسد وتعبير الجسد. وكانت سينوغرافيا مبنية أفقيا وعامودياً بحيث ملأت خشبة المسرح بكل أبعادها حتي من تحت أرضية المسرح يخرج الممثل ويصل إلي قرب سقف المسرح بواسطة الحبال. فكان هناك عرض بصري بالدرجة الأولي ولم اعتمد الخطابة في الشعر. وكنت بتوجيهاتي للممثلين أن يتكلموا وكأنهم يتكلمون مع إنسان حميم ومن القلب إلي القلب دون بهرجة أو خطابة. واعتمد الممثل علي القدرات الصوتية الغير استعراضية التي تخرج بعفوية وتصل إلي المتلقي. ودائما كان يرافق الكلمة تعبير جسدي وإشارة وإيماءة وحركة مستمرة ومن هنا جاء نجاح العرض. ماذا عن عمل الانتظار؟ هذا هو العمل الأخير الذي قدمناه لمدة شهر علي خشبة المسرح القومي في سورية وشاركنا به في مهرجان دمشق المسرحي ثم دعينا لتقديم العمل في مهرجان عمان المسرحي. وهذا العمل مقتبس من مسرحية في انتظار غودو لصموئيل بيكيت التي تعد من الأعمال المسرحية الهامة جدا حتي أن بعض النقاد عدها أهم عمل مسرحي في القرن العشرين. أخذت من النص حالة الانتظار التي يعيشها الناس وهي حالة إنسانية عامة. وقد وجدت أن وضعنا في العالم العربي عبارة عن متفرجين غير مبالين غير فاعلين غير نشيطين وسلبيين ينتظرون الأحداث حتي تقع وليس لديهم إلا التعليق عليها وليس عندهم أي فاعلية حتي أنهم ليسوا أصحاب رأي أو فعل. وقد وجدت أن هذه حالة الانتظار والمشاهدة عن بعد دون تفاعل يمكن الاستفادة منها في مسرحية بيكيت فقدمت هذه الحالة بعد أن قمت بتغيير الفكرة الموجودة عند المؤلف وغيرت الموضوع فكانت الموسيقا ملتبسة يتخللها انفجارات واطلاق نار.. والأبطال يفعلون ضمن هذا الجو ولا ينفعلون بما يجري حولهم مع أنهم يشعرون أن تلك التفجيرات تحدث علي مقربة منهم. لكن موقفهم سلبي منها بينما يتابعون انتظارهم اللامعقول. وقد قدمت العمل باللهجة العامية وغيرت كثيرا من الحوارات والعبارات والأفعال وأحطت المسرح بكتلة صحف مع الشجرة المعروفة عند بيكيت والتي تكاد أن تكون يابسة. أنا جعلتها شجرة معدنية. والورق الذي نبت فيها في الفصل الثاني كان ورق صحف فكانت الكتلة الرئيسية هي الصحف والصعود والهبوط فوق الصحف وفي آخر الأرض يظهر البرد والرعد مترافقاً مع المطر المصنوع من قصاصات الصحف.

فكان لها توجه فكري مختلف. طبعاً كان لهذا الجانب أهمية كبيرة أيضا. وكذلك الأمر بالنسبة لتجسيد الشخصيات من قبل الممثلين كان في العمق. ودائما كانت هنالك حركة مستمرة وتعبير جسدي عالي المستوي مما جعل الجانب المشهدي في العمل يصل إلي المتفرجين، ولذلك كتب عن العمل الكثير. تناولك في هذا العمل المسرحي للصحف، هل أردت أن تقترب من خلالها كثيراً من مسألة الإعلام والدور الذي يلعبه في تشكيل وعي الناس؟ تماما هو موقف من الإعلام. الإعلام عموماً الميديا أصبحت تغسل الأدمغة في العالم كله وتقدم الحقائق التي تريد هي أن تصل إلي الناس. مثلاً الميديا الأمريكية تقول إننا ذهبنا لتحرير العراق ومنحه الديمقراطية وبالتالي فإن المعلقين الذي أدركوا هذه اللعبة أخذوا يكتبون تعليقاتهم عن جمهورية الجثث الديمقراطية. أنا أدخلت هكذا تعابير ضمن سياق العمل المسرحي بحيث أن لا تكون مباشرة وفي نفس الوقت تقدم فلاشات حول هذه المسائل التي تحدث حولنا ونحن مجبرون علي ان نكون غير فعالين فيها. كثير من الجمل أدخلتها في العمل مثل هياكل عظمية تطقطق وتركنا بعض التعابير من دون تدخل وأنا أتصور أن المتفرج لا يذهب إلي المسرح ليتلقي دروساً في السياسة أو في الأخلاق. المتفرج يذهب ليستمتع وأنا حاولت أن أخلق المتعة لأن الفن يقدم المتعة ومن خلال المتعة يمكن للإنسان أن يستخلص من خلال العمل ما يريده. لذلك النقد الحديث يقول: ان المتلقي أو المتفرج مشارك ومنتج للعمل الفني ولو أن العمل الفني انتجه الفنان لكنه يكتمل عند المتلقي وهو يصبغ علي العمل قيما وأفكارا من ثقافته وخبرته في الحياة وشواغله واهتماماته فيضيف إلي العمل الفني إضافات قد تكون غير موجودة فيه. العمل يجب أن يحرك مخيلة المشاهد وأن يصل إليه، لقد أكدنا علي تحقيق المتعة في العمل الفني واستطعنا أن نبني شيئاً من الأفكار المتناثرة هنا وهناك بحيث يستطيع المتلقي ان يستوعب توجهنا. مسرحية انتظار كتب عنها الكثير وحصلت علي جائزة أحسن مكياج في الأردن. أنت كمخرج كيف تنظر إلي واقع التحكيم؟ بالنسبة إلي عرضنا في الأردن عرضنا علي مدار يومين وكان الجمهور متفاعلاً كثيراً بشكل حميم. الشيء الأخير، أنا لا أؤمن لا بجوائز التحكيم ولا بلجان التحكيم لأنه كما قيل عن مهرجان الأردن أن الجوائز كانت موزعة قبل المهرجان وهي معروفة لمن ستذهب، وبالتالي لم تشكل الجائزة بالنسبة لي أي حساسية. الحساسية حيال المهرجان تتمثل في أنه من المعيب أن تعطي الجوائز بهذا الشكل. علي كل حال أحد النقاد الأردنيين كتب بصراحة حول هذه المسألة. فريق المسرحية ممن كان يتألف؟ وهل هناك فكرة لعرض العمل في أماكن أخري؟ أنا تقدمت إلي الجهات المعنية لكي يعرض في مهرجان الشارقة المسرحي ولم آخذ جوابا علي ذلك. وبسهولة يمكن تقديمه، أما الفريق المسرحي فيتألف من أربعة ممثلين منهم ثلاثة من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية، وقد لعبوا معي أدوارا في مسرحيات تخرج كنت أشرفت عليها وقدمت في المعهد العالي للفنون المسرحية. والرابع هو الممثل تيسير إدريس وهوممثل معروف في التلفزيون، وكان الفريق محبا للعمل وأعطاه كل جهده مما جعله يبدو متكاملاً. لقد كانت هناك رسالة فكرية في العمل هي كشف وفضح (الميديا) تحديداً وطرائقها في اللعب علي أدمغة وعقول المتفرجين إضافة إلي تميز الإضاءة والموسيقا التي دخلت مع لحمة العمل وكذلك السينوغرافيا والديكور والإكسسوار ما جعل العمل يبدو متكاملاً كما كتب عنه النقاد خارج سورية وفي سورية. بالنسبة للأعمال الفنية، يلاحظ عدم تواصل بين المشرق العربي والمغرب العربي. هل فكرت أو تلقيت دعوة للمشاركة في التظاهرة الثقافية خاصة وأن الجزائر في هذا العام هي عاصمة الثقافة؟ بالنسبة للتواصل ليس المشكلة بين المشرق العربي والمغرب العربي بل هي بين بلد في المشرق العربي وبلد في المشرق نفسه، والسبب أن الخيارات في المهرجان تكون في الدرجة الأولي هي خيارات رسمية بين دوائر رسمية وبالتالي يكون الاختيار منوطا بالوزارة المعينة في البلد المعين. ولذلك لا يكون الخيار مرتبطاً بفنية العمل أو قدرات الممثلين أو بالعمل ككل. أنا أتمني وأرغب أن تتحقق علاقات من نوع آخر بين المؤسسات الثقافية أو المجموعات الفنية في البلدان العربية من خلال دعوات لا تقتصر علي المؤسسات الرسمية. حينئذ تتوفر إمكانات أكبر لدخول العوالم الأخري. وقد زرت سابقا تونس بمسرحية القاع وكانت هذه تجربة قديمة في عام 1982 وقدمنا وقتها المسرحية في خمس مدن رئيسية في تونس وكان الاستقبال جيداً وأنشأنا علاقات جيدة وجميلة. كيف تنظر إلي المشهد المسرحي الإماراتي خاصة والعربي عامة في ضوء متابعتك لهذا المشهد؟ يمكن أن أقول أن المسرح هو ولد عاق ومشاغب وغير مرغوب فيه. ومع أنه يمثل هذه الصفات إلا أنه يصر علي أن يأخذ موقعه وأن يبقي مشاركاً. ويمكن أن أعزل واقع المسرح في الإمارات كما في باقي الدول العربية كلاً علي حدة، فللمسرح في كل بلد مشاكله. ففي الإمارات يلقي المسرح التشجيع والدعم والتنشيط الجيد وتعطي فرص كبيرة للفنانين. وأنا أري أن هناك رغبة حقيقية في تطوير المسرح في الإمارات. وفي البلدان الأخري فإن واقع المسرح يرتبط بوضع البلد وقد يعود شخصيا إلي الوزير المعني وقد لمست أن وزير الثقافة السوري الحالي لديه الرغبة في تطوير المسرح السوري والثقافة السورية وفي نفس الوقت أنا برأيي لأنه لدينا مؤسسات مهترئة ولا يمكن قيادة سباق بسيارة قديمة ومعطلة، المؤسسة مهمة كثيرا لتنشيط الفن فالإخلاص والرغبة لا تكفي وحدها من قبل وزير ثقافة ما. المسألة تبدأ من تغيير عميق في المؤسسات الثقافية والفنية. المخرج، هل هو صانع العمل المسرحي؟ وهل له سلطة علي الممثل؟ المسألة ليست مسألة سلطة. بالنسبة للمؤلف حاليا، هناك اتجاه قوي جدا هو التخلص من الأدب، فلم يعد المسرح نصا مقدسا يقدم علي خشبة المسرح. وأنا مؤمن بهذه المسألة وألجأ إلي استخدام التعبير الجسدي دون كلام أو أصنع مسرحا يقوم علي الكلام وفي نفس الوقت يوجد فيه تعبير جسدي.. ولا أتقيد بحرفية النص المسرحي، لأن النص مكتوب في زمان ومكان بأفكار قد يكون قسم كبير منها قد أصبح قديما بالنسبة لعصرنا المتحول. إن تقديس الأدب يعيق المسرح، المسرح فن قائم بذاته ولو أنه اعتمد علي الأدب، فإذا اعتمد كليا علي الأدب يكون قد خان المسرح. وكالحياة التي تضيف دائما أشياء وتنسينا أشياء وتبتعد عن أشياء. المسرح هو كالحياة والمسرح البصري أصبح أهم من الكلمة المنظومة. وبقدر ما يؤكد علي المشهدية فإن الكلمة تأخذ حيزاً بعد المشهدية. وكما قلت الكلمة يجب أن تشكل صورة عند المتلقي. هذا من ناحية العلاقة مع النص المسرحي. أما بالنسبة للعلاقة مع الممثلين وباقي الفنيين وأنا أتصور أن هؤلاء جميعا هم صانعو العمل المسرحي، فيجب أن يكون هناك تعاون وثيق كبير وعلي درجة كبيرة من الحميمية ويكون الوصول إلي عمل ناجح هو الهدف الأول والأساسي. طبعا المخرج هو من يضع العلامات الأساسية للعرض المسرحي في المستقبل لكن هذا يجب ألا يكون قسريا وقمعياً ومقدساً. المخرج يجب أن يكون من المرونة بحيث يقوم بالتغيير عندما تكون هناك ملاحظة أو اقتراح يفيد العمل وهو لم يكن قد درسه بشكل جيد أو قد اعتبره ذا قيمة يجب أن يأخذه بعين الاعتبار. إن المخرج ليس سيداً مطلق الصلاحية إنه يعمل بشكل خلاق وبالتفاعل مع المجموع لأن المسرحية عمل جماعي وتصل إلي المشاهد ليس عبر المخرج بل بتعبير وبحركة وجسد الممثل الناقل الأساسي للعمل. لذلك يجب اطلاق مبادرته ومخيلته وإبداعه وتطويره وتحفيزه وكل ذلك من مهمات المخرج.

التقته: فاطمة عطفةQMS

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية