المخرج المغربي محمد بلحاج: الفيلم الوثائقي لا يمكن أن ينمو في الأنظمة الشمولية

حوار: خالد الكطابي
حجم الخط
2

بعدما قدم للمشاهد العربي أعمالا خصت شخصيات فاعلة في التاريخ الإنساني، مثل «أسطورة الريف» عن الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي، «بن بركة اللغز» عن الشهيد المهدي بن بركة، و«هل تستمر الرسالة» عن المخرج السينمائي مصطفى العقاد.. يستعد المخرج المغربي محمد بلحاج إلى عرض فيلمه الوثائقي الخاص بسيرة الرئيس اللبناني الراحل فؤاد شهاب في الشهر المقبل، بمناسبة الذكرى الثانية للثورة اللبنانية.
يرى بلحاج أن السينما ولدت ونشأت بالأفلام الوثائقية، قبل أن تتطور الأفلام الروائية، ويؤمن بأن الفيلم الوثائقي لا يمكن أن ينمو في الأنظمة غير الديمقراطية وأن الدول غير المتصالحة مع تاريخها مشكوك في مستقبلها. عن تجربته الإبداعية والمهنية، كان الحوار التالي..

□ بداية ما الذي دفعك إلى الاهتمام والتخصص في إخراج الفيلم الوثائقي؟
■ بدأ اهتمامي الأول بالفيلم الوثائقي سنة 1988 عندما كنت أدرس في المعهد الوطني للسمعي البصري في باريس، حيث شاهدت بالصدفة في مكتبة المعهد أفلاما وثائقية عن لبنان وإيران بعنوان «نقطة ساخنة» فشدّني هذا النوع من القصص والمواضيع التي تحكي من خلال الصورة والصوت، وحرك في داخلي رغبة لتطوير خبرتي في هذا النوع من الأفلام، التي لم تكن مألوفة آنذاك عند المشاهد العربي. وعندما تأسست القناة الثانية المغربية كنت من الأوائل الذين بادروا لتطوير الأفلام الوثائقية والروبورتاجات الطويلة، وأخرجت عدداً كبيراً من الحلقات من سلاسل: «وجوه سياسية مغربية» «سفر فني» وغيرها من الأفلام عن الهجرة وصورة الإسلام في الغرب. بعدها طورت هذه الموهبة عندما اشتغلت مع قناة «أبو ظبي» حيث أخرجت عشرات الحلقات حول العالم من سلسلة «أبرياء» و«على الأرض. وعندما هاجرت إلى كندا تعرفت على نوع أعمق وأجمل من الأصناف الوثائقية وهو الفيلم الإبداعي وهو ما حاولت تطويره عندما اشتغلت مع قناة «الجزيرة الوثائقية».

□ ومَن هم صُناع الوثائقي الذين أثروا في مسارك؟
■ هناك العديد من المخرجين الذين أضافوا الكثير للفيلم الوثائقي، فبالنسبة للأجانب أذكر: أوليفرستون، مايكل مور، باتريسيوغوزمان، أنيس فاردا، سيمون بيتون. وعربيا: نزار حسن، محمد ملص، محمد مساد، برهان علوية وعمرأميرلاي.

□ وما هي مواصفات فيلم وثائقي جيد في نظرك؟
■ مضمون قوي يحرك مشاعرنا ويجعلنا نطرح أسئلة فلسفية ووجودية في داخلنا، طريقة وأسلوب التصوير، معالجة فنية وإبداعية للصوت والصورة، بناء متماسك ومحبوك للهيكل العام للفيلم، قوة الحضور عند شخصيات الفيلم.

□ وأي من أشكال الوثائقي تفضل الاشتغال عليه؟
■ طوال تجربتي في المجال الوثائقي اشتغلت على صنفين، ووجدت متعة في الاثنين. الصنف الأول الذي يعالج القضايا الإنسانية والمجتمع مثل الأفلام التي أخرجتها سابقا، وهي بالإضافة إلى بعدها الفني ومجهودها الذهني واللوجيستي كانت تتطلب مجهودا جسديا كبيرا وتنقلات مليئة بالمخاطر والمغامرات، مثل التصوير في العراق وعلى الحدود مع أفغانستان والبرازيل وتشيرنوبيل في أوكرانيا. وهذه التجارب تغني ثقافتنا ومعلوماتنا حول الشعوب الأخرى وتعطينا متعة عندما يتفاعل معها المشاهد بإيجابية. والصنف الثاني حول الشخصيات له متعة من نوع آخر لأننا نسافر في الزمان والمكان من خلال تجاربهم الغنية والمؤثرة، وتتعرف على تاريخ وجغرافية وخصوصيات بلدانهم، وهذا يغني ثقافتنا ومعرفتنا ويقوي مصداقيتنا، خاصة عند ما نعالج هذه المواضيع بكل صدق وحيادية ومهنية.

□ ألا ترى أن الفيلم الوثائقي (التاريخي/السياسي) يواجه صعوبة الحصول على الوثائق؟
■ صحيح، خاصة في البلدان العربية التي لم تتصالح بعد مع تاريخها، وما زالت تعتبر بعض الأحداث التاريخية من التابوهات التي يمنع ذكرها أو الإشارة إليها. وللأسف الدول غير المتصالحة، التي لا تعرف تاريخها مشكوك في مستقبلها. أضف إلى ذلك أننا شعوب، للأسف، لا تهتم بالأرشيف والحفاظ عليه. فالأرشيف كما تعلمون هو من الذاكرة الحية للشعوب، ونحن للأسف نلجأ في أغلب الأوقات إلى المؤسسات العالمية مثل «رويترز» «أف ب» و«أسوشيتد برس» للحصول عليه.

□ «أسطورة الريف».. ما الصعوبات التي واجهتك عند إخراج هذا الفيلم؟
■ صراحة لم أجد صعوبات في إخراج هذا الفيلم لا من إدارة «الجزيرة» ولا من خارجها. الصعوبة الوحيدة كانت في الوصول إلى بعض الأرشيف وبعض شهادات الذين شاركوا في حرب الريف (1921/1927). ولحسن حظنا وصلنا إلى شخصين كان سنهما يفوق المئة عام، أدلوا لنا بشهادات قيمة وتوفيا بعدها بفترة قليلة. فالفكرة عن عبد الكريم الخطابي كانت تراودني لما كنت أعمل لصالح «القناة الثانية» لكن للأسف أجهض المشروع بعدما كنا قد صورنا جزءا كبيرا منه في المغرب ومصر.

□ انتظرت سنوات عديدة لإخراج فيلم «بن بركة اللغز» بعدما كنت تنوي إخراجه أثناء عملك في المغرب أو في أبوظبي. في نظرك لماذا تتم محاربة أفلام وثائقية بهذا الشكل؟
■ كما أشرت سابقا فإن العالم العربي بصفة عامة لم يتصالح بعد مع تاريخه ورموزه، وهناك بعض العقليات المتحجرة التي تعمل على محو الذاكرة والرموز التاريخية. أتساءل لماذا ما زال في المغرب بعض المسؤولين يعتبرون المهدي بن بركة من التابوهات، في حين ذكره المرحوم الحسن الثاني في كتابه «ذاكرة ملك» وسمي شارع من أهم الشوارع في الرباط باسمه؟

□ هل بدأ العالم العربي اليوم الاهتمام بالفيلم الوثائقي مثل باقي أنواع الأفلام الأخرى؟
■ على الرغم من قلتها مقارنة بالغرب، إلا أن هناك بعض القنوات العربية التي بدأت تهتم بهذا النوع من الأفلام الوثائقية وأخص بالذكر قناة «الجزيرة الوثائقية» التي أنتجت العديد من الأفلام والمسلسلات التاريخية. وأتمنى أن يتطور هذا الاهتمام في باقي الدول العربية الأخرى، لأن الفيلم التاريخي هو وثيقة علمية يمكن أن يلجأ إليها المختصون والطلبة والأساتذة في أبحاثهم.

□ وهل يمكن أن ينمو الفيلم الوثائقي في فضاء غير ديمقراطي؟
■ لا يمكن أن ينمو ويتطور الفيلم الوثائقي في الأنظمة الشمولية، وغير الديمقراطية، لأن تعريفي للفيلم الوثائقي هو (المعالجة الخلاقة والفنية للواقع( فمفهوم «الخلاقة» يعني الصدق والنزاهة والحياد. وهذه الركائز لا نجدها في الأنظمة غير الديمقراطية. والدليل على إبراز وتطور بعض المخرجين العرب في الغرب، كان نتيجة للحرية والدعم الذي وجدوه في هذه الدول التي استضافتهم. نجد اليوم العديد من الأفلام الإبداعية في مهرجانات عالمية لمخرجين عرب، لكنْ في أغلب الأوقات منتجوها غربيون. وهذا يعطينا فكرة عن السبب.

□ كيف يمكن أن يكون الفيلم الوثائقي مساهما في الانتقال الديمقراطي والسلمي في العالم العربي؟
■ من خلال المهرجانات والبرامج التلفزيونية والندوات التعليمية والأبحاث العلمية. فالفيلم الوثائقي هو وثيقة علمية وتاريخية تمكّن المشاهد العربي من تعميق الحوارات والنقاشات حول سبل التطور الديمقراطي عند الشعوب، وتساهم في توعية الطبقات الاجتماعية حول مفهوم المواطنة والتعايش السلمي ومبادئ الاحترام ومسألة الحقوق والواجبات والعدالة الاجتماعية وقيم التعامل بين أبناء الوطن الواحد، وشعوب الأمم الأخرى.

□ في نظرك كيف رصد الفيلم الوثائقي مرحلة الربيع العربي وهل كان في مستوى المرحلة؟
■ هناك أفلام جميلة ومبدعة عايشت فترات مختلفة بما يسمى بالربيع العربي وحازت جوائز عالمية مثل «أمل» «نور» «العودة إلى حمص» و«التراجيديا السورية». وهناك أيضا أفلام ارتجالية ومتسرعة، وغير محايدة وغير ناضجة أنتجت وتلاشى صداها في بعض الأوقات حتى قبل أن تعرض.

□ وما هي المجالات والمواضيع التي تقترح على المخرجين الشباب في العالم العربي أن يحولوها إلى الشاشة؟
■ أقول لهم إن الأفكار الجيدة لا تكمن في الأحداث أو المواضيع الكبيرة، وإنما في المواضيع التي تبدو بسيطة ونعيشها ونتفاعل معها كل يوم. هي مواضيع من حولنا داخل محيطنا، مثل موضوع التلوث الأخلاقي والعلاقات الاجتماعية، من خلال أصدقائنا وجيراننا أفراد عائلتنا ومواضيع مرتبطة بمنظومة التعليم والصحة والعدل، من خلال معايشة شخصيات محورية وغيرها من مواضيع التلوث البيئي في كل أشكاله. فقط يجب الانتباه إليها والتفكير في تطويرها وبناء هياكلها، وأن يشتغلوا بجد ومثابرة وصبر ومشاهدة الأفلام الجيدة وإعادة تقييمها وتفكيك عناصرها وبنائها.

□ ماذا عن المهرجانات العربية الخاصة بالفيلم الوثائقي؟
■ في أغلب الدول العربية كانت بعض المبادرات وتأسست مهرجانات للفيلم الوثائقي، لكن للأسف لم تستمر طويلا، أو لم تتطور إلى المستوى العالمي حيث ظلت أسيرة العقلية القديمة المرتبطة بالحكومات والمجاملات والمحسوبية، على حساب المهنية والعمل الجدي. المبادرة الوحيدة التي يشاد بها في نظري هو «ملتقى بيروت للفيلم الوثائقي» الذي تجمعت فيه عناصر النجاح، من مهنية عالية لأعضاء الفريق المنظم واستقلالية المهرجان من الناحية المادية، حيث ليس هناك أي دعم حكومي أو مؤسسة حكومية. فكل الدعم هو من مؤسسات إعلامية عربية ودولية ومؤسسات المجتمع المدني. أتمنى أن يستمر في ظل هذه الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي يمر بها لبنان.

□ وما الموقف بالنسبة للمهرجانات السينمائية الدولية التي تنظم في العالم العربي؟
■ يقولون «فاقد الشيء لا يعطيه».. للأسف هناك العديد من منظمي المهرجانات العربية لا يعرفون أهمية الفيلم الوثائقي في السينما، وبسبب جهلهم وقلة معرفتهم، لا يعتبرون الفيلم الوثائقي عملا سينمائيا، لذلك يتم التعامل معه بهذه الطريقة التي ذكرت، بينما العالم الغربي يعرف أهمية الفيلم الوثائقي، ويعطيه أهمية كبيرة في المهرجانات وقاعات السينما، لأنه يعرف أن السينما ولدت ونشأت بالأفلام الوثائقية قبل أن تتطور الأفلام الروائية .

□ وماذا عن فيلمك الأخير؟
■ سيكون الفيلم جاهزا خلال أسابيع، وهو عن أهم الرؤساء الذين عرفهم لبنان .. الراحل «فؤاد شهاب» وسأقترح عرضه في 17 أكتوبر/تشرين الأول بمناسبة الذكرى الثانية للثورة في لبنان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية