طلال اسماعيل انتهى مهرجان ‘بوتنا / غيرلسبري’ الثقافي بمشاركة اثني عشر كاتباً ومسرحياً وفناناً من السويد، بينهم المخرج آندرش نيلسون والممثلة إيفا دال والموسيقي هارالد سفنسون، إضافة إلى ممثلة من إيران وممثل من جنوب أفريقيا. ومن العالم العربي شارك في اليوم الأول الأديب العراقي محمود البياتي، الذي انعقد المهرجان تحت عنوان كتابه ‘في انتظار الغريب’ وثلاثة تشكيليين عراقيين هم حقي جاسم وعبد الكريم السعدون وفاروق عمر، فضلا عن (كاتب هذه السطور) الموسيقي طلال اسماعيل.
عاشت المدينة الواقعة على بحر الشمال ثلاثة أيام (6 – 8 تموز/يوليو) تتابعت فيها قراءات الشعر والنصوص وعروض المسرح والرسم والنحت والموسيقى والغناء باللغات العربية والفارسية والسويدية.
أشرف على البرنامج الممثلة إيفا دال والمخرج آندرش نيلسون، الذي افتتح المهرجان بقراءة مقاطع (هو والبياتي) من قصائد باللغتين العربية والسويدية لغونار إيكلوف، وهي مزيج من ترجمة الشعراء سعدي يوسف وصالح عويني والراحل موسى صرداوي. ودارت حوارات متعددة مع البياتي حول أعماله وسبب انتقاله منذ 38 عاما من بغداد إلى براغ وموسكو واستقراره في غوثنبرغ، ثم تولى مع إيفا قراءة قصة ‘بغداد طهران ستوكهولم’ بأسلوب مسرحي. وقال البياتي إن عنوان الكتاب مستوحى من قصة قصيرة جدا عنوانها ‘الغريب’، وهي عن رجل يلتقي مع غريب في مكان ما، لم يعد يتذكر أين، ربما في شارع أو سينما او بار، قال له: ‘لطفاً، كُنْ أنا، عِشْ بدلاً مني، سأرجع حالا’، لكنه غاب، والرجل بانتظاره الآن؛ يعيش حياة صعبة ومعقدة تخص ذلك الغريب الذي خدعه. كما قرأ آندرش وإيفا باسلوب مسرحي أيضا أجزاء من القسم السابع من رواية ‘رقص على الماء أحلام وعرة’ قامت بترجمته إلى السويدية ماريا أنيل، وهي مترجمة ‘عمارة يعقوبيان’ و’شيكاغو’ للمصري علاء الأسواني. وأكد البياتي أنه يركز في قصصه على ثلاثة محاور: أولاً، سوء الفهم بين الفرد والمجتمع. ثانياً، لا يوجد إنسان سيئ بل موقف سيئ أو سلوك سيئ. ثالثا، اعتاد العلماء على قول متى وكيف وجدنا في هذا الكون، لكنهم لا يقولون لماذا. جواب الديانات غير كاف ولا مقنع. وقال البياتي إن بعض قصصه تعالج هذا السؤال الميتافيزيقي، وهو لا يعرف الجواب، كل ما يعرف هو أننا جئنا من العدم، والى العدم نذهب. وفي هذا الطريق المحدد والقصير ينبغي أن نعيش بسلام وهناء’. وتخلل هذه الحوارات والقراءات عزف على العود وغناء مشترك باللغات العربية والفارسية والسويدية مع الممثلتين الإيرانية نسرين باكهو والسويدية إيفا دال بمصاحبة عازف البيانو هارالد سفنسون. كما قُدمت عروض مسرحية قصيرة جداً وظريفة، بينها تحويل المسرحي نورليند عكازاً يتوكأ عليه البياتي، بسبب التواء في الساق، الى فلوت أو ناي والعزف عليه بمصاحبة البيانو!
وكانت ضربة الختام ـ كما قال البياتي – للتشكيلي عبد الكريم السعدون الذي وزع على الجمهور وعلينا أقنعة بلا ملامح، إلا انها تذكّر بنشوء المسرح البدائي المرتكز على طقوس الدين والخرافات.
وبدا الجمهور السويدي متعطشاً للأصوات المقبلة من ثقافات أخرى، فحظيت بالاهتمام مشاركات العزف على العود والغناء باللغة العربية مع الممثلة الايرانية نسرين باكهو التي غنت بلغتها الفارسية ورسوم وتخطيطات عبد الكريم سعدون وفاروق عمر وحقي جاسم، الذي وثّق فعاليات اليوم الأول بالصوت والصورة.
ويعتبر مهرجان بوتنا/غيرلسبري من اللقاءات الثقافية السنوية المعروفة في السويد، فهي تجمع بين دقة التنظيم والسلاسة والعفوية التي يفترض أن يقدم بها الأدب والفن والموسيقى والغناء، إلى جانب الحوارات التي تتخلل القراءات الأدبية.
ولا يقتصر الحضور على سكان بوتنا/غيرلسبري، ومعظمهم فنانون ومسرحيون ومخرجون سينمائيون ورسامون.. واثرياء، بل يأتي جمهور من مدن أخرى، بعضهم يرجع بعد انتهاء الافتتاح وبعضهم يقيم في الفنادق أو يستأجر غرفاً في بيوت الأسر في المدينة. على سبيل المثال، رأى البياتي قبل العرض المخرج المسرحي ستيفان هولمستروم، الذي سبق أن التقاه مرتين فقط أبدى خلالهما رغبته في تحويل روايته ‘رقص على الماء أحلام وعرة’ الى المسرح. كان يتناول الغداء مع امرأة. لم يتوقع البياتي حضوره من غوثنبرغ التي تبعد نحو ساعتين بالسيارة. سأل بأستغراب:
أتسكن هنا؟
اجاب باسماً:
لا، جئت لأراك فقط وأرى افتتاح المهرجان وأرجع في نفس هذا اليوم.
اشترى تذاكر الدخول كالآخرين، وهنأنا بحرارة بعد انتهاء العرض… أستاذ ادب انكليزي سابقا في العراق/ شاعر ورئيس فرقة سومر في السويد