المخرج صلاح الحوراني: مسرح دمى الأطفال كسر لسلطة الكبار على الطفل، وتمثيل لرؤيته الكاريكاتورية للحياة

حجم الخط
0

صمم عرضا خاصا بالأطفال الصم لمسرحية الدمى ‘كوكب الألوان’ أجرت الحوار: رحاب أبو هوشر: في ‘كوكب الألوان’، أصل الحكاية هي وهو، ومن الزهري والأزرق، بني جدار فاصل منذ لحظة الولادة بين البنت والولد، بين المرأة والرجل في الحياة. الموروث الثقافي والاجتماعي ممثلا بالجد ‘الأزرق’، يحضر من مكان إقامته في الماضي، ليتفقد صلابة الجدار المبرر لسلطته والمديم لها، كلما لاحت محاولة من الزهرية لخلع اللون القسري، لإيمانها بأنها ملونة بألوان كوكب الأرض، أو كلما شعر الولد الأزرق بالغبن اللاحق به جراء حبسه في اللون الوحيد القاتم وغربته عن أخته. في النهاية يستسلم الجد أمام حقيقة الحياة الملونة، وينهدم الجدار بين الأزرق والزهري، فكلاهما إنسان. عبر تلك الحكاية المستمدة مفرداتها من التراث الشعبي، عالجت فرقة مسرح دمى العربة، في الأردن، قضية ‘الجندر’، ضمن مشروعها لتوظيف المسرح في نشر الثقافة الديمقراطية وتربية الأطفال على حقوق الإنسان. هي تجربة مسرحية جديدة في مسرح الطفل الأردني، لجهة تخصصها بمسرح دمى الأطفال، إلى جانب جدة موضوعها، وقد شارك فيها مجموعة من أهم الكتاب والمسرحيين والفنانين الأردنيين، من بينهم الفنان خالد الطريفي، مؤلف النص، وممثلين من أبرزهم زهير النوباني ونادرة عمران وداود جلاجل وغيرهم، وأخرجها مدير الفرقة، الممثل والمخرج صلاح الحوراني. الفرقة المسرحية أضافت قيمة إنسانية وفنية لتجربتها المسرحية، من خلال تصميم عرض مسرحي خاص بالأطفال الصم، في سابقة مسرحية فريدة تماما، وتم عرضه أمام جمهور فاق ألف طفل أصم.

لإضاءة هذه التجربة المسرحية في مشهد فن وثقافة الطفل في الأردن، وحول رؤيته الفنية والثقافية والتربوية وآفاقها المستقبلية، حاورت مدير الفرقة ومخرج ‘كوكب الألوان’ الفنان صلاح الحوراني: ‘ يبدو مسرح الدمى مستحدثا في الأردن، لم نعرف تجارب فنية جادة فيه من قبل، وليس في ذاكرتي أكثر من بعض برامج الأطفال التلفزيونية التي وظفت الدمى لغة فنية. من أين بدأتم؟’ مسرح الدمى ليس مستحدثا في الأردن، لوجود تجارب مسرحية أردنية بدأت مع مطلع السبعينات من القرن الماضي، وقادتها الفنانة مارجو ملاتجليان، لكن هذه التجربة تراجعت، وأعيد إحياؤها من خلال مركز هيا الثقافي، في مطلع الثمانينات، حيث كنت ضمن فريقها، ومن هناك كانت بداياتي، وتراجعت أيضا هذه التجربة، لتعود مع بداية التسعينات بمبادرة من الزميلة الفنانة وفاء القسوس، ثم انكفأت التجربة تماما، حتى تصدينا لها بتأسيسنا لفرقة مسرح دمى العربة. تجربة مسرح الدمى في الأردن لم تكن تراكمية، بل مثلت تجارب فردية متقطعة، يتحمس لها أحد الفنانين، ثم يغادرها هاربا، كون فن الدمى، من أصعب الفنون التي تخاطب ذائقة الطفل المتلقي، والذي لا مكان فيه لإمكانيات عالم التكنولوجيا وصناعة الميديا، ومحاورته فنيا تستند بشكل كلي على مخيلة الفنان الإبداعية وسعة مداركه الفنية والثقافية والتقنية. ‘ ما الفارق الجمالي في رؤيتك كمخرج بين مسرح الدمى، ومسرح الطفل التمثيلي العادي؟ وهل يحدث فرقا في التفاعل والتلقي عند الطفل؟’ الفارق ليس جماليا فحسب، بل هو فارق بنيوي، فمسرح الدمى يلقى استجابة عالية على غيره من الفنون الأدائية الموجهة للطفل، لأن الطفل في حياته الواقعية، تمارس عليه سلطة الكبار، بدءا بمحيطة الاسري والاجتماعي والمدرسي، فأمه كبيرة الحجم بالنسبة له وأبوه أيضا، وكذلك باقي عناصر المحيط الاجتماعي ومفردات مكانه. الكل يمارس عليه سلطة، بالشكل والكتلة والسلوك، وتصبح الدمية مصدر تنفسه الوحيد، لذلك نرى الأطفال يتمسكون بشدة بالدمى في ألعابهم المنزلية، لأنها الجسم الوحيد الذي يمكن للطفل إخضاعه لسلطته فيحاكيها بحرية، يشاكسها دون قيود او وصاية، يكيفها وفق ما تنتجه مخيلته الواسعة، يغني لها، تنام معه، يضربها، ويحاورها ويعضها أيضاً بحرية وسلام، من هنا كان مسرح الدمى هو أكثر الفنون قربا لمدركات الطفل واحتياجاته، وبالتالي الأكثر استقبالا، ناهيك عن أن الدمية هي الرؤية الكاريكاتورية للحياة عند الطفل من حيث شكلها وصمتها أو صوتها، وإيقاعها وحراكها المدروس في فضاء المشهد المسرحي.’ تميز العرض بعناصر سينوغرافيا ذات جماليات جاذبة للطفل ببهجتها، وأكثر ما أثار اهتمامي حرفية تحريك الدمى، من أين حصلت على المحركين، في الوقت الذي نفتقر فيه لتراكمية التجربة والخبرة الفنية المتصلة بها؟’ واجهتنا صعوبات كبيرة، لأن الفن الذي ينقرض، تنقرض معه توابعه التقنية، فلم يكن لدينا محركو دمى محترفون، ومصنعو دمى وفنيون، إضافة إلى أن المسارح الموجودة في الأردن، صممت مغفلة استجابة إمكانياتها التقنية والهندسية لمتطلبات مسرح الدمى الفنية، بما في ذلك أهم المسارح كالمركز الثقافي الملكي، ومركز الحسين الثقافي.

ومنذ اللحظة الأولى لبدء العمل، ولقرارنا بإحياء هذا الفن المهم، قمنا بإعداد ورشة عمل فنية وتقنية شملت إعداد محركي دمى، ومصنعي ومصممي دمى مسرحية، كما باشرنا بورشة للنص المسرحي، فالساحة المسرحية الأردنية، حالها حال مثيلاتها في البلدان العربية والعالم، تعاني أزمة في النص المسرحي.’ المضمون الفكري للمسرحية يقوم على قضية ‘الجندر’-النوع الاجتماعي، وهي قضية معقدة ثقافيا واجتماعيا، هل تعتقد أن الطفل قادر على استيعاب هذا المضمون؟ ‘ كوننا وفي الأساس فرقة مسرحية متخصصة في تربية وتعليم الأطفال حقوق الإنسان، يحتم أن يكون موضوع المسرحية في إطار ذلك الأفق الفكري للفرقة، وقد كانت لدينا تجربة مسرحية أولى في ذات الإطار بعنوان ‘نحن هنا’ وكانت درسا جماليا مبسطا في تقديم مفاهيم عامة لحقوق الإنسان، قمنا باستنباطها من الموروث الشعبي العربي في ‘ألف ليلة وليلة’ و’كليلة ودمنة’، ونجحت التجربة، وألهمتنا خوض تجربة معاصرة جديدة هذه المرة، فكانت موضوعة ‘الجندر’، وهي بالضرورة قضية إشكالية تخص الكبار، فكنا أمام تحد كبير لتناولها برؤية جمالية وبمخيلة مفتوحة لتلائم عوالم الطفل ومفرداته الحسية.

عقدنا ورشة استمرت قرابة الخمسة شهور، لإعداد النص المسرحي، ضمت متخصصين في الدراما وثقافة الطفل، وكذلك متخصصين بقضايا المرأة والجندر، وكان مدخلنا تقديم الموضوع للطفل بصراع بصري وذهني جمالي، ينشأ عبر صراع درامي في تراكيب العلاقة بين لونين، الأزرق والزهري، مستندين في ذلك إلى موروث شعبي سائد في الثقافة الاجتماعية، تعطي اكسسوارات المولود الذكر لونا أزرق، واكسسوارات المولودة الأنثى لونا زهريا، وعليه يمنح الأزرق السلطة على الزهري، ومن هنا تبدأ عملية الفصل والتصنيف والجندرة.’ إثارة قضية الجندر عبر استدعاء الدلالات الاجتماعية والثقافية للونين الأزرق والزهري، حفز مخيلة الأطفال، ولقي تجاوبا إيجابيا كبيرا من قبلهم تجاه الثيمة الأساسية، هل مشروع ‘الجندر’ يقتصر على هذا العمل أم لديك خطط مستقبلية لتعميقه مسرحيا؟’ استجابة الأطفال العالية في استقبال العرض بمضمونه ومفرداته، يضعنا كفنانين أمام تحد كبير بضرورة الاعتراف والتجاوب مع احتياجات طفلنا المعاصر، وتقديم موضوعات حداثية له، وأن نغادر ثقافة التنميط العاجزة والمقيتة، والموضوعات السطحية والاستهلاكية كالديك الناعس والثعلب، والدجاجة الحالمة وقصة القطة الحزينة، فالطفل يدرك معادلات حسية لا ندركها، ومخيلته بلا حدود، مما يفرض علينا احترام احتياجاته الآنية والمستقبلية. وحاليا نعمل على إنتاج عمل مسرحي كبير، كتبه لوركا عام 1923، وهو نص مسرحي متخصص بالدمى، ويطرح فيه قضية الجندر بوضوح كبير، وسيفتتح هذا العمل ويعرض في تزامن واحد من قبل ثلاث مجموعات عمل فني في الأردن ورام الله، والقاهرة، كتشبيك بين ثلاث فرق مسرحية تعنى بمسرح الطفل، وهو عمل بميزانية كبيرة. ونحن في صدد إجراء الاتصالات الإدارية اللازمة لتنفيذه، ولن نستجدي أي وزارة ثقافة في أي من تلك الدول.’ قدمت عرضك الخاص بالأطفال الصم، ، وقد شاهدته ولمست التفاعل الكبير الذي فوجئت به شخصيا، من قبلهم. لماذا ذهبت إلى تصميم العرض ليتواءم مع قدراتهم الخاصة بالتلقي والتفاعل، وكان يمكنك الاستعانة بخبير لغة إشارة الصم مثلا؟’ نجاح مسرحية ‘كوكب الألوان’ في كافة مواقع عرضها، لفت انتباهنا كفنانين، إلى وجود فئة بين جمهور الأطفال، لا يستهان بعددها من الصم، يجلسون أثناء نقاش ما بعد العرض مع الأطفال، باغتراب عال، ويخرجون محبطين منكسري الخاطر، يسيطر عليهم الإحساس بالعزلة وعدم التواصل مع المحيط، مما دفعنا لتوليف المسرحية، بما ينسجم مع احتياجاتهم الإنسانية، لأننا لا نفبل بالمقولة النمطية والتبريرية بأن هناك إنسان معاق، بل هناك محيط وبيئة معيقة وعاجزة عن الاستجابة لاحتياجاتهم.’ كان العرض المخصص للصم، عرضا مزدوجا، فهو حافظ على عناصره كعرض دمى لجمهور عام من الأطفال، إضافة لممثلين اثنين جسدا المسرحية بلغة أدائية إيمائية، كيف قمتم بتصميم المسرحية للصم؟’ كان لا بد من إعداد ورشة تدريبية، وكنا أمام خيارين، أن يقدم العرض كما هو، مع وجود مترجم للغة الإشارة، يقوم بترجمة الحوار كما يترجم محاضرة تقليدية، أو الإيغال أكثر في قراءات فنية لهذه المعالجة، بتحويل لغة الإشارة الأكاديمية التقليدية إلى لغة الاداء الإيمائي والسيميائي المسرحي، بما يتعلق باللغة الايحائية والمنطوقة في العرض المسرحي، وهنا تحول مترجمو لغة الإشارة إلى فنانين، يرتدون زيا مسرحيا ويتحركون بإيقاع مسرحي، وينتجون إشارات إيمائية ودلالية غير تقليدية، أما الموسيقى والغناء، وهما عنصر أساسي في العرض المسرحي، فكانت أكبر المعضلات في طريقنا، حتى توصلت إلى استثمار تمرين يستخدمه الأطباء في قياس درجة الصمم، وقمنا بإعطاء كل طفل أصم من الجمهور بالونا منفوخا بالهواء، يضعه طوال العرض بين يديه، حيث تنتقل ذبذبات الإيقاع الموسيقى عبر مجسات الاستشعار الموجودة في كفيه لنقل الإيقاع إلى حجابه الحاجز، ليتمكن من التفاعل مع الإيقاعات الموسيقية. التجربة نجحت بامتياز، حيث رقص الأطفال وتمايلوا مع الموسيقى والغناء، بإيقاعات منظومة تنسجم تماماً وإيقاعات العرض المسرحي.’ هل استفدتم من تجارب مسرحية مماثلة في الأردن أو العالم العربي؟ أم أن تجربتكم فريدة تماما؟’ بحثنا كثيرا عن تجربة مشابهة، لنقتدي بها أو نستفيد منها محليا وعربيا، فلم نجد، لهذا كان جهدنا التدريبي الخاص بنا في بحثنا حتى توصلنا إلى حلول تفاعلية ومنهجية في التواصل مع الصم. رغم وجود شكل فني مسرحي يدعى ‘البانتومايم’، ويمكن تقديمه للصم بيسر وسهولة، الا انه نادر الوجود في منطقتنا العربية، أما ما ميز تجربتنا فهو أنها عرض مسرحي مكتمل العناصر والشروط المسرحية النموذجية، تم تحويله لمخاطبة الصم والتواصل معهم. فهو كما أسلفت كان عرضا مزدوجا.’ من بين الحضور، كان عدد من السفارة الكندية، بوصفهم الممولين لعملك المسرحي، لماذا اتجهت للحصول على تمويل أجنبي، عوضا عن دعم وتمويل وزارة الثقافة الأردنية أو ما يشابهها من مؤسسات وطنية ثقافية؟’ نعد في الفرقة لمشروع فني كبير، وهو تهيئة وإعداد شاحنة عملاقة سيتم تجهيزها تقنيا، لننقل بها المسرح من العاصمة إلى المحافظات والقرى والمخيمات والبادية، هذا المشروع قمنا بتقديمه للوزارة منذ أكثر من عام مضى، ولم نتلق ردا حتى الآن. وكنا عرضنا عليهم المشاركة معنا في إنتاجاتنا المسرحية، ومنها ‘كوكب الألوان’ الذي أنهينا العمل عليه، وتم افتتاح عروضه من قبل وزير الثقافة، دون تلقي رد منهم أيضا.

يبدو ان دور وزارة الثقافة كما يصرح دائماً امينها العام يقتصر على التنظيم والمراقبة والرعاية وأن الوزارة ليست معنية بالمساهمة في انتاج الفعل الثقافي، وهذا يذكرنا بثقافة الاحكام العرفية، حيث تكون وزارة الثقافة اقرب الى المخفر منها الى المؤسسة المعنية بالحراك الثقافي.

وزارة الثقافة الأردنية تعيش هذه الأيام حالة من الفوضى والإرباك، للأسف، حالها حال باقي المؤسسات الرسمية المعنية بالثقافة، وبالطفل وثقافته وواقعه الاجتماعي، وبدل أن تخطو إلى الأمام في فهم مهمتها الأخلاقية تجاه الأطفال، قامت الوزارة بإلغاء مهرجان مسرح الطفل الأردني، رغم إدراك الجميع بأن إعداد الطفل هو العنصر الأساسي في صناعة مستقبل الدولة، أي دولة.

في النهاية كنا بحاجة إلى التمويل، بعد نجاح تجربتنا المسرحية الأولى ‘نحن هنا’، بادرت عدة مؤسسات بالاتصال بنا لتمويل مشاريعنا الفنية، فكان أن اخترنا برنامج ‘تكافؤ الفرص’ في الوكالة الكندية للتنمية الدولية، كونه الأقرب إلى شرطنا الإنتاجي الفني.’ مسرحية الدمى ‘كوكب الألوان’ خرجت بعروضها من العاصمة عمان، لمختلف مناطق المملكة. كيف تقيم نجاح المسرحية؟ وهل ترى أنك تؤسس من خلالها لمشروع مسرح دمى أطفال في الأردن؟ ‘ نجحت التجربة نجاحا كبيرا، وانتشار عروضها في معظم مناطق المملكة، بمدنها وقراها ومخيماتها والبادية النائية، من أبرز المؤشرات على ذلك. حتى هذه اللحظة، قدمنا ستة وأربعين عرضا على مدى عام واحد. ومنذ تأسيس الفرقة، كان التوجه واضحا لدينا بتأسيس مشروع استراتيجي يقوم على إعادة إحياء مسرح الدمى المنقرض محليا، والمتراجع عربيا، ولهذا جاء تركيزنا على الورش التدريبية لإعداد المحركين والمصممين والمصنعين للدمى المسرحية، ذلك لإدراكنا بأن المؤسسة الرسمية، كوزارة التربية والتعليم من جهة اخرى، لا تضع مسرح الدمى ضمن أولويات نشاطها اللامنهجي، حتى أنها قامت بـ ‘منع’ إجازة عروض مسرح الدمى في مدارسها.’ يمكن أن أفهم عدم اهتمامها بأحد الفنون الموجهة للأطفال، ولكن يصعب تفهم منعها لعروض مسرحية؟ لماذا المنع؟’ حجتها في المنع كانت أن مسرح الدمى في الأردن، فن يتطاول عليه بعض المنتفعين على هامش الحراك الفني، فيقدمون عروضا استهلاكية، يستغلون الأطفال من خلالها، وهنا يكون العذر أقبح من الذنب، فبدلا من أن تنسجم مع الاتجاهات الحديثة في التربية والتعليم، بتوظيف اللعب والدراما في التعليم، وتؤسس ورشاتها التدريبية في ذلك، وتدخل فن الدمى والأساليب الفنية الحديثة في التعليم، إلى غرف الصف، هربت من الأمر، على قاعدة ‘سكن تسلم’ فمنعت هذا الفن برمته. ‘ الاهتمام الطفل في الأردن، كما في البلدان العربية الأخرى، غائب إلى حد كبير عن أولويات عمل المؤسسة الثقافية الرسمية، ولكن لماذا يهرب المشتغلون بالثقافة والفن أيضا من الاشتغال للطفل؟’ الأزمة هي أزمة وعي، فردي ومؤسساتي، والمسرح في الوطن العربي بشكل عام، مهنة الفقراء من الفنانين، ملتزمين كانوا أم استهلاكيين، فكيف سيكون الحال بالنسبة لمسرح الطفل، الذي يتطلب جهدا أكبر معرفيا وفنيا وزمنيا، ومردوده المالي هو الأقل في نفس الوقت. لهذا نرى الفنانين يهربون منه إلى مناطق أكثر سهولة تحقق مردودا أعلى نسبيا.’ كيف أفاد نجاح المسرحية الجماهيري مشروعك في مسرح الطفل؟ هل كان تفاعل الأطفال واحدا، أم تفاوت بحسب مناطق عرضه وظروفها وبالتالي ظروف الأطفال، ما بين العاصمة والمحافظات والقرى النائية؟’ قرارنا بأن نكون فرقة مسرحية جوالة، يتعلق بأن الجمهور هو العنصر الأساسي في المعادلة المسرحية. طفنا على الأطفال حيثما تواجدوا، وأعددنا العرض المسرحي من الناحية التقنية والفنية ليتلاءم مع إمكانية عرضه في مسرح حديث أو دار للأوبرا أو حديقة عامة أو زقاق في مخيم أو في بيت شعر في البادية. وبالتأكيد لم تكن العروض تتشابه، ففي المسرح المترف، ينضبط الاطفال، وفي مسرح الشارع، ينفلت إيقاعهم ليتماهى مع إيقاع العرض، وحيث كنا ندير حوارا يعقب كل عرض، فقد كان الحوار في المسارح المغلقة رسميا، وتغلب على الأطفال الرهبة والنمطيه الرسمية، أما في القاعات والفضاءات المفتوحة، فيكون الحوار أكثر عفوية وتفاعلا، وبذلك تكتمل المعادلة المسرحية، بالنسبة لنا كفرقة، فنحن نفضل العروض البعيدة عن المدينة، لأن جمهور المحافظات والقرى النائية من الأطفال، ما زالت ذائقتهم الجمالية بكرا، لم تلوثها مفردات المدينة، بل عززت إيقاعه ومخيلته الطبيعة والمساحات المفتوحة والأيقاع المنطلق.’ كان توظيف الموروث الغنائي والموسيقي الفلكلوري ملفتا في المسرحية، وانتهت المسرحية بغناء نشيد ‘بلاد العرب أوطاني’، هل أردت معالجة أزمة الهوية والانتماء عند الطفل العربي؟’ حال النص الشعري المكتوب للطفل، لا يختلف عن حال النص المسرحي له أيضا، فهنالك أزمة خانقة في كليهما، وغالبا ما تكون الأغاني الموجهة لهم ذات مضمون مشترك مع أغاني الكبار المغرقة بالاستهلاك، ولا تنتمي لشخصيته واحتياجاته كطفل، لذلك نجحنا بالذهاب إلى الملحون الشعبي في أغاني الأطفال العربية, وعملنا على إعادة فكها وتركيبها بما ينسجم مع احتياجات العرض المسرحي، فتراثنا زاخر بأغاني الألعاب والمواسم الطقسية وثقافة الفرجة الشعبية في أغاني الأطفال، أما أغنية النهاية، فكان لا بد من أن نذكر أطفالنا بضرورة أن يحلموا معاً بوطن عربي واحد، له نشيد وطني واحد، وعلم واحد.’ ما الذي ينقص الطفل العربي اليوم على مستوى الفعل الثقافي والفني؟’ لكي أجيب عن هذا السؤال، فإني أطالب المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني والزملاء الفنانين والقائمين على رعاية الأطفال، أن يطلعوا على التقرير الأخير للمجلس العربي للطفولة والتنمية، كي يصرخوا معي، بأن طفلنا العربي في خطر. يقول التقرير أن 24 مليون من الأطفال العرب متسربون من التعليم، وأن 17,5 مليون طفل عربي يصنفوا بأنهم أطفال شوارع، أي أن لدينا امبراطورية من أولاد الشوارع! وأن عدد الأطفال الذين يتعرضون للاضطهاد في الورش الصناعية يتجاوز الـ15 مليون طفل، يعملون في ظروف تتنافى مع احتياجاتهم الصحية والنفسية، تحت وطأة عمالة الأطفال، ويقول التقرير أيضا بأن عدد القتلى من الأطفال العرب، جراء النزاعات والحروب يتجاوز 1,5 مليون طفل، وأن 2,5 مليون طفل معاق جراء تلك النزاعات، ويخلص التقرير إلى نتيجة مفادها أن الأطفال بشكل عام يقضون أمام التلفزيون ما لا يقل عن 3 ساعات يوميا، وأن الطفل دون سن الثلاثة أعوام فيقضي سدس ساعات يقظته أمام التلفزيون، أما الأطفال الذين يذهبون للمدارس فيقضون ما يعادل ساعات وجودهم في المدرسة أمام التلفزيون، فماذا أعددنا لهم كفنانين ومثقفين وصانعي قرار ومؤسسات رسمية؟ نحن نساهم مساهمة كبيرة في صناعة ما يحيط بالطفل العربي من خطر، حين نتركه عرضة لثقافة الاتجار به وتحويله إلى سلعة عبر فضائيات وبرامج استهلاكية تهشم شخصيته ووعيه، وتشوه ايقاعه الداخلي وتنمي فيه مسلك التفرد ونزعة الانا ورفض الاخر وحس الهيمنة والبطش والعدوانية، ناهك عن فضائيات الفكر الظلامي.’ ماذا عن المشاركات الخارجية للمسرحية؟’ وجهت لنا دعوات لنقل العرض الى المغرب وتونس ورام الله والقاهرة ولندن، ونقوم حاليا بالإعداد لذلك، ومن المتوقع مشاركتنا في عدة مهرجانات مختصة بمسرح الطفل، فعقيدتنا التجوال والتواصل مع جمهورنا الاطفال وفق ما تسمح امكاناتنا بذلك، لنساهم في تهدئة محيطهم الانساني المضطرب، فالفن لغة شفافة للتواصل بين البشر، طريق آمن مختصر إلى مخيلة الأطفال التي لا تحدها حدود. المسرح تعلم بواسطة اللعب، دمية تضحك أو تغني أو ترقص، عزف على آلة موسيقية حنونة هربت من ثقافة التحريم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية