عدنان حسين أحمد
يعتمد النقاد السينمائيون والمتخصصون في صناعة الأفلام علي جملة من المعطيات للتفريق بين الفيلم الوثائقي والروائي. وربما يكون من المفيد أن نفرِّق بين مفردتي التسجيل و التوثيق في اللغة السينمائية. فالأولي تعني تصوير أي حدث، ولكنه قد لا يصل الي مستوي الوثيقة التي يُعوَّل عليها. أما التوثيق فهو التسجيل الفني الذي يرقي الي مستوي الوثيقة التي يُعتمد عليها. ويتميز بحرفية مخرجه والطاقم الذي يعمل معه. فثمة أفلام وثائقية ذات قيمة فنية ومضمونية تستجيب لشروط التوثيق، وثمة أفلام تسجيلية لا تخرج عن إطار ما يمكن أن نسميه بـ الأفلام المنزلية التي ينجزها أناس عاديون هدفهم تسجيل حدث ما لا يرقي الي مستوي الشهادة أو الوثيقة. كما تستدعي الضرورة هنا التفريق الأولي بين الفيلم الوثائقي والفيلم الروائي لكي لا تختلط الأمور علي القرّاء. فالأول يعتمد علي سرد قصة حقيقية، اجتماعية، سياسية، علمية. . يمثلها أشخاص عاديون لا عهد لهم بحرفة التمثيل، وفي الأعم الأغلب يرتجلون حواراتهم، ولا يعتمدون علي السيناريوهات المعدة سلفاً. فسيناريو الأفلام الوثائقية يكتب بعد التصوير، وليس قبله. أما الفيلم الروائي فهو يعتمد علي قصة خالية، يمثلها فنانون محترفون يعتمدون علي سيناريوهات مكتوبة سلفاً، ولا مجال للارتجال فيها، ناهيك عن عدد كبير من المعطيات الأخري التي تميز بين الفيلم الوثائقي والروائي. أتاح لنا غاليري آرك الواقع في إيلينغ، غرب لندن، في أمسية الخميس الماضي الموافق 26 تموز (يوليو) الجاري مشاهدة فيلم روائي قصير يحمل عنواناً غريباً بعض الشيء وهو فيلم ع السليما، تمثيل ميس طارق، وحيدر موسي، وإخراج عدي صلاح. الفيلم من إنتاج شركة يكون، مدته 35 دقيقة. يبدو الفيلم وثائقياً أول وهلة لأن فكرته قائمة علي توثيق ماضي السينما العراقية وحاضرها، ومحاولة استشراف مستقبلها من خلال عدد من الحوارات السريعة، والمقابلات الخاطفة التي تجريها الإعلامية ميس طارق وزميلها المصور حيدر موسي مع عدد من الفنانين والنقاد السينمائيين العراقيين، إضافة الي لقاءات اعتباطية غير مدروسة مع عدد محدود من المواطنين العراقيين الذين يتصادف وجودهم في الشوارع والأسواق، ناهيك عن التعليقات علي عدد من الموضوعات التي رأي مخرج الفيلم أنها مهمة، وتستحق أن يتوقف عندها موضحاً إياها، ومستجلياً أبعادها الفنية والفكرية والسياسية والدعائية. يكتشف المشاهد المتمعن والحصيف والذي يتوفر علي ثقافة سينمائية معقولة أن الفيلم ببساطة ليس وثائقياً، وإنما هو روائي قصير يعتمد علي قصة سينمائية مكتوبة، وسيناريو معد سلفاً قبل التصوير، وأن هناك ممثلين يجسدون الأدوار المسندة إليهم، الأمر الذي يقطع الشك باليقين أن الفيلم روائي، وليس وثائقياً علي الإطلاق. يا تري، لماذا أربك المخرج مشاهديه ووضعهم في حيرة قد تكون مقصودة أو غير مقصودة ربما؟ في مستهل أمسية آرك السينمائية استمعتُ الي السيدة ربيع العبايجي التي تحدثتْ عن ظروف وملابسات إخراج هذا الفيلم. فعلي الرغم من كونها مهندسة ولا علاقة لها بالسينما علي صعيد الاختصاص في الأقل، إلا أنها ساهمت بدور مساعد مخرج لهذا الفيلم، ولا نعرف طبعاً حدود المساعدة التي أبدتها السيدة العبايجي: هل هي تقنية، أم رؤيوية، أم دراماتورغية؟ هل ساهمت في مناقشة أفكار الفيلم ومحاوره وأهدافه التي يبغي الوصول إليها، أم أنها اكتفت بتحصيل الدعم المادي للفيلم، ومحاولة ترويج عرضه في أكثر من بلد أوروبي كما حصل في غوتنبيرغ في السويد وفي لندن غير مرة؟ أوضحت العبايجي بأن الفيلم في الأساس كان توثيقاً لمهرجان الفيلم الروائي القصير الذي انطلقت فاعلياته في بغداد عام 2005. وقد كُلِّف المخرج عدي صلاح بإنجاز فيلم وثائقي عن المهرجان لا تتجاوز مدته 10 دقائق. وفي أثناء التصوير اكتشف المخرج أن المادة المُصورة الخام التي تحت يده كثيرة، ومفيدة، ويمكن أن يستثمرها المخرج في موضوع آخر، أو ينطلق منها لتطوير فكرة الفيلم الروائي التي تدور في ذهنه. هذه الآراء هي خلاصة ما قالته العبايجي في مستهل الأمسية السينمائية التي حضرتها نخبة من المثقفين العراقيين المقيمين في لندن. ارتكز المخرج علي مضمون هذا الفيلم الوثائقي، وانطلق من خلاله لبناء فيلمه الروائي القصير الذي أسماه فيلم ع السليما ورأينا كيف كانت الإعلامية ميس طارق بصحبة المصور السينمائي تلتقي بالفنانين والنقاد السينمائيين والمواطنين العراقيين علي حد سواء لكي تكشف واقع السينما العراقية في الماضي والحاضر، وفيما إذا كانت هناك بارقة أمل تلوح في نهاية النفق الذي يمر به العراقيون الآن في ظل الظروف الاستثنائية الشاذة. وتقتضي الإشارة هنا الي أن ميس طارق كانت شخصية جذابة في الفيلم، وتتحدث بعفوية، مثلما تؤدي الدور المُسند إليها بتلقائية كبيرة تؤهلها في المستقبل القريب أن تكون نجمة سينمائية وتلفزيونية مشهورة إذا ما وُجِد المخرج الذي يعرف كيفية استثمار هذه الفتاة الموهوبة التي تبشر بمستقبل واعد. وقد انعكست عفويتها، وخفة ظلها علي الناس الذين حاورتهم في الشارع العراقي. وقد نجح الفيلم في أن يكون خفيف الظل، قليل الرتابة، سريعاً علي نحو ما. وعلي الرغم من أهمية إجابات الفنانين والنقاد العراقيين علي أسئلة المحاورة إلا أن هذه الإجابات ظلت تدور في فلك المألوف والمتعارف عليه من الآراء التي تقول بأن هناك أفلاماً أو تجارب أو محاولات سينمائية عراقية، بينما لا توجد هناك سينما عراقية كما قال الفنان جلال كامل، في حين دافع الفنان الكبير يوسف العاني عن أفلام عراقية مهمة ولا يمكن لأحد أن يتجاوزها مثل سعيد أفندي، من المسؤول، المنعطف، الحارس، الملك غازي وسواها من الأفلام العراقية التي أنجزت خلال العقود الستة الأخيرة بما فيها عقود النظام الدكتاتوري السابق الذي أدلَجَ بعض الأفلام لمصلحته الفكرية والسياسية. طالبَ بعضُ المُحاوَرين بصناعة سينمائية عراقية جديدة تتماشي مع روح العصر، ولا بأس في أن يكون أبطالها من الشباب أو من النجوم العراقيين السابقين شرط أن تُسند إليهم أدوار جديدة ومغايرة مستوحاة من المرحلة الجديدة التي شهدت تغييرات دراماتيكية. لا يمكن، بطبيعة الحال، أن أتوقف عند مجمل الآراء التي قيلت علي مدار الفيلم فهي كثيرة ومتشعبة وتحتاج وحدها الي دراسة منفردة، خصوصاً فيما يتعلق بالآراء والمفهومات القيِّمة التي طرحها كل من يوسف العاني، جواد الشكرجي، جلال كامل، هادي ماهود، د. حمودي جاسم، نزار الراوي، د. صباح الموسوي وآخرون. كان الفيلم الروائي القصير الذي استقررنا علي توصيفه، ووضعه في إطار الأفلام الروائية القصيرة مرتبكاً، وغير مستقر، ولعلني لا أبالغ إذا قلت بأن الفيلم يحتاج الي إعادة بناء أو تشذيب في كثير من مفاصله بدءاً من القصة السينمائية بما فيها من حوارات، ومونولوجات، وتعليقات، مروراً بالتصوير، وانتهاء بالمونتاج واللمسات الإخراجية الأخيرة لكي لا يبقي الفيلم مُدرَجاً ضمن باب الريبورتاج التلفازي وربما الإذاعي لأنه يتوفر علي تعليقات سردية مفرطة لا يحتاجها الفيلم الروائي أو الوثائقي علي حد سواء. ثمة ملاحظة مهمة تتعلق بالتصوير، إذ عمد المصور ووافق المخرج، سواء أكان عارفاً بالأمر أو جاهلاً به علي استعمال عدد كبير من اللقطات المقربة الـ close up التي أربكت سياق الفيلم الذي لم يكن يستدعي كل هذه اللقطات المقربة التي لها شروطها المعروفة في الأفلام الوثائقية أو الروائية. لا يعترض أحد إذا كان إيقاع الفيلم سريعاً، ومتواتراً، لكن المشاهد ذا العين المدربة يأنف أن يشاهد فيلماً روائياً مبنياً علي وفق تقنية الفيديو كليب التي تعتمد علي حركات الصور السريعة واللقطات المتخاطفة والمتداخلة. وقد كان جزء كبير من الحوارات المُصوَّرة يعتمد علي هذه التقنية التي تحتاجها الأغاني السريعة المعاصرة، بينما لا تستدعيها طبيعة فيلم روائي من هذا النوع. ختاماً نقول إن ما يشفع لهنات المخرج وأخطائه التقنية والبنائية هو أن هذه المحاولة هي فيلمه الروائي القصير الأول. وإذا كان النقاد والمشاهدون يجترحون له الأعذار في الإطلالة الأولي فهم بكل تأكيد لن يتساهلوا معه في المحاولات القادمة التي يُفترَض أن تكون مدروسة وناضجة وتستحق المشاهدة في أقل تقدير. فهو لم يأتِ من خارج الاختصاص السينمائي، لأنه خريج قسم السمعية والبصرية في أكاديمية الفنون الجميلة. وقد عمل بضع سنوات مخرجاً للأفلام الوثائقية لمصلحة القناة الفضائية العراقية. وهو عضو ومخرج مساعد في شركة TOBE للإنتاج والتوزيع.