فاز بطلا فيلمه ‘ماجد’ في مهرجان وهران للفيلم العربي بجائزة أحسن ممثل وهران من رحاب ابو هوشر: لم تخب التوقعات التي رشحت الفيلم المغربي ‘ماجد’ للمخرج نسيم عباسي للفوز بإحدى الجوائز، لدى مشاركته بمهرجان وهران للفيلم العربي في دورته الخامسة، التي اختتمت مؤخرا، حيث نال بطلا الفيلم، الطفلان إبراهيم البقالي ولطفي صابر، جائزة أحسن ممثل، وكان الفيلم حقق نجاحات لافتة في مهرجانات سابقة، حيث استحق جائزة أحسن سيناريو في المهرجان الوطني للفيلم المغربي 2011، وجائزة ‘الصقر الفضي’ في مهرجان الفيلم العربي بروتردام ـ هولندا، إضافة إلى تنويه خاص من لجنة تحكيم المهرجان الدولي للفيلم ‘سيني كيد’ بمدينة امستردام.
تمكن عباسي في فيلمه ‘ماجد’، من إدارة بطليه الطفلين ببراعة لأداء متقن ومؤثر، وتفوق في الإمساك بخيوط حكايته بلغة سينمائية رصينة، أفصحت عن بنية درامية متينة من خلال السيناريو المكتوب بجرأة وعمق، ولقطات الكاميرا التي عبرت بكثافة عن أحاسيس الشخصيات، وكشفت قسوة وعنف المجتمع المغربي تجاه الطفولة، من خلال قصة الطفل اليتيم ‘ماجد’، ابن القاع الاجتماعي، الذي يعيش حياة التشرد بعد نزاعه مع شقيقه الأكبر الحالم بالهجرة، ويسكنه هاجس العثور على صورة لوالديه الغائبة ملامحهما من ذاكرته، وفي رحلة بحثه، يقيم صداقة مع ‘العربي’، الطفل الذي يعمل للمساهمة في إعالة أسرته، وفي الأثناء تتساقط أقنعة المجتمع الأخلاقية واحدا تلو الآخر، برصد مأساوية عمالة الأطفال، وعذابات أطفال الشوارع. المخرج نسيم عباسي، مؤلف سيناريو الفيلم ومخرجه، مغربي حاصل على شهادة في الإخراج من المملكة المتحدة، وله العديد من الأفلام القصيرة التي لاقت الإشادة من النقاد في الملتقيات السينمائية، وأول أفلامه الطويلة نال جائزة التميز في المهرجان الدولي للسينما الرقمية في مدينة دلهي عام 2005، وهو فيلم ناطق باللغة الانكليزية، بعنوان: ‘The Winter Sun Is A Lie’، وفي رصيده فيلم آخر بعنوان ‘بلا حدود’، أنجزه في العام 2008، وكان فيلمه الأخير ‘ماجد’ آخر أعماله، التي شارك بها في مهرجان وهران للفيلم العربي 2011، حيث التقيته هناك وحاورته لمزيد من الضوء على تجربته:
ـ لا بد أن يستوقف فيلمك ‘ماجد’ أي متابع سينمائي، لفرادة ثيمته وصعوبة تناولها، لاسيما أن كثيرا من الفنانين يتجنبون أعمال الطفل. ما الذي دفعك لكتابة قصة ‘ماجد’؟ وكيف عالجت الفكرة؟*بعد تخرجي، كان أول مشروع فكرت بإنجازه هو هذا الفيلم، وكان أول سيناريو قمت بكتابته لفيلم طويل، وسابقا لكل ما قمت بإخراجه، إلى أن تهيأت ظروف تمويله، حيث رغبت بالعمل على موضوع يخصني. هذا الفيلم يتصل اتصالا شخصيا وثيقا بي، نجم عن رغبتي باسترداد جزء من ذاكرة طفولتي، حين اكتشفت أنها ضاعت مني، مع أنها كانت سعيدة، لاعتبارات سياسية، فأنا من أم جزائرية وأب مغربي، وأقمت مع عائلتي في الجزائر حتى سن العاشرة، عندما اندلعت الأزمة السياسية بين الجزائر والمغرب على خلفية قضية الصحراء، وقيام الرئيس الراحل بومدين في السبعينات، بترحيل حوالي خمسة وأربعين ألف مغربي عن الجزائر، كانت عائلتي من بينهم. بقيت سنوات طفولتي العشر مبهمة، وغير واضحة المعالم في ذاكرتي، لذلك قررت الاشتغال على فيلم يحكي عن طفل يعاني أزمة ذاكرة. خلقت من ماجد شخصية تسعى لمعرفة ملامح ماض، لم يعد يربطه بها إلا صورة لوالديه الراحلين، لكن الصورة الوحيدة التي كان يملكها، محروقة الوجهين، وأخذته في رحلة للبحث عن صورة كاملة الملامح لوالديه أخبره شقيقه الأكبر عنها، لكي يسترد ذاكرته، ويخرج من شرك الماضي.
أما دافعي الثاني لإنتاج هذا الفيلم، فقد كان الاضطهاد السلطوي وغياب العدالة في المجتمع، وهو ما يشار إليه في المجتمعين المغربي والجزائري بمصطلح دارج هو ‘الحكَرة’ وتعني الظلم، حيث شاهدت عبر سنوات، كثيرا من مظاهر الظلم والتسلط في المجتمع، وخصوصا تجاه الأطفال المحرومين من أبسط حقوقهم الإنسانية، وكذلك الفقراء والأيتام.
ـ برع الطفلان في أداء دوريهما، وظهر ‘العربي’ كمتمرس في التمثيل. كيف أمكنك إدارة طفلين، لكي يتمكنا من تقمص شخصيتين بتلك العفوية والصدق؟*بحثت طويلا عن الطفلين اللذين أردتهما في كل الأماكن، زرت المدارس والملاجئ، وفتشت في الشوارع، حتى عثرت عليهما. دور ‘العربي’ أداه إبراهيم البقالي، وهو طفل من طنجة، كان يعيش في ملجأ، حيث تخلت عنه والدته، لأنه كان نتاج علاقة غير مشروعة، وقامت سيدة عجوز بتربيته مع أطفال آخرين، كانت ترسلهم إلى الشارع للتسول، وهو طفل أكثر تمردا في حياته الواقعية مما بدا عليه في الفيلم، وتعرفت عليه خلال عمله، حيث كان يحصل على المال من أداء حركات بهلوانية في الشارع، أما لطفي صابر الذي أدى دور ‘ماجد’، فهو طفل فقير جدا، ينتمي لعائلة مكونة من عشرة أفراد، وكان يعمل لمساعدة أسرته، إلى جانب ذهابه إلى المدرسة. هذان الطفلان لم يقوما بالتمثيل، بالمفهوم الفني المعروف، ولم يكونا سوى طفلين مارسا العفوية والصدق، في أدوار شديدة الشبه بشخصيتيهما وظروفهما الواقعية.
ـ الفيلم يرتكز كله على الطفلين وقوة أدائهما، كيف جازفت بمصير فيلمك بالمراهنة على أطفال لم يمثلوا يوما؟*بعد حصولي على التمويل اللازم للفيلم، شعرت بخوف شديد من تعقيدات العمل مع الأطفال، ومن صعوبة إيجادهم وفق ملامح شخصياتي، وعندما عثرت على إبراهيم ولطفي، بدأت بتهيئتهما للعمل، وأحضرتهما للإقامة في المنزل بين أفراد أسرتي لفترة، وكانا يشاركاننا الطعام والأنشطة المختلفة، ومع بدء التمارين، لمست قدرتهما الكبيرة على تجسيد الشخصيتين كما أراهما، فشعرت بالثقة، ولم يخل الأمر طبعا من معاناة بعض مشاكل الأطفال، والشجارات التي تحدث بينهما لأتفه الأسباب كالعادة.
ـ في البوستر، وصف الفيلم بـ’الكوميدي’، وهو فيلم تراجيدي مثير للألم والغضب، رغم بعض المشاهد المضحكة. هل تقصدت مثل ذلك الوصف لإضفاء طابع جماهيري على الفيلم باعتبار الكوميديا عنصرا جاذبا للجمهور؟*تصميم البوستر ليس من مهامي، ويقع على عاتق الموزع، الذي رغب بإطلاق ذلك الوصف، لترويج الفيلم كفيلم عائلي، يشاهده الكبار والصغار، لاسيما أن قصته تدور حول طفل.
ـ نجح الفيلم باستقطاب نخبوي لفئة النقاد والمتابعين السينمائيين، كما حظي بإعجاب جماهيري كبير. كيف أمكنك تحقيق هذا التوازن؟ وهل ثمة خلطة، إذا جاز التعبير، اعتمدتها لتحقيق نجاحين يصعب الوصول إليهما عادة؟*هذا صحيح، قيل لي هذا الكلام في المغرب أيضا، ولكن المسألة تتعلق برؤيتي تجاه العمل السينمائي، حيث أميل لتلك النوعية من الأفلام التي تسعى لتحقيق الضوابط الفنية للعمل، من دون أن تتجاهل ضرورة الوصول إلى الجمهور المتلقي وهو طرف أساسي لإنجاح أي فيلم لديه ما يقوله. وأرى أن كتابة السيناريو ومصداقيته في معالجة أي موضوع، هي ما يحدد إمكانية التوازن، لكي يلامس مشاعر الجمهور وأفكاره، إضافة إلى الدقة في اختيار الممثلين، بالمحصلة ليس هناك أي خلطة سرية للنجاح، إلا تناغم عناصر الفيلم ومصداقيتها.
ـ الفيلم مشغول ببساطة، إيقاعه هادئ والكاميرا تدور متجولة، لتلتقط اللحظات والمشاعر والأماكن بحساسية فنية واضحة، كما أن الحوار نجا إلى حد كبير من الثرثرة المجانية. هل تعتمد في أسلوبك السينمائي تيارا محددا أو مدرسة فنية؟ وكيف تشكلت رؤيتك الإخراجية للفيلم؟*الأسلوب يعتمد على قصة الفيلم، ببساطة لا أجد مبررا لحركة زائدة للكاميرا في غير محلها، لمجرد الاستعراض أو الإبهار البصري، لأنني أريد أن ينغمس المشاهد بالقصة الإنسانية، وأن يرتبط بالمشاعر والأحاسيس، لذلك أتجنب العمل على مساحات فائضة. أما المدارس السينمائية فهي عديدة، لكنها لم ترد في حساباتي لدى عملي على الفيلم، فكل همي كان إتمامه، بسبب ما واجهني خلال تنفيذه، من عقبات وصعوبات أعاقت تقدمه، لارتباك زمن التصوير، حيث اضطررت للتصوير ثلاثة أيام إضافية، وشعرت باكتئاب فور الانتهاء منه، لإحساس لازمني بفشل الفيلم، فكرهته واعتبرته مجرد خطأ ارتكبته. لقد عشت مشاعر سلبية جدا تجاهه، وكنت ممتلئا بالمخاوف، ولكن بعد قيامي بعمليات المونتاج، وعرضه على أفراد عائلتي للمشاهدة، وبعد أن رأيت انفعالهم الكبير به حد البكاء، أدركت أنني نجحت وهدأت قليلا، ولم أشعر بالارتياح التام إلا بعد عرضه الأول.
ـ نلحظ نشاطا سينمائيا مغربيا لافتا في المهرجانات والملتقيات السينمائية. كيف تقيم مستوى الفيلم المغربي حاليا؟*أبرزت السينما المغربية تنوعا في أفلامها، وأمكنها تحقيق تراكم نسبي في إنتاجها الحديث، وكان فيلمي ‘ماجد’ أول فيلم مغربي يعطي الأطفال دور البطولة، لاهتمامي بالطفل، ونقص الأعمال الفنية التي تعالج قضاياه وهمومه. لقد أدركت منذ طفولتي أن الطفل مهمش اجتماعيا وإبداعيا.
ـ من خلال تجربتك، ما هي آفاق صناعة السينما المغربية؟ وما هي التحديات التي تواجه تطورها؟*كان عدم وجود صناعة سينما في المغرب، سببا رئيسيا لذهابي إلى إنكلترا لدراسة السينما في تلك الفترة، وبقيت هناك بعد تخرجي من المعهد لبضع سنوات، واشتغلت مجموعة من الأفلام القصيرة، ولكن بعد رجوعي إلى المغرب، كان الوضع قد اختلف، من ناحية زيادة النشاط السينمائي وتطور صناعة السينما. ومرد التغيير كان الدعم الذي قدم للسينما بإرادة سياسية، فالملك يحب السينما العالمية، وهو من أنشأ مهرجان مراكش للسينما. وبناء على ذلك الاهتمام، ازداد انتاج الأفلام، ولكن بقيت السينما المغربية تعاني من اعتمادها على دعم الدولة، وندرة الاستثمار الخاص فيها، إضافة إلى أزمة اضمحلال دور السينما المعروفة، وهي القاعات المستقلة الواحدة، التي تبلغ اليوم خمسين دارا، الملائم منها للعروض السينمائية لا يكاد يتجاوز خمسة وعشرين دارا، بينما كان عددها مئتين وخمسين دارا في الستينات من القرن الماضي. وهذه أصبحت مشكلة عامة، تعاني منها مختلف البلدان العربية في هذه الآونة، وذلك في إطار العولمة، حيث تغلق قاعات سينما عريقة، مقابل بروز مجمعات (مولات) تضم عددا من القاعات السينمائية. ففي مصر مثلا، انتهى وجود عدد كبير من دور السينما المستقلة، لصالح المجمعات الحديثة. ولتجاوز هذه الأزمة في المغرب، يتوجب إنشاء قاعات سينما في المجمعات، لكي تسد فراغ انتهاء دور القاعات المستقلة.
ـ وبرأيك ما هي العقبات التي تواجه صناعة السينما العربية؟*كانت السينما العربية تعاني أزمة تقنية، ولكن تم تجاوزها في السنوات الأخيرة، فقد أصبحت تمتلك ما يضاهي تقنيات السينما الأوروبية، كما أنها لا تفتقر لبقية عناصر الإنتاج، فلديها مخرجون مؤهلون وممثلون موهوبون ونصوص جيدة، التوزيع هو المشكلة الأساسية التي تواجه السينمائيين العرب، باستثناء المصريين، فهم وحدهم القادرون على توزيع أعمالهم السينمائية في العالم العربي، وأعتقد أن المسألة السياسية هي العائق الحقيقي أمام توزيع الفيلم العربي، وأعتقد أنه لا يوجد تعاون جدي وحقيقي بين البلدان العربية في هذا المجال.
ـ هل لديك أعمال قادمة؟*لدي سيناريو جديد، اسعى لإنتاجه في العام القادم، وهو مختلف تماما في مضمونه عن فيلمي ‘ماجد’، كما أحضر لعدة مشاريع سينمائية أخرى، أطمح لإنجازها وفق رؤيتي في ضرورة تأثيرها الجماهيري، وأن لا يتطلب إنتاجها ميزانية كبيرة، لأن مصادر التمويل محدودة.