«المخفي»… رواية السرد العرفاني

ترحل بنا رواية «المخفي» الأولى من نوعها للفنان والناقد التشكيلي محمد الزبيري، صوب عوالم من تاريخنا المنسيّ، حيث يلقي التخييل القدسيّ المفعم بالخوارق، والبركات، والكرامات ظلاله على المادة السردية المعروضة، ويغلب على المتن الروائي السرد المتخلل بالرحلات والأنساب والسير، وتقاليد الصوفية الأقطاب على مستوى الأكل والشرب، والزواج، والتعليم، والجهاد، والنوم، والتعبد، والتضامن، وتبادل الأحاسيس والحدوس والإشراقات، وحيث كان الصوفي مرجع السلطة وسندها، والحكم والمشورة لأهل الرأي، وملاذ الناس حين تضيق بهم الدنيا على اتساعها، أو تخنقهم الفاقة والحاجة، أو تتيه بهم مسالك الحياة، فيكون الحاضن، والمتنفس، والدليل والغوث.
لاحق الروائي، في هذا النص، مسارات أربع شخصيات صوفية مغربية رئيسة، (إبراهيم الخارج، الصرصري، أبو المحاسن الفاسي، المخفي)، ناهيك من شخصيات أخرى ذكرت عرضا في المتن، لإضاءة العوالم النصية (الشاذلي، عبد السلام بن مشيش، عبد الرحمن المجذوب، الغزالي، سيدي علي بن حرهم، سعيد بن المسيب) عبر مسار متعرج، ومسالك وعرة، تم شد الرحال عبرها من شرق البلد (فيجيج)، إلى غربه (بلاد الهبط)، ضمن جغرافيا شاسعة، تلحمها تضاريس صعبة.
ومن محطة إلى أخرى، كان الأقطاب يتبادلون الأسرار والخبرات والخفايا، ويلهمون بعضهم بعضا، ويشدّون أزر بعضهم بعضا، بلغة واثقة، موحية، مشبعة بالإيمان والثبات واليقين، قد تتوقف الرحلة طويلا، أو قصيرا، وقد يستحسن الشيخ القطب المرتع، فيتخذه زاوية لتكوين المريدين، ونشر العلم، وتحفيظ المتون، وتعبئة الناس للدفاع عن هيبة الوطن ضد الأطماع الخارجية، والتمزقات الداخلية، أو للزواج وتخليف تركة، لكنها (الرحلة) ستتواصل على الأرجح، في اتجاهات أخرى، حينما تزف المناسبة، ذاك أن القطب مُسيّر بحالاته وأحواله الإيمانية الإشراقية، ويخضع، في كل تحركاته، لنبضات قلبه، وجاذبية روح غامضة تناديه أبدا، فلا يستقر به المقام في مكان حتى يبحث عن آخر، وما تضيق نفسه في جهة حتى يقصد غيرها في أرض الله الواسعة، وهو في ذلك كله، لن يذعن لأمر ولي ولا صديق، ولا زوجة أو رفيق. إنما يتبع خطا يعرف أن هندسته حسمت في الغيب من زمن لا يدركه، لا هو ولا غيره ممن يحيطون به.
ولكي يستوي النصّ الروائيّ وفق هذه الهندسة السردية، فقد تطلب من الروائي جهدا بالغا على مستوى اللغة، التي كانت تميل إلى لغة الصوفية، فجاءت حبلى بالرموز، والاستعارات، ممعنة في الروحانية، فائقة السبك والنسج، طافحة بالمعاني القرآنية والحديثية، ناهلة من مجال الفقه، ومتون الصوفية، وكتب التراث العربي الإسلامي، مرتبة وفق نهج يعتقد معه المتلقي، أن النص مخطوط قديم، تم تخريجه وتنقيحه وتحقيقه من قبل الروائي، كما اقتضى منه ذلك أيضا، العودة إلى المصادر التاريخية، من أجل جمع المادة الضرورية لتشييد العالم النصي، وغير خاف على المتخصص، ما يستلزمه هذا العمل المضني من إنصات للنصوص، وإعادة تصميم العوالم، وتخيلها وفق النمط الذي كان عليه العصر، من حيث المعمار، والثقافة الطعامية والشرابية، وفي انسجام مع التيارات السياسية والمذهبية، التي كانت سائدة، خاصة، أن العصر التاريخي الذي يؤطر محكي النص يعود إلى ما يناهز خمسة قرون خلت، أيام الحكم السعدي، فكان جهد الكاتب موزعا بين التقاط البيانات الشخصية البيوغرافية الخاصة بالشخصيات الصوفية التي جعلها عماد نصه، والبيانات التاريخية العامة، التي تخصّ المغرب آنذاك، في اتساق بين المعطيين، حتى لا يظهر التنافر أو الخلل أثناء بناء ذاكرة النص.

نوّع الروائيّ بين ضمائر الحكي، مثلما نوع من الأصوات، إذ تتبادل الشخصيات السرد في ما بينها، حسب الفصول، كما أدرج الحوار لينشط عملية البوح، وإغناء الأفكار، ووسع متنه، ليستضيف محكيات أخرى

تتأطر أحداث النص الروائي بالعهد السعدي، الذي عرف إضرابات داخلية شديدة، بسبب الصراع حول كرسيّ السلطة، ورافق ذلك، التكالب الأجنبي، واحتدام الصراع بين إسبانيا والبرتغال حول الثغور المغربية، وازدادت الأطماع باستنجاد بعض خصوم الوطن من العائلة الحاكمة بالسند الخارجي للاستفراد بسدة الحكم، وتنحيّة المناوئين، الشيء الذي أضعف البلد، وجعله في وضع لا يُحسد عليه، لقمة سائغة بين أيدي الغزاة الناقمين، غير أن خلايا الصوفية التي كانت نشيطة آنذاك، حمّست الشعب على الجهاد، وجمعت كلمة الوطن حول الصمود، وصدّ العدوان المرتقب لقوى الشر، فتحقق لهم ذلك، بفعل السمعة التي كانت تحظى بها الزوايا في قلوب المواطنين، ومعروف أن هذه الزوايا بقدر ما تمتلكه من هيبة رمزية ودينية، وما كانت تتوفر عليه من إمكانيات بشرية ومادية، كانت تستطيع تغيير الخط السياسي في البلد، إذا بدا لها أنه يخالف خطها، أو يهمشها، أو يشل حركيتها المجتمعية بشكل من الأشكال، خاصة أنها كانت تغطي البلد برمته، غير أنها في هذه المرحلة التي تخصّها الرواية بالعناية، لعبت دورا محوريا في إعلاء كلمة الوطن، ودحر الخونة، والغزاة دفعة واحدة، حينما جيشت مريديها المخلصين إلى جانب جيش عبد الملك السّعدي المحاصر من جبهتين: جيش الخائن المتوكل، والجيش البرتغالي، مدعوما بمرتزقة ومتطوعين من قشتالة، وإسبانيا، وإيطاليا، وألمانيا، صانعين بذلك، ملحمة تاريخية لا تنسى، غير أن الإيالة الشريفة القوية بقيادة أحمد المنصور الذهبيّ، لم تسمع نداء الأقطاب الصوفية في مواصلة الجهاد شمالا، مستغلة الحماس الوطني، ولمة الشمل، وارتعاب الخصوم الأوروبيين، عقب السقوط المذل لجيوش الدون سيبستيان في معركة وادي المخازن، من أجل استكمال تحرير الثغور المغربية المحتلة من قبل إسبانيا، خاصة سبتة ومليلية، وركبت رأس ساستها لتتجه الأنظار إلى افريقيا، بحثا عن ذهب مملكة سونغاي، ليعود المتصوفة، ومعهم المريدون، والأتباع إلى قواعدهم للتجند للعلم والعبادة، في حين تسلل بعضهم مع بعثات الجيوش لنشر الإسلام في أدغال افريقيا.
ولئن سُميت الرّواية باسم وليّ واحد هو «المخفي»، الذي انتهى مسار المحكيّ الصوفيّ بوفاته، فهي تبرز أقطابا آخرين (أبا المحاسن الفاسي، الصرصري، الحسن المصباحي، عيسى المصباحي)، كان لهم الدّور الحاسم في صنع شخصية الرجل، سلوكيا، ومعرفيا، وأخذ عنهم البركة، والعلم العرفاني، وصاحبهم في الحل والترحال، ولقاء الرجال، ويسروا له سبيل العبور إلى المسالك النّورانية الخاصّة بأهل الحال، وكأنه ورث سرّهم جميعا، وتشرب خبرتهم، ونهل من تجاربهم الغميسة، حتى اشتد عوده، وطفح إشراقه، واستطاع أن يستقل بزاويته، ويكون مريديه، وأتباعه، وطريقته الخاصة في التصوف، سيرا على نهج أسلافه، وأساتذته الذين رحلوا إلى دار البقاء، بعد أن أكملوا رسالتهم، وحمّلوا عبئها لمن سيواصل بعدهم، من تلامذتهم الموثوق فيهم.
على مستوى الخطاب، نوّع الروائيّ بين ضمائر الحكي، مثلما نوع من الأصوات، إذ تتبادل الشخصيات السرد في ما بينها، حسب الفصول، كما أدرج الحوار لينشط عملية البوح، وإغناء الأفكار، ووسع متنه، ليستضيف محكيات أخرى: محكي السيرة، الخطبة، الوصية، الرسالة، الشعر، الموعظة، آيات من القرآن الكريم، أحاديث نبوية، محكي الكرامات، تاريخ عام، المونولوغ، السّجال الفكري، موظفا لغة عرفانية، تفيض بماء المجاز، وتبتعد ما أمكن، عن التقريرية السمجة، مثلما لو كان كاتب النص صوفيا مشبعا بالنصوص، والتجارب العرفانية.
وبما أن النّص فسيفساء من التّجارب، والمحكيات الصّوفية، فقد عمل الكاتب على تضمينه نصوصا غائبة، بعضها متصرّف فيه، وبعضها ورد بنصه، لكن تخللها للنص، لم يمنعه من أن تكون له فرادته، وشخصيته، سواء عبر اللغة، أو الخطاب، أو الصنعة السردية، وإن كانت بمثابة ملح الحكاية، وأسمنتها، إذ بحكم البعد التاريخي، واللغوي عن الفترة الزمنية المستعادة، كان لا بد من استيعاب المدونة الصوفية، وهضمها، وضبط مفاهيمها، لتقريب المسافة الزمنية الفاصلة بين الذات وعالم التصوف، وبالأساس بين الراوي، والمادة الصوفية الأساسية المتطلبة في عملية تصميم النسق السردي العرفاني، وهي عملية شاقة تجعل الكاتب، قبل أن يكتب، مضطرا لعيش التجربة، والتماهي معها نفسيا، واختزال الزمن، ولا سبيل له إلى ذلك إلا من خلال المدونة الصّوفية المغربية الشاسعة.
وعلى غرار المدونة الروائية العرفانية المتجلية في ما أصدره الروائي عبد الإله بن عرفة (المتخصّص في هذا النوع الروائيّ)، وبنسالم حميش «رواية هذا الأندلسي»، وغيرهما، فإن رواية «المخفيّ»، استعرضتْ نتفا من المعرفة العرفانية، على اعتبار أنّها معرفة مختلفة، خاصة بفئة ظلت على الهامش طوال الأزمنة، على الرغم من إسهامها في صياغة التاريخ إيجابيا وسلبيا، ولم يلتفت إليها في العصر الحالي لما فيها من عمق، على مستويي الخطاب، والفكر، ناهيك من الكثافة الشعرية والرمزية. لذلك، عمد النّص، عن قصد، إلى التعريف بالشّخصيات، مثلما خصّص بعض المقاطع لتوضيح بعد القضايا المُلتبسة في الممارسة الصّوفية الواقعــــية، وتفســــير بعض المفاهيم والمصطلحات المقتصرة على المعجــــم الصّوفي، أو تلك التي توظف بمعادِلات دلالـــية مغايرة في مجالات الحياة العامة، وكأن الرواية، بقدر ما تنشغل بتوصيل حكاية إنسانية، بما فيها من تجارب عميقة ومغايرة، تسعى إلى إعادة الاعتبار لهذا النوع من المحكيات المظلومة، التي همش عمقها السلوكي والأدبي، وبرّز بشكل مبالغ فيه، شقها الظاهريّ المزيف الذي التقطه العامة، عن غير دراية، ونفخوا فيه من جهلهم، وصيروه ممارسات مفرغة من المعنى، تخلو من أي ذائقة، مبينا أن رموز الصوفية الحقيقيين المتجسدين في النماذج المذكورة، كانوا زهادا، وعلماء، ومربين، ومجاهدين، ومنخرطين في قضايا الوطن، وناصرين للحق والعدل، وحامين لعقيدة إسلامية سنية صوفية، تجنح إلى التسامح، والمشاركة، لا إلى الخلوة والهرطقة، والشطح اللاهوتي، والإمعان في اعتزال الناس، يقول السارد معرفا التصوف على لسان الشيخ أبي المحاسن الفاسي: «التصوف هو القصد إلى الله بما يرضى من حيث يرضى… وليست الطريق بكثرة القيل والقال ولا بكــثرة الأعمال، وإنما بفراغ القلب مما سوى الرب).

٭ ناقد وروائي مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية