رام الله ـ «القدس العربي»: في وقت يتحسس أهالي مخيم «نور شمس» شرق طولكرم، آثار العدوان الإسرائيلي العميق الذي تعرض له المخيم منتصف الأسبوع الماضي، يتندر المواطنون في مدينة ومخيم جنين عن موعد الاقتحام القادم، وهم يعتقدون أن مواجهة وعنفا احتلاليا «عميقا» قادم لا محالة في تاريخ طويل من الاقتحامات الدموية والتدمير الممنهج بحق اللاجئين الفلسطينيين وممتلكاتهم وبنيتهم التحتية في شمال الضفة الغربية. في العدوان الأخير على مدينة طولكرم بمخيميها بدا التدمير الممنهج سيد الموقف، فلم يكن من أهداف أمنية سوى تدفيع الحاضنة الشعبية للمقاومة في المخيم الثمن، وهو ذات الأمر الذي حدث في مخيم جنين وغيره من مخيمات شمال الضفة الغربية، لكنه هذه المرة بوتيرة أكبر، وغزة هي النموذج الماثل للعيان.
يوضح الباحث في التحولات السياسية الدكتور إبراهيم ربايعة حقيقة أن استهداف المخيمات في الضفة الغربية ليست بالحدث الجديد، «فهو بكل تأكيد ليس وليد حدث 7 أكتوبر العام الماضي».
يقرأ ربايعة تحولات كسر حالة الهدوء في مخيم مثل مخيم جنين من خلال ثلاث مراحل عملت على كسر حالة «هندسة الهدوء الإسرائيلي» في جنين، الأولى يوم أن عادت روح المقاومة لقلب المخيم عام 2014 مع تجدد الاشتباكات مع قوات الاحتلال، والثانية حادثة أسرى نفق الحرية، وما واكبها من تأسيس كتيبة جنين، وغرفة العمليات المشتركة، أما الحدث الثالث فيتمثل في تفجير «مدرعة النمر» في حزيران/يونيو 2023.
ويرى أن الحدث الثالث كان صادما للاحتلال لكونه يشبه تجارب جنوب لبنان وتجارب المقاومة في غزة، وهو نفس الأمر الذي تكرر في مخيم نور شمس قبل أسبوعين واستحق عملية إسرائيلية هي الأكثر تدميرا وفتكا في البنية التحتية إلى الحد الذي طالب به مواطنون إعلان المخيم «منطقة منكوبة».
ويرى ربايعة أن المراحل الثلاث عملت على تآكل كامل لمنظومة التسهيلات الاحتلالية التي قدمت بوثيقة خصصت لجنين عام 2008 والتي قادتها الرباعية الدولية، حيث قدمت جنين كنموذج ومثال الانتقال من حالة «الإرهاب» إلى حالة من البيئة المسالمة، كما أنها قدمت في وثيقة في مؤتمر «هرتسيليا» عام 2009.
ويكمل ربايعة المهتم في دراسة تجربة المخيمات الفلسطينية قائلا: «عملية البيت والحديقة (يوليو 2023 أو معركة «بأس جنين») جاءت بمقاربة إسرائيلية مختلفة عن التصورات السابقة، حيث رأى الاحتلال بوجوب معاقبة الحاضنة الشعبية في مخيم جنين عبر التدمير الذي حصل في حينه، وهو تدمير هائل، واستمرت أشكاله بعد 7 أكتوبر، وما زالت جنين تتوقع وتنتظر عملية كبيرة وواسعة».
وحسب المعطيات التي يوفرها رباعية، في ندوة نظمتها مؤسسة الدراسات في رام الله قبل أيام، فإنه وحتى شباط/فبراير الماضي، خسرت مدينة جنين ومخيمها حوالي 13.7 في المئة من الشوارع، ودمرت 13.8 في المئة من شبكات المياه، و46 في المئة من شبكات تصريف المياه، وتدمير 230 منزلا، (حوالي 147 مبنى) وتضرر حوالي 2900 منزل، إلى جانب تضرر الكثير من المنازل جزئيا.
ويرى أن عملية تموز/يوليو عام 2023 قادت إلى ثلاث نتائج مركزية، وهي عكسية دفعت إسرائيل للتخطيط إلى العملية التالية، أولا: المخيم قدم كمركز حصين للاشتباك، ترتب على ذلك أن شهد تدفق جميع أشكال المساعدات من كل الضفة الغربية، وثانيا: وقع تأثير الدومينو، حيث بدأ التأثر بمخيم جنين يتحرك منه إلى الريف، وبالتالي، بدأت الكتائب تنتشر كمجموعات غير هرمية، سواء على مستوى محافظة جنين، أو على مستوى المناطق الأخرى، وشاهدنا هذه الحالة في طولكرم ومخيماتها، في نابلس، وحتى في بعض المناطق الأخرى، مثل أريحا وغيرها.
أما ثالثا، والحديث لربايعة، حدث التطور الأكبر في المخيم الذي أسميه «القبيلة والهوية السياسية» فالمخيم خرج من فكرة الجغرافيا الخاصة به ومن فكرة تمثيل سكانه، إلى فكرة التمثيل السياسي، وهنا هذا دور المخيم التقليدي والتاريخي، دور المخيم أن يسترجع الهوية التقليدية الفلسطينية عندما تحدث فيها انزياحات.
ويشدد على مسألة سياسات الاحتلال إزاء تحويل الحاضنة الشعبية للمقاتلين إلى حاضنة مكلفة، وبالتالي، تعمقت هذه المقاربة إسرائيليا، حيث تعززت مع حجم التدمير والقوة الهائلة التي استخدمت في قطاع غزة، وبالتالي مهما فعلت إسرائيل في الضفة سيكون ضجيجه أقل، فالصورة القادمة من غزة يراها الفلسطينيون في الضفة. ويختم ربايعة في حديثه: «أعتقد أن التفجيرين في جنين وطولكرم، سينقلان القواعد العسكرية إلى مرحلة جديدة، فالخطة الإسرائيلية ما بعد 7 أكتوبر واضحة، ما لا يمكن حله بالقوة، يحل بمزيد من القوة».
استهداف الوكالة الدولية
في ذات السياق يرى الباحث أنور حمام أن سياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية تقوم على حسم الصراع من خلال ثلاثة ملفات وهي: اللاجئين، الحدود، والقدس، ومن هنا يعتبر الإجهاز على الملفات الثلاثة بمسألة يمكن لها أن تئد فكرة الدولة الفلسطينية.
ويضيف في ندوة مؤسسة الدراسات الفلسطينية أن حسم قضية اللاجئين يأتي على مستويين، الأول: الهجوم على المخيمات وتدميرها كمكان، أما المستوى الثاني فيتمثل في الهجوم على وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، أونروا.
ويرى حمام أن استهداف الأونروا ليس بجديد أيضا، معتبرا أن الرواية الإسرائيلية التي تقول إن كل ردود الفعل الإسرائيلية تمت بناء على 7 اكتوبر هي رواية كاذبة. «فاستهداف الأونروا بدأ منذ نشأة إسرائيل. هناك رواية إسرائيلية تقول إنهم سألوا بن غوريون ما رأيك في الأونروا؟ فقال بما معناه وجودها مشكلة وعدم وجودها مشكلة».
ويضيف أن الاحتلال نظر للأونروا على أنها أداة للتوطين، لكن، الطواقم الفلسطينية التي عملت فيها حولتها لمؤسسة قادرة على إنتاج الهوية والثقافة الفلسطينية وتعزيز صمود الفلسطيني، وإعادة إنتاج هويته في المخيمات والشتات.
واعتبر حمام أن الإجهاز على الأونروا، يعني الإجهاز على الأسس القانونية لقضية اللاجئين، وهذا ما يفسر الهجوم الإسرائيلي الشرس عليها.
ويرى أن أحد أبرز الأسباب في الهجوم على الوكالة الدولية هو تعريفها للاجئ، فالتعريف القانوني للاجئ، هو «اللاجئ الفلسطيني ونسله، الذين تم طردهم في الـ48 والذين كانوا متواجدين في فلسطين وطردوا هم ونسلهم. في حين أن الإسرائيليين واليمين في الولايات المتحدة الأمريكية، يسعون لصياغة قوانين إعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني بصفته من طرد عام 1948».
ويقر حمام أن المشروع الإسرائيلي اليوم تم تطبيقه على استهداف الأونروا من خلال 3 مراحل، المرحلة الأولى: تشويه سمعة الأونروا وربطها بالإرهاب، ومن هنا جاءت قصة الادعاءات أن هناك 12 موظفا، ثم رواية 19 موظفا، ارتبطوا بأحداث 7 أكتوبر.
والمرحلة الثانية: إضعاف الأونروا، وهذا يجري الآن، بمعنى منع الأونروا من أن تقدم خدماتها في غزة، ومنعها من استقبال المساعدات، «كل الهجوم الذي نشاهده اليوم في القدس على الأونروا، على سبيل المثال، من توقيف الحساب البنكي، ومنع إعطاء تصاريح لموظفي الأونروا… الخ جزء من مخطط استهدافها من أجل إضعافها وانهاكها».
والمرحلة الثالثة حسب الباحث حمام هو عملية استبدالها، وهو جزء مما يتم الحديث عنه في اليوم التالي، وتحديدا في قطاع غزة، في اليوم التالي من الذي سيستلم كل ملف الإغاثة؟ «هم يعتقدون أننا سنسلمها لأي إدارة مدنية تنشأ في قطاع غزة، بدل الأونروا، وأحيانا، يتحدثون أننا سنسلمها للوكالات الدولية الأخرى».
بيئة طاردة
أما الملف الثاني في استهداف قضية اللاجئين، فهو ملف المخيمات، ويرى حمام أن استهداف المخيمات في الضفة الغربية وقطاع غزة جاء من أجل تحويلها لبيئة طاردة، وهذه العملية التي تتم في غزة، ضمن سياق إنجاز تهجير جماعي وقسري، وفي الضفة الغربية، ضمن عملية نزوح خارج المخيمات، «هناك نزوح حقيقي من داخل المخيم إلى خارجه، وهناك نزوح ليلا والعودة إليه في النهار».
ويختم حديثه بالتعريج على مسألة «حيادية الأونروا» معتبرا أنها مسألة تستحق التعمق في بحثها ومناقشتها فلسطينيا، ومن دول الإقليم، فهي قد تكون «المدخل الذي يستخدم من أجل إضعاف الأونروا، وتجديد الرقابة عليها».
يضيف حمام: «إسرائيل تستخدم تقرير كولونا، (نتاج تحقيق لجنة المراجعة المستقلة التي قادتها وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة، كاترين كولونا) من أجل وضع خطة للإجهاز على الأونروا بالتدريج، لكن من زاوية ثانية، يكون السؤال بالنسبة لنا هو: كيف لهذا التقرير أن يقوي الوكالة الدولية وليس العكس؟».