المدرسة التاريخية المصرية في العصر المملوكي تستعيد ابن خلدون
أولي الندوات في عهد الأمين العام الجديد للمجلس الأعلي للثقافة علي أبو شادي:المدرسة التاريخية المصرية في العصر المملوكي تستعيد ابن خلدونالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: الندوة الأولي التي يعقدها المجلس الأعلي للثقافة في عهد أمينه العام الجديد السيد علي أبو شادي جاءت تحت عنوان المدرسة المصرية في الكتابة التاريخية وذلك تحت إشراف لجنة التاريخ ومقررها الدكتور عبدالعظيم رمضان.تناولت الندوة موضوع المدرسة المصرية خلال القرن التاسع الهجري، جاءت الأولي تحت عنوان التدوين التاريخي في مصر قبل ابن خلدون ، وهي الندوة التي شهدت سجالا واسعا قادته الدكتورة زبيدة عطا، حيث اتهمت ابن خلدون بالانتهازية والتسلق ورأت أن منجزه لا يستحق كل هذا الضجيج المثار حول اسمه.أما الجلسة الثانية فجاءت تحت عنوان أثر ابن خلدون في الكتابة التاريخية في مصر والثالثة جاءت تحت عنوان المؤلفات التاريخية ومناهج التأليف .وقد شارك في الندوة عدد من الأكاديميين والمختصين بالشأن التاريخي بينهم الدكتور أيمن فؤاد سيد، محمد بركات البيلي، قاسم عبده قاسم، إسحق عبيد، أحمد عبدالرازق، محمد أمين، حسنين ربيع، حامد زيان، وفايز نجيب اسكندر.وسوف نحاول هنا الإلمام بأهم تلك المحاور الثلاثة التي توقفت امامها ندوة المدرسة المصرية في الكتابة التاريخية.ابن خلدون وكيفية انهيار الحضاراتفي ورقتها التي جاءت تحت عنوان ملامح التدريس التاريخي في مصر تحدثت الدكتورة زبيدة عطا التي أشارت إلي أن الكتابة التاريخية في العصر المملوكي مثالا، امتازت بخصائص أعطتها طابعا مميزا فكانت مؤلفات ذلك العصــر التاريخية والأدبية انعكاسا لأوضاع السياسة والمجتمع، وتؤكد ذلك بقولها: ان عصر المماليك شهد إزدهار النشاط العلمي وخاصة لاهتمام السلاطين المماليك بتقريب العلماء والأدباء والمؤرخين مما أدي بدوره إلي الاهتمام بتدوين سير الحكام والسلاطين وتراجمهم إلي جانب ظهور الموسوعات الكبري وكتب الطبقات.وتشير الدكتورة زبيدة الي ظهور عدد من المؤرخين أصحاب الموسوعات الكبري في ذلك العصر مثل: المقريزي، أبو المحاسن، السخاوي، السيوطي، ابن إياس، وغيرهم، وتشير إلي أن هذه الظاهرة بلغت ذروتها في كتابات ابن خلدون ونظرته للتاريخ وفلسفته التاريخية، وتجمل زبيدة ملامح الكتابة التاريخية في هذه الفترة بأنها كانت تمثل نضوجا لمعني التاريخ كعلم في أذهان العلماء والمؤرخين، وكذلك ما يسمي بالنقد التاريخي، وفلسفة التاريخ، والكتابة في التاريخ العسكري وظهور فروع عديدة للكتابة التاريخية وكذلك ظهور موسوعات كبري في علوم التاريخ الأساسية.أما الدكتور أيمن فؤاد فقد تحدث تحت عنوان كيفية استفادة مؤرخي القرن التاسع الهجري من مصادر التاريخ المصري قبل عصر سلاطين المماليك ، ويشير فؤاد إلي أن أهمية المؤلفات التاريخية التي كتبت في هذا القرن ترجع الي ان مؤلفيها اعتمدوا في كتابتها علي أهم المصادر المعاصرة لهذه الفترات او التي كتبت بعدها بوقت قصير، والتي فقدت أصولها الآن، مثل مؤلفات ابن الفرات والمقريزي وابن تعزي بردي، وأضاف فؤاد:انه ما زال هناك عدد من مصادر هذه المؤلفات مجهولا حتي الآن ولكن في الحالات التي أمكن فيها تحقيق روايتهم في أحوالها، تبين لنا أن هؤلاء المؤرخين أهل للثقة بصورة تجعلنا نعتمد عليهم اعتمادا كليا حتي في الحالات التي نجهل بها جهلا تاما تلك المصادر التي استقوا منها معلوماتهم.أما الدكتور اسحق عبيد فقدم ورقة تحت عنوان ابن خلدون وانهيار الحضارات ، بدأها من تقرير المؤرخ المرموق أرنولد توينبي في تعليقه علي ابن خلدون عندما قال: لا يملك من يقرأ مقدمة ابن خلدون إلا أن يعترف بعبقرية هذا المفكر ولعل أشد الكتاب في فلسفة العلوم السياسية معرفة سوف يجدون الإجابات الشافية لما مرت به أوروبا الغربية من أحداث ونتائج في أعقاب سقوط الامبراطورية الرومانية علي أيدي المتبربرين الجرمان، وقيام ممالك الميروفتجيين والكارولنجيين علي خرائب الرومان .وفي قراءته لهذا الرأي يري اسحق عبيد أن ابن خلدون أمعن في تحليل مولد الحضارات، وطفولتها الباكرة، وصولا إلي مرحلة الشيخوخة والانهيار، وهو يقسم أعمار الأمم إلي أجيال ويركز علي الجيل الثالث، وينقل عنه قوله: عندما تفقد حلاوة العز والعصبية، ويبلغ منهم الترف غايته بما تفتقوه من النعيم ونضارة العيش، يصيرون عيالا علي الدولة وتسقط العصبية بالجملة، وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة ويلبسون كل الناس الشارة والزي وركوب الخيل وحسن الثقافة يموهون بها وهم في الأكثر من النسوان علي ظهورها .ويري عبيد أن ابن خلدون يطبق هذه النتيجة التي توصل إليها علي اليونان والرومان والقوط، وأيضا علي الدولة الصنهاجية، والموحدين في تونس وغيرها كثير.ويرصد عبيد الأسباب والعوامل التي حددها ابن خلدون لانهيار الحضارات ومنها اتساع رقعة الدولة مما يحول بين الحاكم وفرض سلطته علي كل الأجزاء النائية، وكذلك عندما تكون القبائل الغازية أقل حضارة من أهل الأرض المطلوبة، وفي الخلافات المستحكمة بين الملوك وأنسابهم من البيت الواحد، وفي اعتياد الغزاة حياة الترف والدعة فيفتقدون بهذا الصفات الأصلية والخشونة العسكرية القديمة وكذلك إثقال كواهل المحكومين بالضرائب والجباية.ويناقش عبيد اعتقاد ابن خلدون بأن سقوط الحضارات إنما يتأتي من الداخل، وهو الأمر الذي طبقه توينبي علي انهيار الإمبراطورية الرومانية، فعندما وصل الجرمان إلي بوابات روما عام 410م، وجدوا المدينة قد سقطت من الداخل، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأخلاقيا.مدرسة السيوطي وابن إياس وزوال الدولة المملوكيةأما الدكتور حسنين ربيع فقدم ورقة بعنوان الفكر الاقتصادي عند جلال الدين السيوطي الذي عاش في دولة سلاطين المماليك في مصر والشام في لحظة الانهيار، حيث اضمحل نظام الإقطاع الحربي وتكررت حوادث الجماعات والأوبئة والطواحين بما خلفته من آثار وخيمة علي بلاد اعتمدت علي الزراعة طيلة تاريخها، ويضيف ربيع: أنه بعد أن كان لمصر شهرة كبيرة في صناعات متنوعة مثل المنسوجات والسكر، حدث أن أغلقت معظم هذه المصانع فضاعت الأسواق الخارجية، لا سيما عندما فشلت مصر في ملاحقة التطور التكنولوجي الذي واكب عصر النهضة الأوروبية.ويتناول الباحث دراسة المكوس أو الضرائب عند السيوطي ويراها تدل علي نشأته الفقهية وطبيعة عمله، فهو لم يشرح المكوس المجباة في مصر في القرن التاسع الهجري ـ الخامس عشر الميلادي، بل حاول أن يشرح المكس كما كان عليه الحال في العصر الإسلامي الأول، ويتناول حسنين ربيعة رسالة السيوطي التي سماها رسالة في ذم المكس رأي فيها أن المكوس أمور مذمومة مكروهة، وأن الجباة مصيرهم إلي جهنم، وأيد وجهة نظره بالحديث لا يدخل الجنة صاحب مكس . ويقول ربيع تعليقا علي ذلك: إن السيوطي وجد أن الضرائب في عصر اختلفت كل الاختلاف عن أنواع الضرائب الشرعية، ورأي أن من واجبه الدعوة الي العودة الي تطبيق أحكام الشريعة في أمور الضرائب فكتب هذه الرسالة، ويقول ربيعا معقبا: لم يدرك السيوطي أن أكثر من ثمانية قرون من الزمان كانت كفيلة بحدوث كثير من التغييرات والتعديلات في أنواع الضرائب ومقاديرها ومواعيدها.ويري ربيع أن السيوطي وقع في خلط كبير حيث لم يفرق ـ في رأيه ـ بين مفهوم الجزية أي ضريبة الرأس وبين الضرائب الخراجية المفروضة علي الأراضي الزراعية، فاستخدم كلمة الخراج وهو يقصد الجزية، واستخدم كلمة الجزية وهو يقصد الخراج، ويقول ربيع إنه كان ينقل ـ عند حديثه عن الجزية ـ من كتاب فتوح مصر لابن عبدالحكم معلومات خاصة بجباية الضرائب الخراجية عند فتح العرب لمصر. وعن منهج السيوطي يشير ربيع إلي أنه استخدم منهج المعاصرين له في الكتابة وتناول القضايا العامة في العصر المملوكي، وقد تناول وضع العملات في عصره، وكذلك اهتم في كتابه حسن المحاضرة بأخبار النيل وذكر السنوات التي قصر فيها النيل عن الوفاء وما تبع ذلك من عدم وصول الماء إلي الحقول وحدوث غلاء ووباء، وأثر ذلك كله علي أحوال البلاد الاقتصادية، لكنه أدرك ـ حسب ربيع ـ أن انهيار نظام الوقف في عصره كان نتيجة استيلاء السلاطين والأمراء المماليك ـ بعد عصر السلطان برقوق ـ علي جميع الأراضي الموقوفة في مصر والشام، وبيع المنشآت الموقوفة من دور وحوانيت وحمامات وخلافه وإعطاء أثمانها للمنتفعين بها أو تسليمها لبيت المال، هذا بالإضافة الي ما رصده من سوء الإشراف علي الأوقاف الباقية مما أدي إلي قلة متحصلاتها المالية. ويري حسنين ربيع أن رسالة الإنصاف في تمييز الأوقاف لجلال الدين السيوطي تعكس آراء الفقهاء المعاصرين له بأن الأوقاف الأهلية لا يمكن أن تحل بأي وسيلة من الوسائل، بينما لا تخضع الأوقاف الأخري لهذا الحكم، ولا حاجة للقول بأن بيع الدور والحوانيت والحمامات الموقوفة أو تحويل إيراداتها إلي بيت المال أعطي ضربة كاسحة لنظام الوقف في مصر حيث كان هو المورد المالي لسنين طويلة للنفقة علي البيمارستانات والخوانق بيوت الصوفية والجوامع والمساجد.أما الدكتور فايز اسكندر فقدم ورقة تحت عنوان تابات ابن إياس وابن زُنبُل عن الفتح العثماني لمصر ، ويعتمد البحث علي الدراسة التحليلية النقدية المقارنة بين مصدرين معاصرين لفترة بالغة الأهمية في تاريخ مصر.يتناول الباحث مؤلف المصدر الأول وهو بدائع الزهور في وقائع الدهور محمد بن أحمد بن إياس 1448م ـ 1524م الذي سار علي طريقة الحوليات، وهي الطريقة الشائعة ـ حسبما يقول الباحث ـ بين مؤرخي ذلك العصر، ويعتبر الكاتب أن ابن إياس أهم مؤرخ تتبع أخبار سلطنة المماليك في طورها الأخير، ونجح ببراعة في سرد أموال مجتمعه وما انتابه من تقلبات جارفة في رواية كلها حيوية وإحساس وانفعال مع الأحداث، حتي أنه نظم قصائد شعرية تعبيرا عن أحاسيسه، كما كان صائبا في تعليقاته عليها أحيانا بجمل قصيرة معبرة للغاية.ويرصد الكاتب والباحث فايز نجيب اسكندر ما أورده ابن إياس من أن سقوط بلاد الشام كان له صداه البالغ علي المصريين وقالوا ما بقي أخذ الشام إلا مصر، وجزموا بهذا الأمر وعزموا علي الهروب الي جهة الصعيد ، وينقل الباحث عن ابن إياس تسجيله لعزوف طومان باي بشدة عن تولي السلطنة عندما يقول فامتنع من ذلك غاية الامتناع ، حيث تعلل عن ذلك بأنواع من العلل، وبرر سبب امتناعه حسبما يرصد المؤلف بأن ذلك كان بسبب أن خزائن بيت المال ليس فيها درهم ولا دينار وأن ابن عثمان ملك البلاد الشامية وهو زاحف علي مصر والأمراء لا يطاوعون علي السفر ثانيا ودب الخوف إلي قلبه أنه إذا تسلطن يغدرون به ويخلعونه من السلطة ويرسلونه إلي سجن بثغر الإسكندرية، ولا يبقونه في السلطنة إلا مدة يسيرة ، ورصد الباحث تسجيل ابن إياس لحب الشعب المصري لطومان باي بسبب تواضعه وعدله ونزاهته.ويرصد الباحث كذلك دقة وأمانة ابن إياس في ذكر الحدث، ويؤرخ كذلك لقوة الغزو العثماني وتسلحه الرهيب وعدد جنوده الذي شبههم بالجراد كذلك يرصد امتناع المغاربة عن نجدة المماليك وانجازهم لبني عثمان.ثم ينتقل المؤلف إلي المؤرخ ابن زنبل الذي عاصر الفتح العثماني، ويصفه اسكندر بأنه يشبه قراء الطالع وبالتالي لا يقوم علي تحليل الأحداث واستخلاص أسبابها ونتائجها كما فعل ابن إياس، ويقول المؤلف انه كان يتعامل مع الحدث باعتباره مقدرا ومكتوبا ، أي أن الأحداث تجري بالقضاء والقدر، خيره وشره، وبالتالي فلا داعي للبحث عن الأسباب.كانت هذه ملامح المدرسة التاريخية المصرية التي بدأت خطواتها في العصر المملوكي حسبما وردت في أوراق الندوة البحثية الأولي التي أشرف عليها الأمين العام الجديد لمجلس الأعلي للثقافةالناقد علي أبو شادي.QRE0