المدعي العام يوصي بعدم التحقيق مع وزراء حرضوا على قتل الفلسطينيين: أين “لاهاي”؟

حجم الخط
2

توصية المدعي العام، عميت ايسمان، بعدم التحقيق مع وزراء وأعضاء كنيست دعوا إلى المس بالمدنيين في غزة، هي توصية غريبة جداً، سواء من ناحية قيمية أو نفعية. مبررات التوصية، كما نشر، لن تصمد. فالوقت الطويل الذي مضى على قولها ينبع من قرار النيابة العامة التي كان بإمكانها أن تأمر بفتح تحقيق في خضم المعارك في بداية الحرب. ولأنها لم تفعل ذلك في حينه، فقد باتت الآن مبرراً غريباً وغير مقنع لعدم إجراء التحقيق. هنا تتشكل سمة مدمرة لعدم إنفاذ القانون، وهذا يكفي لتقاعس النيابة العامة في منع إنفاذه.

الحديث يدور عن تحقيق من التحقيقات البسيطة جداً، التأكد من نسب الأقوال إلى من يقولونها، وفحص التصريحات على خلفية ظروف إصدارها، وأخذ الشهادات بعد التحذير من المتحدث. وإن عدم القيام بذلك يثبت مدى التقاعس وعظمه.

أيام “فورة الدم” لا تبرر تجنب إجراء التحقيق، على أكثر تقدير هي ظروف مخففة في تحديد العقوبة على عدم فتح تحقيق في الوقت الحقيقي. وفق القانون الجنائي، من يكون في حالة عاصفة أحاسيس وقتل شخصاً مسه، فيمكن في ظروف معينة عدم إدانته بالقتل المتعمد، لكن ما زالت تنتظره عشرون سنة سجناً. هل ستمنع ظروف “فورة الدم” التحقيق مع الجنود الذين قتلوا مدنيين. يتوقع من القيادة أن تكبح جماح الأحاسيس، والعمل بترو حتى في وقت عاصفة الأحاسيس. عندما يطلب رؤساء الدولة المس بالمدنيين فمن الواضح أن هذا الأمر يؤثر فوراً على الجنود في الميدان الذين هم في حالة عاصفة أحاسيس دائمة ومفهومة. القيادة بحاجة إلى غريزة الانتقام، لكن عليها ألا تشجعها، وعليها التأكيد على التمييز بين المخربين والمدنيين، ومنع المس بالمدنيين. أما عمل العكس تماماً، فيحول التحريض إلى أمر خطير بسبب قوة التأثير، سواء من ناحية الجهة المحرضة أو من ناحية الظروف الزمنية والخلفية. الحديث هنا يدور عن حالات خطيرة بشكل خاص من التحريض على القتل، وربما أيضاً على الإبادة الجماعية، التي تعتبر جريمة، والتي حكمها هو الموت حسب القانون الإسرائيلي.

تراكم أقوال السياسيين إلى جانب تصريحات مشابهة تم إسماعها بوتيرة عالية في وسائل الإعلام، خلقت أجواء لهدر دماء الغزيين المدنيين

الافتراض القائل بأن الجنود ينفذون الأوامر المباشرة والصريحة وأن أقوال السياسيين لا تأثير لها، هو افتراض غير صحيح. فالجندي مثل أي إنسان، يتأثر بالمناخ المحيط به. تأثير الرسائل التي يحصل عليها قد يجعله يتجاوز الأوامر التي حصل عليها. إن تراكم أقوال السياسيين إلى جانب تصريحات مشابهة تم إسماعها بوتيرة عالية في وسائل الإعلام، خلقت أجواء لهدر دماء الغزيين المدنيين. ويجب عدم إعفاء السياسيين الذين تحدثوا بهذا الشكل من المسؤولية. فهم شجرة الأرز، وأقوالهم هي اللهيب، والجنود هم الطحالب التي على الجدار. يبدو أن الأمور انقلبت عندنا؛ فكلما صعدنا على سلم الأهمية تنخفض المسؤولية المطلوبة. كيف يمكن تبرير توصية المدعي العام في هذا التوقيت، حيث لم يتم استنفاد التحقيقات في قتل للمدنيين غير مبرر؟ لا سيما أنه لم يتم فحص تأثير الأقوال على الأفعال.

في لائحة الادعاء التي قدمتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل لمحكمة العدل الدولية، ربما يحتل التحريض على الإبادة الجماعية مكاناً حاسماً. توصية المدعي العام تعزز بدرجة معينة هذا الجزء في الدعوى؛ لأنها تدل على وجود مشرعين في إسرائيل يدعون إلى قتل المدنيين. هنا لا تستطيع إسرائيل أن تستند إلى مبدأ “الحوكمة”، لأنها تعلن على رؤوس الاشهاد بأنها لا تنوي التحقيق في هذا الأمر على الإطلاق. وحتى لو قررت المستشارة القانونية للحكومة عدم قبول توصية المدعي العام في الدولة، فإن منظومة إنفاذ القانون لدينا ستبقى ملوثة بمجرد عرض هذه التوصية. ومن يريدون مصلحتنا سيسألون أنفسهم الآن: هل يمكن الاعتماد على منظومة إنفاذ للقانون التي هكذا يعمل فيها رقم 2 من حيث الأهمية فيها.

بشكل خاص يصعب تجاهل الفجوة بين هذه التوصية وطريقة التعامل مع الفلسطينيين المشبوهين بالتحريض على الإرهاب بعد 7 تشرين الأول. منذ الكارثة، بدأت النيابة العامة في حملة متشددة وغير متسامحة لإنفاذ القانون ضد أشخاص نشروا في الشبكات الاجتماعية تصريحات متطرفة، التي في معظمها، وربما جميعها، تبين أن من نشروها مجهولون مع مشاهدة محدودة وتأثير قليل. في حالات كثيرة لم يتم العثور على أي صلة حقيقية بين مضمون الأقوال وتعريف التحريض كمخالفة بحسب القانون. هل غاب عن النيابة العامة التمييز الحاسم بين الأسماك الصغيرة وأسماك القرش؟ أم أن المدعي العام ينسب نفسه لمدرسة بن غفير، الذي يرى أنه لا يوجد ولا يمكن أن يوجد إرهاب يهودي (لكن لا توجد حدود لما يعتبر تحريضاً على الإرهاب عندما يكون المشتبه فيه فلسطينياً). الحديث يدور عن إنفاذ قانون انتقائي بالمعنى الأسوأ لهذا المفهوم.

لا يمكن تجنب الشعور بأن توصية المدعي العام لم تكن لتأتي لو وجد لدى الإسرائيليين نوع من الاتفاق على أن جميع سكان غزة مخربون. هذا انتصار مخيف لليمين المتطرف المسيحاني على إسرائيل التي تريد الحفاظ على الصورة الإنسانية، حتى أمام العدو المتوحش.

وجود هذه المسلمة ساهمj فيه فظائع أعمال المخربين والجمهور الذي جاء من غزة في أعقابهم في 7 تشرين الأول. الحديث يدور عن عملية أطول بكثير ولدت مع الاحتلال وتعززت بسياسة تخليده مع إنكار مطلق لحق الفلسطينيين في تقرير المصير، وتحويل حياة الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة إلى مشاع، مع إعطاء صلاحيات وسلطة لمن يفعل ذلك. في واقع الاحتلال الذي لا نهاية له، يتم تطبيع مكانة الواقع تحت الاحتلال، كشخص دون وليست له حقوق ويمكن التأثير على مصيره، نهاية التطبيع تصادر قدسية حياة من اعتبر شخصاً “دوناً”. نأمل بأن ترفض المستشارة القانونية للحكومة توصية المدعي العام وتتبنى مقاربة معاكسة، كما ظهر في الأقوال التي أرسلت باسمها في حينه لمحكمة العدل الدولية.

مردخاي كرمنتسر

هآرتس 20/8/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية