المدينة الفاضلة

حجم الخط
0

المدينة الفاضلة

عزت القمحاويالمدينة الفاضلةإذا كنت تتطلع إلي معرفة ما تكون عليه أرداف الإيطاليات فلابد أن ترتب لتلك المعرفة في مكان آخر، لأنك في روما ستمضي مرفوع الرأس دوماً مثل سيغولين رويال مرشحة الرئاسة الفرنسية. المرأة ذات الطلة الملكية الطامحة إلي قيادة الجمهورية الفرنسية تتطلع بكامل وعيها إلي عرش فرنسا، بينما ستستلبك روما وترغمك علي التطلع إلي ماضيها الحي الذي تنطق به واجهات بيوتها.. ومهما أقمت بهذه المدينة فسوف تكتشف بعد أن تغادرها أنك لم تنظر إلي أسفل أبداً. لم تجمد روما تاريخها لتعرضه علي الزوار، بل حافظت علي استمرار شبابها وعرفت كيف تجعل بنايات عصر النهضة تنسجم مع قيم الحداثة ومتطلباتها، لذلك فإن جمال روما ليس متعطلاً، بل جمال في حالة عمل، به حيوية البشر ورائحتهم. باستثناء المزارات السياحية الكبري التي لايمكن إعادة توظيفها، فإن كل بنايات روما الفخمة والتاريخية تندمج في دورة حياة المدينة وتستخدم في وظائفها الأصلية أو يعاد تأهيلها لتؤدي أغراضاً جديدة، وهذا ما يجعل ماضيها حياً علي الدوام. ولسوف تسأل نفسك بضيق حقيقي عندما تسير بشوارع روما: لماذا تتمكن مدن كهذه من الحفاظ علي “ثوابتها المعمارية” بينما تتقبل كل جديد في الفكر، وفي المقابل نحافظ نحن علي ما ندعوه “ثوابت فكرية” بينما نهدم كل ما له علاقة بالثبات في الطرز المعمارية؟! هل هي رغبة لاواعية في الانتصار للخيمة ضد البيت، أم لأننا لانزال نسكن في اللغة، ونعتبرها بيتنا الأولي بالرعاية والخلود؟! عن نفسي، أمكنني بقليل من ضبط النفس نسيان مثيرات الكآبة ومرجعياتها العربية، بمحاولة استحضار تورينو وآخر ما رأيته منها: المتحف المصري، بأسلوب عرض مدهش أصابني بمزيج من الرهبة والفخر بحضارة الأجداد لم أستشعرهما سوي في رحاب الكرنك. روما علي العكس من تورينو، كانت بحاجة إلي حجج معمارية قوية، لاستزراع الإيمان بآلهة السماء والأرض وتحقيق أقصي ضبط يليق بامبراطورية مترامية، فكانت الكاتدرائيات الضخمة بما يتناسب وعدد الرعية الواقعي أو المستهدف، من البانثيوم والكولوسيوم والكاتدرائيات المسيحية ومبني المحكمة الكبري، لكن هذه البناءات الحاكمة لاتقوم في صحراء أو بين بنايات خاملة، فقد كانت لدي البيوت العادية ردودها الجمالية التي لاتجعلها تختلف عن تلك الكاتدرائيات الكبري إلا بالحجم فقط. وبقدر ما تمثل بنايات تورينو ترجيعاً لانهائياً لجملة لحنية واحدة كما في الموسيقي الصوفية فإن روما سيمفونية حقيقية بكل ما في الموسيقي السيمفونية من تركيب وتضافر بين الذري المرتفعة والسفوح. ولايبدو التنويع اللحني في الأحجام فقط، بل في نقوش البيوت والبوابات التي تحفل بالأشكال الهندسية المختلفة، من القوس إلي الدائرة إلي المثلث، ومن التحديب إلي التقعير، وما يصاحب كل ذلك من إضاءة وظلال وعتمة. كما أن الاستخدامات العصرية للعمارة القديمة بإضافاتها الحديثة متمثلة في الإضاءة الكهربائية وواجهات العرض الزجاجية أضافت بعداً جديداً من أبعاد التوزيع الموسيقي الذي يجعل من روما سيمفونية حقيقية. وصلت إلي روما ببعض المعرفة وقليل من الخيال يتنافران مع الصورة التي كانت أول ما طالعته من المدينة، فقد جعلتني المؤخرات المبتذلة لصف من العمارات القديمة أتردد في مغادرة القطار عند وصوله المحطة، متصوراً أننا في ضاحية أو مدينة صغيرة تسبق روما، وكان من الضروري أن أسأل جاري في القطار مرتين لأتأكد أنني بالفعل في روما. وبمجرد مغادرة المحطة وتأمل الساحة أمامها تذكرت أن القطارات دائما ما تتدبر مساراتها في المناطق الأكثر فقراً من المدن؛ فليس غير الفقراء من يحتمل صافراتها ويسكن إلي جوارها؛ أقبلت البيوت أو أدبرت فثم وجه الفقر أو قفاه حول خطوط السكك الحديدية! الانطباع الذي بقي عن روما، بعد إسقاط مشاهد القطار، أنها مدينة حية، بكل ما تعنيه الحياة من خروج علي الصرامة المريحة حد الموت في المدن المكتملة الغربية. في روما قدر من العشوائية لكنها عشوائية محببة ليست في فظاظة عشوائيات المدن العالم ثالثية. وقد حرمني الصديق حسين محمود من متعة التيه التي أستلطفها في المدن التي أزورها للمرة الأولي، وذلك أفضل جداً، حيث لم يكن هناك وقت للتيه. بعد فنجان القهوة الأول في أقرب بار للمحطة، بدأنا الركض من مكان إلي آخر، كان حسين المقيم ينظر بذات الشغف مثله مثل الزائر العجول الذي هو أنا. وأرجح أنه لم يجد الفرصة بعد لتجاوز الخاصرات بصرياً. حسين الذي تمسك في القاهرة بوجهة نظر متحمسة للعمارة الحداثية، رافضاً ما أسماه التسلط المعماري للأسلاف أقنعته روما بمراجعة موقفه، وأخذ يعرفني عليها بولع. لم تحتفظ ذاكرتي إلا بالقليل من أسماء الشوارع والميادين والساحات العديدة التي قطعناها في سعينا المحموم، لكن الملاحظة الجديرة بالتأمل أن المناطق الرومانية بحاراتها الضيقة لاتزال علي حالها إلي اليوم، من دون أن تشكو أو تضيق بزوارها ومستخدميها اليوميين، وبين ساحة وأخري تطل مسلة مصرية (تتزين شوارع روما بأكثر من عشرين مسلة إحداها قاعدتها فيل وقد كتب تحتها أن ثقل العلم المحفور علي سطحها يحتاج إلي قوة لحمله). مسلاتنا هناك تبدد غربة المسافر، وتذكرنا بغربتنا في مدننا التي يتركونها لنا موحشة كصحراء. لكن للمسلة رسالة أخري غير تبديد غربة المصري، رسالة لجميع من يشاهدونها، فهي مثل خط تحت الكلمة المهمة، لاتظهر المسلة إلا لتشير إلي مبني تاريخي دنيوي أو الهي مثل “البانثيون” الذي لايمكن أن تقدر ضخامته إلا من الداخل، لتري قبته الضخمة المفرغة بشكل دائري يصل الأرض بالسماء. وبينما بقي البانثيون في بيئته الطبيعية، وبعمارته مكتملة، فإن “مدرج الكولوسيوم” أو القوس الذي يرمز إلي روما في كل المنشورات السياحية هو ما تبقي من مسرح الرعب الروماني بعمارته الدائرية، في مفترق شوارع واسعة مما يعني أن التغييرفي تخطيط المدينة قد طاله. المسرح الذي يقال إنه كان مكاناً للترفيه الدموي، يستمتع فيه حكام روما بمشاهدة مصارعة الأسود والمحكوم عليهم بالإعدام، لا ينجح في بث أي قدر من الرعب، علي الرغم ـ أو ربما بسبب ـ من أن محيط المسرح يحفل بممثلي التاريخ من المتطوعين الفكاهيين بملابسهم التاريخية والعربات التي تجرها الخيول ، إلا أن الرهبة التي يخلفها أقل بما لايقارن من الرهبة التي يتركها البانثيون. في الليل كان لروما وجه آخر، حيث تنزل السكينة علي المزارات التي لن يقلق روحها إلا المسافر العجول، كانت كنيسة القديس بطرس تغط في نومها عندما تجولنا بساحتها وببهو الأعمدة الخارجي، وبأوامر من روزا شيبوللوني مديرة متحف اوريولو تناوبنا الوقوف حسين و عبد العزيز شادي وأنا في نقطة محددة لرؤية بهو الأعمدة عموداً واحداً. بعد جولات علي عدد من الساحات كانت ملكاً خالصاً لولعنا تشاور المقيمون بشأن الخطوة التالية للزائر فكانت النافورة الشهيرة “فونتانا دي تريفي” التي يعتقد أن إلقاء النقود المعدنية في مائها يضمن زيارة ثانية الي روما. عبر شوارع ضيقة، يجد المرء نفسه أمام حوض صخري ضخم تتضاد خشونته مع نعومة حوريات البحر بجيادهن من الرخام الناعم، وسط شلالات الماء، وفي الخلفية قصر بولي المدهش. وليست أسطورة فونتانا دي تريفي مصدر دهشتي وإن حرصت علي إلقاء بضع سنتات في مائها بعد منتصف الليل، بل الغريب أنها في ظهرالقصر وليس في مدخله الذي لم أهتم ولا أظن أن الزوار الصباحيين يهتمون به، أو يعرفون وظيفته، فهو مغطي بالستائر ويبدو مأهولاً ككل عمارة روما القديمة. عبدالعزيز شادي الذي يدرس الدكتوراة في القانون المقارن أراد مشكوراً أن يصل بنا إلي أقصي تصعيد عاطفي تجاه حضارة يتخذ شخصياً موقفاً ناقداً منها من خلال التشريعات، لكنه أوقعني في حيرة لايبدو أنني سأتخلص منها قريباً. حملنا الصديق إلي أعلي تل مونت ماريو الذي يشرف علي المدينة من ارتفاع 139 مترا، ويبرزها في مشهد بانورامي مؤثر، لكن روزا سامحها الله اقترحت أن اقرأ حظي في ماكينة للأبراج، وضعت العملة من حر مالها، بينما ألقمت يدي للمشعوذ الإلكتروني، وبخفة من الماكينة يحسدها عليها المشعوذ البشري رأيت اللون الأحمر يجري في خطوط الكف المضيئة، بينما تتلو عليّ بالإيطالية ما قرأته مسطوراً في علم الغيب، ثم أخرجت ورقة تحمل رسماً بيانياً يتنبأ بخط عمر متوسط، وخط حب قصير وصحة أقصر، وخط جنس طويل بشكل مبالغ فيه. وهذه فزورة أكثر منها نبوءة، لم أجد من يحلها لي، إذ أن كثرة الجنس تحتاج علي الأقل إلي الصحة إن تغاضينا عن الحب أو طول العمر! أما أن تعد الماكينة ببذخ جنسي من دون عمر أو صحة فهذا هو الخطل الإلكتروني الذي لايمكن أن يقع فيه مشعوذ يدوي!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية