المدينة القاتلة

حجم الخط
0

لماذا هكذا المدينة، تمتصُّنا وتصيّرنا عظاما رميماً؟ لماذا بناياتها الشّاهقة تربِّي فينا الحزن؟ وتُدبُّ في مفاصِيلنا البرد والشّلل؟.
يُمسك القدرُ أيادينا البيضاء بخيط أبيض جليّ النّور، يذهبُ بنا في نُزهة خفيفة الحدِيث وكثيرة التّأمل، نهمسُ في أذن بعضِنا، كأنّنا اتّفقنا على أنّ الحضارة تجرّد الإنسان من شاعريّته؛ تُفقدُه عُذريته وسط صخَب أشياء لم نكن نقتسم معها ضيق هذه المساحات لولا حاجتنا لعيش الحياة بأكبر سُرعة ممكِنة حتّى نُدرك أحلامَنا، الوقتُ لا يخدُم أجندتنا، فكم من إنسانٍ انتهى وقتُه دون أن يترُك وصيّته لمن سيرثُه ويرث أشياءهُ التّافهة حتّى…
هذه المدِينة يا حبِيبتي قتلتني وقتلتك…لم تستوعبُ بعد، حبّنا الطّفولي، وشغبنا البدوي، كان صُراخنا حين نفرحُ بالمطر يزعجُ الّذين لا يملكُون أرضاً ليزرعُوها، فينهرُونا ويرمُوننا بكلامٍ كان عصيّ الفهم علينا، لكنّنا كنّا نحفظُه كنشيدنا الوطَني، وكعناوين أزقّة مدينتنا المليئَة بالزّبالة والوحل، كأنّنا وحيدَان؛ لولا تلكَ القطط التي كانت تكسّرُ أنين اللّيل بمواء أشّد حُزنا…وأعذبَ…
لم نكُن نفهَم حينهَا لماذا يحتاجُ النّيام إلى عسس كثِير يحرسُون ليلهُم من اللّيل…ولم نكُن نُدرك بفرطِ الحبّ، لماذا يحتاجُ أهل المدِينة إلى الجوارِي والخدم، وهُم أنفسُهم نراهُم يتزعّمون منظّمات ومُنتديات ويملأون الجرائِد عوِيلا وغضباً ضدّ تشغِيل الخادِمات والأطفال، وضدّ استِعباد أُناسٍ ولدتهُم الأريافُ أحراراً…وأمّهاتهم كنّ يغزِلن صُوف الخِشف لينتصِرن على زُرقة الموْت…
هذه المدِينة يا حبيبتي قتلتني وقتلتك…لم تعِش عُذرية الحيَاة في أصغر تفاصيلِها، كأن تشربَ كوب حلِيب ساخنِ من ضرع ماعزة ترعَى قُرب ساقِية تمرّ وسط القبِيلة، أو كأن تُروي عطشَها من ثغرِ عَينٍ تفجّرت بين صخرتَين، وتجرِي لغيْر مُستقرّ لها، لا ينقطعُ زُلالها ولا تشتكِي جُور أهل القبِيلة…عنّفتنا المدِينة وصلبتْنا على أسوارِها النّتنة برائحَة بول سكرَاها، قذفُونا بالحِجارة، لأنّ الحُبّ لديهِم إخلال بالنّظام العام، وجِنايةٌ تجرّمها نصوصهم الّتي أملِيت عليهم من الأعلَى، قرؤُوها وقالُوا: آمين !!
لم نكُن نخذُش حيَاء المدِينة، وعندَما كنّا نشابِكُ الأيدِي ونسيرُ باتّجاه يأخُذنا حسب هواهُ…كنّا نغنّي للحيَاة فقط…ربّما ضايقهُم الفعلُ المُشين، وخوفاً على سلامَتهم أصدرُوا فتاواهُم ضدّ الحبّ…وضدّنا: كلّ غرِيب وغرِيبة يُمارسَان الحبّ علناً يجلدَان حتّى التّعب…المُفضي إلى الموت المُشتهى…وذيّلوها بتوقيعاتِهم والسّيف…
قتلَتني وقتلتْك المدِينة يا حبِيبتي…نفشُوا ظفائِرك العصِية على التّماهِي مع الرّيح المُزمجِرة بالويلات والخَيبات، واحرقُوا المِلح كي تتعفّنُ الجرَاح، كانُوا بلداء حين اجمعُوا على رفْس الياسَمين، والياسَمين عصِيّ على المَوت…إنّهم يا حبِيبتي منزعِجُون منّا، لا وقْت لديْهم ليمارِسُوا الحبّ، امتصّت المدِينة قصائِد العِشق فيهِم، وابتلعَ جشعهُم بالحَياة حيّزا لاقتِناء وردَة في مساءٍ عابرٍ قد يُعيد التكوين إلى التّكوِين، ثمّ يُزهرُ الحبّ…أتعلمِين الآن لماذا كانُوا يتلذّذون كلّما نهرُونا؟…
ليسَ ذنباً إن قلنَا لسنونوّة لا تُتعبي نفسَك بإعدَاد وحَل عُشّك، دلّينا على تُراب وماءٍ فقطْ…وسنُعدّ لك العجِينة كي تحصّني بيضَك من التّلف…ترجّلنا على إسفلتِ المدِينة كلّه، كانَت نظرَات حُماة العُهر في المدِينة، أكثَر تحرّشا بي، وبكِ، وعندَما خِفنا عن سلامَة الجسَد والحُبّ، اختَرنا أن نمشِي فُرادى في أمكِنة لم ترضَ عن مُثنَّانا بدِيلا، فرّقتْنا أسواطُ ممتهِني الجلَد، ولم تفرّقنا ذكرَياتُ المدِينة، لازلنَا نتذكّرها أوّل مساءٍ دخلنَاها، أوّل حُبّ تُرضِعهُ الحضارةُ…وتغتَالهُ…ويغتَاله أولئِك الذِين يصطادُون الضّفادِع في أنتنِ المِياه، وعند ظنّهم يصطادُون ‘النّون’…
رصاصُ الّذي يحلبُ من حيثُ نحلبُ، ويتمشّى فوْق أرصِفَةٍ بلّطناهَا، كانَ أكثَر تقتِيلا وتمزِيقا، عنفُ حرّاس أمنِنا وسلامتِنا كان الأكثَر تعذِيباً…لم نكُن لنخيّب ظنّ كلابٍ آمنّاها علَى صغَار قططِنا، لو أنّها لم تُكذّب ظنُوننا… وكانَ الحبُّ عزاءُنا الأخِير…والأبْقَى…
قتلتنِي وقتلتْك المدِينةُ يا حبِيبتي…فسلامٌ عليْنا يومَ نبعثُ أحيَاء…

*صحافي من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية