المد والجزر في لعبة الانسحاب الامريكي من العراق

حجم الخط
0

د. حمزة البصريبدأت تتعالى في الاونة الاخيرة اصوات اعضاء الكتل السياسية في العراق ومزايداتهم على عدم الموافقة على تمديد بقاء القوات الامريكية، والكل يعرف ان العراق بلد محتل، ولا زالت القرارات السيادية بيد المحتل الامريكي، وعلّمتنا التجارب السابقة كيف كانت تفبرك الامور بشكل مسرحي لتحقيق غرض معين تريده سلطات الاحتلال، بظهور فصيل مؤيد وفصيل معارض، فالدستور مثلاً اخذ وقتا من التجاذبات وفي النهاية تمت المصادقة علية بكافة عيوبة وتم تمريره من قبل المجموعات المعترضة عليه، واولها الحزب الاسلامي. وكذلك هي الاتفاقية الامنية التي عارضها الكثير من الكتل السياسية ووقف منها موقف الند، وخصوصا التيار الصدري. وفي النهاية تم تمرير تلك الاتفاقية. اما الخطوط الحمراء فحدث عنها بلا حرج حتى باتت سلعة معروضة للبيع في سوق المساومات وتوزيع ادوار من اجل مكاسب شخصية او فئوية، وكثيراً ما استخدمت تلك الخطوط من قبل التيار الصدري خصوصا عندما وقف موقف الند من ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء، واعتبار ذلك خطا احمر لا مجال للتخلي عنه، وما هي الا صفقة ولولاها لما تربع المالكي على كرسي رئاسة الوزارة حتى عادت اوضاع العراق كما كانت عليه قبل الانتخابات، واليوم يطل علينا القياديون في ذلك التيار بجعجعتهم الفارغة بمعارضة تمديد بقاء القوات الامريكية وتناسوا انهم جزء ومكون رئيسي من عملية سياسية صنيعة الاحتلال، الا ان مؤشر الخطوط البيانية الصاعدة والنازلة لتقلباتهم باتت معروفة لدى الشعب العراقي، كما هو الحال مع الكتل السياسية الاخرى، وفي النهاية سوف تقبل تلك الكتل بدون استثناء ببقاء القوات الامريكية شاءت ام أبت وهي صاغرة حسب لعبة المد والجزر والتجاذبات في العملية السياسية المزعومة التي لا تعدو توزيع ادوار لتحقيق مصالح المحتل، تقابلها مصالح شخصية وفئوية على حساب الشعب العراقي، تحت مسميات الديمقراطية المزيفة التي باتت مكشوفة لدى الجميع كونها ماكياجا لتجميل العملية السياسية المنخورة. ؟واذا اردنا التحدث عن الانسحاب بلغة الحسابات والارقام، فالحسبة بسيطة ولا تحتاج الى جدل سياسي او برلماني حيث ان تعداد السفارة الامريكية في العراق، كما هو معروف ومعلن، تجاوز الالفي موظف امريكي وكل فرد منهم يحتاج على الاقل الى خمسة افراد من الحماية، ولو افترضنا جدلاً ان عدد الدبلوماسيين المهمين، بمن فيهم المخابرات والمكلفون بواجبات استخباراتية ومستشارون بحدود الالف عنصرعلى اقل تقدير، فهم في هذه الحالة بحاجة الى خمسة آلاف عسكري امريكي لحمايتهم، فضلا عن ابنية السفارة والمؤسسات الامريكية الاخرى العاملة باغطية مدنية، فهي بحاجة الى حمايات تقدر بخمسة آلاف عسكري، بالاضافة الى اربعين الف جندي امريكي خارج موضوع البحث كونهم متفرقين في الوحدات العسكرية العراقية لمهام تدريبية، فاصبح المجموع خمسين الف جندي خارج اطار موضوع بحث التفاوض على البقاء، علاوة على العسكريين العاملين بغطاء الشركات الامنية العاملة في العراق وعددها 130 شركة وجميعها منظمّة في اتحاد واحد تحت اسم ‘اتحاد الشركات الأمنية في العراق (PSCAI)، ويقدر عدد الأفراد العاملين في هذه الشركات ما بين 30 إلى 50 ألف عسكري، وهم بذلك يشكلون القوة العسكرية الثانية بعد الجيش الامريكي، ولا يسمح لهم بالعمل الا بعد تأدية قسم الولاء للدستور الامريكي. وكذلك هناك خط احمر لا يقبل النقاش عن بعض القواعد العملاقة التي صرفت لأجلها مليارات الدولارات وأصبحت بمثابة مدن أمريكية على شكل قلاع هجومية دفاعية ضمن مساحة تقدر بمئات الهكتارات وموزعة في مختلف مناطق العراق ومنها: 1 ـ قاعدة بلد شمال بغداد وتتميز بكونها قاعدة جوية مثالية، وتعتبر مكاناً ملائماً لنشر القوة العسكرية الأمريكية في كل منطقة الشرق الأوسط ويقيم فيها اكثر من 20 الف جندي امريكي، وتعتبر مشروعا عملاقا يحتوي على طرق وأبنية ومنشآت مقامة للاستمرار لعقود طويلة قادمة، وفيها من المتاجر التي تضم الأطنان من البضائع وتحوي على دار سينما لعرض احدث الافلام، وهي بمثابة احد أكبر القواعد العسكرية الموجودة في العالم. 2 ـ قاعدة التاجي: وتقع في شمال بغداد وهو موقع للحرس الجمهوري العراقي السابق، وهي بمثابة مدينة عسكرية امريكية كبيرة تحتوي على قطار انفاق، ومن مهامها الاقامة والترفيه عن الجنود، وفيها شقق سكنية ومطاعم وساحات للالعاب، ومن مهامها ايضا تقديم الخدمات اللوجستية للقوات الأمريكية العاملة في العراق، وتكمن أهمية هذه القاعدة في وجود تسهيلات تمكنها من أن تصبح أكثر من مجرد قاعدة مثالية. 3 ـقاعدة الناصرية: جنوب العراق تقع على ضفاف نهر الفرات وتبلغ مساحتها اكثر من عشرين هكتارا وكلفة تشييدها اكثر من 2.1 مليار دولار نشاطها محاط بسرية تامة ولا توجد معلومات كافية عن تلك القاعدة.4 ـ قاعدة أربيل وتدخل ضمن منطقة الحكم الذاتي للأكراد في شمال العراق وعلى شكل معسكرين، الاول قرب القنصلية الامريكية وبمساحة مئة وخمسين هكتارا، ومئة هكتار للمعسكر الثاني، وكلفة القاعدة اكثر من ملياري دولار، وتصاميم انشائها لعدة عقود ويعمل فيها خبراء من اسرائيل لاقامة برامج استخباراتية ولوجستية، بالاضافة الى تدريب قوات البشمركة الكردية.5 ـ قاعدة البصرة التي تتألف من عدة معسكرات، واهمها القريبة من القنصلية الامريكية والمشيدة على اربعين هكتارا، والاخرى قرب مطار البصرة والمشيدة على خمسة عشر هكتارا. 6 ـ قاعدة الموصل: وهي في أحد المواقع الرئاسية لصدام حسين وتحولت الآن إلى إقامة الوحدة 101 المحمولة جوا.7 ـ قاعدة كركوك التي تقع على حقول النفط في مدينة كركوك ومصفاة تكرير النفط في كركوك ومصنع البتروكيماويات والمشيدة على اربعين هكتارا.8 ـ قاعدة بغداد وتضم عدة معسكرات منها معسكر السفارة الأمريكية التي بنيت بكلفة 750 مليون دولار، وهي مصممة لكي تكون قاعدة دفاعية وكلفة تشغيلها 2 مليار دولار وتضم القصر الجمهوري والحكومة العراقية، واغلب المؤسسات الحاكمة في العراق بالاضافة لسكن الدبلوماسيين الاجانب. وكذلك معسكر النصر والقاعدة المشيدة على 250 هكتارا قرب مطار بغداد الدولي في منطقة غرب بغداد. وتستوعب القاعدة اكثر من اربعة عشر الف جندي. وتضم قصر الفاو الموجود على بحيرة مصنوعة لاستضافة مؤتمرات الجيش الامريكي ولقاءات كبار المسؤولين الامريكان.9 ـ قاعدة عين الأسد: التي تسيطر على كل محافظة الأنبار وترتبط بها معسكرات للمارينز في كل من الرمادي (معسكر الورار سابقا ومعسكر سد حديثة على نهر الفرات، ومعسكر القائم، ومعسكر عانة، ومعسكر هيت) تقع على بعد 200 كم من مدينة البغدادي التي كانت سابقا قاعدة القادسية الجوية، وهي أيضا من القواعد الكبرى التي تضم فرقة من المارينز قوامها 16 ألف جندي، ويعتبر حجم هذه القاعدة مقاربا لحجم قاعدة بلد ومزودة ايضا بكل وسائل الترفيه والاسواق، وهي القاعدة التي هبط بها بوش في آخر زيارة له للعراق التي انطلقت عليه احذية منتظر الزيدي. هذا بالاضافة الى القواعد والمعسكرات الاخرى المنتشرة في اطراف اغلب المدن العراقية، ومن المؤمل ان تختزل هذه القواعد الى اربع قواعد عملاقة تغذي النشاط العسكري الامريكي لمنطقة الشرق الاوسط. كل هذا والكتل السياسية وزعماؤها يتحدثون عن الانسحاب بلا حياء، وهل يخفى على احد الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الامريكي غيتس مؤخرا للعراق وقد اعطى تعليماته للفرقاء المشاركين في العملية السياسية ان يحسموا امرهم بشأن وجود القوات الامريكية، كما ورد في تصريحه الذي خاطب به الفرقاء السياسيين وهذا يعني ان الامريكان يطالبون عملاءهم اللصوص قراصنة العملية السياسية سراق قوت الشعب باخراج مسرحي مفبرك للبقاء تحت مسمى عدد محدود من القوات، واستخدام حجج واهية، منها عدم جاهزية القوات العراقية التي مضى على تأسيسها عشر سنوات وهي غير جاهزة للدفاع عن العراق، وانما جاهزة للدفاع عن قواعد المحتل وقتل ابناء الشعب العراقي، على من الضحك على الذقون والاستخفاف بعقول الناس والاستهتار بمقدرات الشعب العراقي، أي عدد محدود وهناك آلاف من القوات الموجودة بشكل دائم خارج موضوع البحث تحت المسميات المبينة آنفاً، في الوقت الذي يعلم الجميع أنه ليست هناك مصلحة للمواطن وليست هناك مصلحة للوطن من بقاء تلك القوات وانما في حقيقة الامر مطلب سياسي لحماية الجماعات المسيطرة على السلطة. واخيرا فقد بات من السخرية ان نسمع اصواتا تعلو من فوق الطاولة مطالبة بخروج القوات الغازية، وتحت الطاولة تجاهد وتتوسل من اجل بقائها لغرض حمايتهم من غضب الشعب، وحتى المؤسسة الدينية التي عودتنا ان تطبق الصمت الدال على الرضا في المواقف المصيرية كما كان الموقف اول مرة، واليوم الحر تكفية الاشارة. ‘ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية