بغداد ـ ‘القدس العربي’: حاول هذا الكتاب دراسة وتحليل حدث حرب واحتلال العراق، كونه حدثا مهما بصورة استثنائية في تاريخ منطقة الشرق الأوسط. كما وتتبع نتائج هذا الاحتلال واثاره على المجتمع العراقي بشكل عام وعلى المرأة العراقية بشكل خاص. فالكتاب يؤكد أن العراق وقع فريسة احتلال دمر دولة بأكملها في لعبة استراتيجية خضعت لمبدأ التدخل الانساني الدولي وتسببت في تدمير وتفتيت وافناء دولة مستقلة وذات سيادة وبمساعدة وصمت من معظم أطراف المجتمع الدولي، بموجب سياسة أحادية قائمة على تغيير الانظمة السياسية الديكتاتورية في الشرق الاوسط وتحرير المرأة. كما ويؤكد الكتاب على أن إملاءات التغيير السياسي بفعل العامل الخارجي لمنطقة الشرق الاوسط ما هي إلا صورة إستراتيجية لإعادة الاستعمار وسياستها (فرق تسد) من جديد لتحقيق أهدافها ومصالحها في المنطقة بروح الانتدابية الجديدة. كما إن عملية التحول الديمقراطي الموعود بها العراق في سياسة الفوضى الخلاقة الامريكية بنتائجها السلبية ومرتكزات التمترس العرقي والمذهبي وباختلاف الارادات السياسية الطائفية الموجودة في السلطة الحالية والخانعة للارادة الامريكية، توجب تدخل الفاعلين الأقليمي والدولي لصالح تحقيق مخططاتهما في إبقاء عراق ضعيف منزو عن العالم له ما يكفيه من المشاكل الداخلية، لتتحول الازمة في المجتمع العراقي من علائقية الى بنيوية (فتور علاقات بينية)، لاسيما وأن عوامل الأزمة لم تصل بالأمور إلى مرحلة القطيعة بين أركانها بل استمرارية للشد والجذب، وما دام العراق وطن الجميع وليس هنالك امتياز لفئة على أخرى، أي لا بد من انتهاء وهجر منطق الأغلبية والأقلية وتعدد الاثنيات مع عدم تحمل الطوائف وزر وسلبيات أفعال السلطة السياسية، فالدولة في طبيعتها ليست دولة ظالمة، انما النظم السياسية تتحمل وزر الظلم الذي تمارسه فيها على مختلف الطوائف، وفي العراق لا يمكن أن يستثنى العامل الاقليمي والدولي من حقيقة الظلم هذه.وما بين هذا وذاك عانت المرأة العراقية من موقف لا تحسد عليه جعلها تعيش تحت واقعين الأول نتج عن كونها المتلقي، والثاني كونها الضحية، وكلا الواقعين السلبيين هما من نتائج لعبة الكبارعلى المصالح التي تميزت بالتنافر والتلاقح بين أطراف صراع الإرادات السياسية الداخلية لتـخدم، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إرادة الاطراف الأقليمية والدولية. وهذا ما أوصل العراق الى عنف دموي بارز بكل أبعاده ومستوياته ومنطلقاته ليستشري في كل أرجائه، بالتزامن مع إستراتيجية الفوضى الخلاقة الامريكية والقائمة على دعاوى نقل العراق من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، بفوضى عارمة، مهما كان ثمنها، وباستغلال العناصر الاساسية الثلاثة لهذه الفوضى المتمثلة في: أولاً الإحتلال وسلوكه السياسي، ثانياً الأطماع الإقليمية والتدخل السافر في شؤون العراق الداخلية، ثالثاً عدم التوافق الداخلي بتنافر مكونات المجتمع العراقي، وهذا كله على أمل أن تفضي هذه الاستراتيجية الى تفعيل نظرية الدومينو في المنطقة و الى أخراج العراق من معادلة القوة وتوازنها في منطقة الشرق ألأوسط. والكتاب يؤكد على أن تطور المجتمع بركنيه الاساسيين الرجل والمرأة لايتم بالمراسيم الرئاسية ولا ببيانات قادة الغزو الذين نصبوا انفسهم ناطقين باسم العراقيين، ولا بأولئك الذين باعوا مواطنتهم وطعنوها بولاءات تغلبت على العراق، وإنما يتم عبر التراكمية الحراكية المجتمعية وهو ما تحقق منذ الايام الاخيرة للعهد العثماني الغابر في العراق. فالحديث عن السفور بدأ حينئذ وكان له ُرجاله ُ كالزهاوي والرصافي واستمر في عهد تأسيس الدولة العراقية الحديثة (1921) بحيث رأينا طلائع فتيات العراق ينضمن َالى المدارس في بداية العشرينيات من القرن المنصرم والى الكليات في نهاياتها والعقد الذي يليه وصولا لاستيزار اول وزيرة عراقية وعربية وهي الدكتورة نزيهة الدليمي عام 1958. ثم الدكتورة سعاد خليل اسماعيل وزيرة للتعليم العالي في 1969. أما ما يتبجح به الاحتلال والكيانات والاحزاب السياسية المتعاونة معه وهي في اغلبها رجعية التفكير ماضوية وظلامية وطائفية في تخصيص نسبة 25 ‘ من مقاعد البرلمان للمرأة، فقد جاءت لتكمل نظام المحاصصة الطائفية والكوتا النسوية. لم تأت هذه الكوتا إلا بنساء غالبيتهن العظمى عديمات الخبرة السياسية وذوات امكانيات ضعيفة على المستويين العلمي والثقافي، بحيث راحت الكوتا لتعبر عن ولاءات طائفية وحزبية واثنية أضرت بواقع المرأة وبالمكتسبات التي كانت قد حصلت عليها في السابق ،الامر الذي حدا ببعض هذه النسوة أن يتحدثن عن الكوتا الكمية وليس عن الكوتا النوعية. هذا هو الفرق البين بين التراكم الحراكي الاجتماعي الذي يثمر خيرا والكوتا الاحتلالية التي اثمرت تراجعا بيناً في واقع المرأة. ولكن النظرة المستقبلية للكتاب تراهن على الشعوب والطبقة الشابة منها لتعمل التغيير الديمقراطي مستفيدين ومستخلصين العبر من العشر سنوات الماضية للاحتلال وصراعات القادة الجدد في العراق، متوقعين ردة فعل معاكسة رافضة للعامل الخارجي ودافعة للعمل الوطني الداخلي في التدخل والاصلاح اللذين لا يمكن ان يأتيا الا من خلال الشعوب التي عانت من مرارة الديكتاتورية والتبعية. والكتاب يوثق تظاهرات شباط 2011 التي اقمعت داخلياً ودولياً ويعدها حجر أساس لانطلاق تظاهرات التغيير الشاملة في العراق والتي قد تكون تظاهرات الانبار الحالية مكملة لها. ولا يمكن ان يقل دور المرأة سواء في المساندة والتشجيع أو القيادة والادارة اهمية في هذا الامر عن دور كل الفئات الاجتماعية الاخرى. يتكون الكتاب من خمسة فصول بالاضافة الى المقدمة والخاتمة. واعتمد الكتاب على مصادر عربية وأجنبية وتقارير دولية، ومقابلات شخصية مع عدد من النساء بالاضافة الى تجربة الباحثين من خلال عملهما في جامعة بغداد. الكتاب يتكون من 420 صفحة ومن اصدار دار الجنان للنشر والتوزيع، عمان – الأردن.qad