المرأة في قصص حزامة حبايب: انشغال بالأبعاد النفسية والاجتماعية للجسد

حجم الخط
0

محمد معتصمتكتب حزامة حبايب القصة والرواية في آن، وقد صدر لها في القصة القصيرة الأعمال الآتية؛ ‘الرجل الذي يتكرر’، و’التفاحات البعيدة’، و’شكل للغياب’، ثم ‘ليل أحلى’، وفي الرواية صدر لها كتاب ‘أصل الهوى’ ثم ‘قبل أن تنام الملكة’. تتميز كتاباتها بموضوعات ‘المرأة’ و’الجنس’ و’الجسد’ في علاقتها بالأبعاد النفسية والسلوكية والاجتماعية، وتتميز بطريقة السرد التي اختارتها لتناسب القضايا والموضوعات التي تكتب عنها وتراها حقلا تخييليا خصبا يمكنها عبره أن تضيف بصمتها الشخصية في الإبداع السردي العربي المعاصر، ويمكنها عبره كذلك قول أفكارها الخاصة التي تؤدي دور ووظيفة الأدب (التنويرية والاجتماعية) ضمن الشروط المحلية والعربية الراهنة حيث تحولت كثير من الأوضاع والأفكار والقيم والعلاقات لكن قضايا المرأة العربية ما تزال في كثير منها في مكانها ولم تتزحزح عنه إلا قليلا، وطريقتها في السرد القصصي طريقة سلسة يقوم فيها السارد – (الأنثى وهو سارد يمكن أن نقول عنه سارد بصَّاصٌ ومتلصص لأنه يكتب بعينيه لا بأفكاره كما هو الحال عند الكثير من السُّرَّاد الذين تناولناهم بالدرس والتحليل في هذا الكتاب) – برصد حالات من الواقع المعيش، وبوصف دقيق للجزئيات الصغرى من حركات وسكنات الشخصية القصصية، وبعرض مفصل للمكان، بلغة سردية بسيطة غير متكلفة تناسب كثيرا نمط الشخصية القصصية وانشغالها، فنجدها توظف التوظيف السليم الألفاظ المحلية الدارجة لتؤدي المعاني الدقيقة الواضحة في ذهن السارد وفي ذهن المتلقي المحلي خاصة، سواء أكان اللفظ ابتكارا محليا أو كان اللفظ ذا مرجعية غربية.

إضافة إلى الموضوعات المميزة وطريقة السرد ونمط السارد، هناك ميزة أخرى جلية وهي؛ الوصف، لأن السارد كما ذكرنا يعتمد على ‘عينيه’ في تتبع الأحداث وفي رصد تحولات وأحوال الشخصية القصصية، ويعرض المكان عرضا مفصلا ودقيقا جاعلا منه – أي المكان- شخصية إضافية ومكونا فاعلا في تشكيل الفضاء التخييلي الذي بدونه لا تتحدد الدلالة. يصنف هذا النوع من الوصف ضمن ‘الوصف المسرود’ الذي يختلف عن طبيعة الوصف التقليدي الساكن الذي يوقف تدفق السرد ويركز (يُبَئِّرُ) على شيء أو شخص فيفصله عن مجرى الأحداث مثال البداية في الرواية الواقعية والرواية التقليدية (الكلاسيكية) أو كما ورد في العديد من الدراسات حول رواية غوستاف فلوبير ‘السيدة بوفاري’ في مشهد وصف الكعكة. إن الوصف في قصص حزامة حبايب وصف متحرك يسير متوازيا مع سرد الأحداث والوقائع.

ما يميز قصص حزامة حبايب الحدث الختامي المعروف بالحل أوالنهاية، وميزته الفارزة أنه يقوم بوظيفته الطبيعية في السرد بِخَتْمِ التدفق السردي وعرض الوقائع ووصف الشخصيات القصصية وأبعاد ومكونات المكان، وبأنه ‘فجائي’ ذو طبيعة ‘شعرية’ يطيح بتوقعات المتلقين، ويحول مجرى سرد الأحداث، ويقوم في الآن ذاته بالإفصاح عن ‘قَصْدِ’ السارد.

هذه الملامح المميزة تعطي القاصة حزامة حبايب موقعها داخل السرد في الأردن المعاصر، لتشكل طريقتها في السرد مظهرا من التنوع السردي المحلي والعربي، وهو سرد سلس مسترسل كسرد الجارة في قصة ‘حكي حلو’:’ … ثم تعود إلى حكيها السلس الذي يبدو أنه لا يتعثر. حكي مليء بالحكي. حكي غير متسق.. لكنه متسق.. حكي تنهض فيه أسماء الناس وأشكالهم وأصواتهم’ ص (27/ شكل للغياب)*******اختار السارد (الأنثى) رصد أحوال الشخصية القصصية وعرض أبعاد المكان (الضيق غالبا: البيت)، ولذلك قلنا عنه السارد المتلصص الذي يكتب بعينيه، لكن ما هي الموضوعات التي تكتب عنها حزامة حبايب؟ وما نوع الشخصيات القصصية التي تناولتها في قصصها القصيرة؟ ولماذا؟ ومن أية زاوية كانت تنظر إليها؟

تكتب حزامة حبايب في موضوعات ممنوعة (هامشية) وأخرى جديدة تشكل مركز اهتمام الكتابة الحديثة في العالم وليس العربي وحده؛ وهي:* المرأة كموضوع للتفكير والتخييل القصصي.* الجسد كموضوع للكتابة وليس فقط كموطن للغرائز البدائية. * الجنس كموضوع ممنوع ومحرم في (الكتابة) والتخييل.

سارد حزامة حبايب ‘متلصص’ يعتمد على الرصد البصري وتتبع الشخصية القصصية بدقة في تفاصيل حركاتها وسكناتها، مما يدل على أنه سارد أنثى يعرف كل صغيرة وكبيرة مما يجري بعيدا عن الأعين في غرف النوم وغرف النظافة والتزيين وخلف الأسوار العالية والبيوت المغلقة. لذلك نجد المرأة موضوعا أساسيا وحيويا في تشكيل فضاء القصص وهي أنماط متعددة وحالات مختلفة، منها:* المرأة المترفة: في قصة ‘من وراء النافذة’ يرصد السارد حالة المرأة ربة البيت لكنها مستسلمة لوضعيتها، ومطمئنة لحالها، فتحول اهتمامها إلى جسدها تعتني بزوائده، وتحصر عالمها في تربة الأبناء والاجتماع مع الجارات من ذات الصنف والفئة على النميمة وملاحقة الأخريات بالتعليق. * المرأة ربة البيت: في قصة ‘زقاق’ يتتبع السارد زوجة وأما لثلاثة أولاد وخمس بنات، وهي تتنقل في السوق بين الباعة مطمئنة لثمانية عشر عاما من الزواج ولمظهر ‘جسدها الذي يشي بِخِلْفَةٍ كثيرة وأعمال منزلية أكثر’ ص (9)، تساوم وتلقي التحيات وتسال عن أحوال الأهل والجيران والأولاد. يبدو كل ذلك عاديا ورتيبا لا يختلف في شيء عن مشاهد يومية تتكرر في الأسواق الشعبية، إلا أن الحادث الأهم يقع في النهاية (كحل للقصة) عندما يفاجئها الشاب من وراء اطمئنانها وسكينتها ويربك حساباتها فيرتجف جسدها وتستيقظ من رمادها الرغبة. يقول النص:’ … فترتطم ساقها بفخذ صلبة. تستدير. يقف وراءها شاب يبتسم بخبث. تفكر بأن تقول له ما قد تقوله في هذه الحالة:’عيب، أنا مثل أمك’. لكن لسانها يتيبس. الكلام لا يصعد من داخلها إلى حلقها. وقبل أن تفكر في أي شيء آخر، يعمد الشاب – بوقاحة وجرأة أكبر هذه المرة- إلى الضغط بكل راحة يده على أحد ثدييها، ثم يمضي مسرعا. تنظر حولها. لا يبدو أن أحدا انتبه. رجفة هائلة تغمرها. أشياء كثيرة تتناثر منها. لا تتمالك السيطرة على أعضائها. تفلت سلة الخضار من يدها. ذراعاها متخدرتان. ساقاها مرتخيتان. يزحف فيهما تنميل بعيد وبطيء.. ينشط تدريجيا. ثم فجأة.. تشعر بطنين يتعاظم في أذنها’ ص (12-13)تبرز هذه النهاية المفاجئة حالة من الحالات الاجتماعية المنسية والهامشية التي تعاني فيها المرأة (ربة البيت: الأم والزوجة غير العاملة) بسبب الأعمال الشاقة في البيت والروتينية، وكثرة الإنجاب من طمر لمشاعرها وأحاسيسها وتحويلها تدريجيا من امرأة إنسان إلى امرأة آلة للإنجاب والعمل. ويصبح مع الوقت تحرك مشاعر المرأة مبعثا على الخزي وشعورا قاهرا بالتدني، وكأن المرأة ربة البيت لا يحق لها أن تشعر بالرغبة أو تستجيب لرغباتها الجنسية، يبن النص ذلك الإحساس القاهر كالآتي:’ تتألم.. تتألم كثيرا. وتشعر بخجل وخزي حين تكتشف أن تحرشات الفتى بها في الحقيقة توقظ فيها نشوة خبيئة.. عارمة!’ ص (13)في قصة ‘ربما في الغد’ يرصد السارد الوجه الآخر للحياة الزوجية الباردة التي وصلت إلى نهايتها، وبدأت تتآكل بالصدأ الذي يعلوها جراء العادة والإهمال، يرصد السارد الشخصية القصصية (المرأة) وهي تعتني بلباسها وجسدها وتتزين أمام المرآة وتقوم في الوقت ذاته بجل متطلبات وواجبات البيت من إعداد لوجبة الفطور… لكنها تضمر في نفسها رغبة وطلبا تتردد في الإفصاح عنه لزوجها الذي ‘يأكل بصمت. تضع كوب الشاي أمامه حريصة على أن تجعل أظافرها بطلائها اللّمَّاعِ تصيب عينه مباشرة. لكنه لا يلتفت إليها، ولا يلتفت أيضا إلى قميص النوم الحليبي، كما لا تصيبه الشفتان النصليتان بأدنى دهشة. تعقد له ربطة العنق بعناية. تساعده في ارتداء الجاكيت. تذكره بساعة يده التي ينساها على رف المغسلة دائما’ ص (34). يرصد السارد حالة اجتماعية ونفسية سائدة في كثير من الأسر وقد علاها الصدأ وتكلست فيها الحياة والمشاعر وتحولت بفعل الزمن والتعود إلى حياة باردة لا ينتبه فيها الزوج إلى التغييرات التي تقوم بها الزوجة ولا تحل عادة ‘التملك’ محل فورة ‘الوجود’ وتحقيق الذات ونمائها بالشغف والشوق والمحبة. لكن ماذا تريد الزوجة أن تقول لزوجها؟ تريد أن تقول:’ لا بأس. تستطيع أن تؤجل الأمر إلى الغد. ستقول له إنها لا تحبه! بالتأكيد غدا.. ستقول له ذلك’ ص (34)من خلال المرأة ربة البيت تعالج القاصة قضية اجتماعية ونفسية وتربوية تكون خلفية لكثير من القضايا والمعضلات التي تؤثر سلبا على النشء وعلى المجتمع، وتبين كيف تتحول المرأة ربة البيت إلى جارية أو مجرد آلة إنجاب. * المرأة المتعلمة: في قصة ‘حكي حلو’ يصف السارد فرحة المرأة المتعلمة (الأستاذة الجامعية) بيوم إجازتها الذي تتفرغ فيه للاهتمام بجسدها، وللاستمتاع بمجالسة جارتها على ‘صينية عليها فنجانا قهوة وكوب ماء وصحن بسكويت محشي’ ص (26)، والحكي السلس الممتع حول الجارات وأخبارهن الصغيرة. * الفتاة الطالبة: تقارن الطالبة بين حياتها البسيطة والعادية، وتكدسها مع رفيقاتها (سها، سامية، سهام، سمر، سيرين) لكن الجميلة والهادئة، وبين الحياة المترفة للمرأة الجميلة داخل الرواية في قصة ‘الفراشات جميلة دائما’.* المرأة الفقيرة والكادحة: في قصة ‘رأي’ يتم رصد وتتبع التفاعلات السلوكية والنفسية، والهواجس والأفكار الباطنية لامرأة كادحة تتيح لها الظروف المقارنة بين يد المصور ويديها ويدي خميس الميكانيكي، فتخجل وتشعر بالدونية، بالرغم من أنها تردد بعد لأي ‘نعم.. أنا أحبّ عملي’ ص (45)، فالمرأة الكادحة هي تلك التي تبذل مجهودا كبيرا مقابل أجر زهيد. ويصف السارد المرأة الكادح وهي تدب مثقلة بأدواتها وبهمومها:’ ببساطة متناهية، وبينما يفكك أعضاء الكاميرا الأنيقة، تحمل الدلو الحديدي المليء بالماء والصابون بأصابع مقوسة كما تحمل في اليد الأخرى عصا طويلة تنتهي بممسحة مؤلفة من خيوط مجدولة ومكنسة أطرافها ذائبة وتسير مبتعدة. يميل جسدها المهلهل جهة الدلو الثقيل الذي تتطاير منه بقع ماء الصابون.. تبلل ذراعها وتنورتها وقبقابها الفليني، كما تبلل الطريق من خلفها.. ومن أمامها..’ ص (45)* الفتاة المراهقة: يقوم السارد في قصة ‘تحد’ بسبر أغوار الفتاة المراهقة التي تحاول جاهدة التظاهر أمام ضيف والدها بالكبر، لكن أهمَّ ما عنصر في السرد هو القدرة على وصف التفاعل الداخلي للفتاة المراهقة، واستجابتها اللا إرادية لرغبتها الباطنية الناشئة، فكذبت دون أن تعد ذلك كذبا، وتحملت سخونة الشاي لتظهر أنها كبيرة وقد أصبحت كبيرة. هذه حال المراهق الذي يضجر من طفولته ويتطاول بعنقه نحو الشباب، يقول النص:’ تبسط صدرها إلى أعلى. تسحب رشفة أطول من الشاي الذي تبهت سخونته تدريجيا. لن يكتشف مثلا أنها ليست الأولى في الصف، وأنها في الثانية عشرة من عمرها لا في الرابعة عشرة، وأنها في الصف السادس لا الثامن’ ص (80)* فتاة القمامة: في قصة ‘قطة و.. قطة’ تبني القاصة السرد على المقابلة بين مشهدين متجاورين، مشهد القطة الحقيقية وهي تبحث في قمامة الكيس البلاستيكي الأسود على طعامها، ومشهد القطة الثانية (الطفلة البائسة) وهي تبحث في قمامة الكيس البلاستيكي الأبيض. كالعادة تقوم القصة على خلفية سياسية واجتماعية يوجه فيها السارد أصبع الاتهام نحو وضعية الطفولة المحرومة والمغتصبة والمهملة، وتتساءل ضمنيا عن المسؤول عن هذه الظاهرة المشينة للمجتمعات الحديثة والمعاصرة، التي يفترض فيها أن يكون تقدمها في المجالات كثيرة.*******تقدم حزامة حبايب أنواعا من العلاقات الشائكة بين المرأة وجسدها، وبينها وزوجها، وبينها والمرأة مثلها، وبينها وبين الجنس، وبينها وبين العمل والفقر، ثم بينها وبين ذاتها (رغباتها وميولها). وعبر هذه العلاقات الشائكة تطرح الكاتبة موضوعات عميقة وشائكة بدورها وتقع عند البعض في باب المحرم والمحظور أو بلغة أخرى ما يقع في باب المهمش والمنسي.

تبقى قصص حزامة حبايب مميزة بكثير من الملامح الإيجابية والفارزة التي تدل على الكاتبة وتضعها في مقام مميز، ومنها: السارد الأنثى قوي البصر، الذي يرصد حركات وسكنات الشخصية القصصية، بل يتوغل في انفعالاتها الباطنية، ويميزها كذلك القدرة الفائقة على الوصف، والوصف المسرود الذي يضع السرد المتنامي جنبا إلى جنب الوصف الدقيق للشخصية القصصية وتحديد الأبعاد الهندسية للمكان ومكوناته من أثاث وألوان طلاء فسارد حزامة حبايب يقظ وفضولي وعينه أكثر أسلحته تطورا، ويميزها الحدث الختامي (الحل والنهاية) الفجائي الذي يقوم بوظيفة شعرية بالغة الدلالة. بذلك تكون قصص حزامة حبايب إضافة جديدة ومتنوعة لمدونة السرد العربي في الأردن. حبايب، حزامة: شكل للغياب. منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ط 1ـ 1997ناقد من المغرب21- 07- 2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية