في الوعي الجمعي، يبدو مفهوم المرأة مشبعا الي حد التضخم بقيم مضافة وبانتقاصات أو استزادات تنشأ حسب المراد وتُصاغ تحت الطلب. وهذا ما يجعل مفهوم المرأة موضعا مشتركا منفتحا علي شتي التمثلات والمقاربات الجاهزة وشتي أنواع القول وفصل الخطاب. لقد غطت كلمة المرأة من حيث هي مفهوم وخطاب علي المرأة من حيث هي كائن وكيان. وربما كان التضخم الذي يقترن اليوم بخطاب المرأة وبالخطاب حول المرأة أشبه ما يكون بالتوالدات اللفظية التي تقتات بلاغيا من الواقع المتمثل بدلا من الواقع المتحصل عينيا وعيانيا كتجربة وسياق. ان ربط قضية المرأة بالرهانات التنموية والمطامح الديمقراطية وثقافة حقوق الانسان، يعتبر ـ من الناحية المبدئية العامة- أمرا مقبولا ومحبذا بدون أدني شك. لكن حين يتحول هذا النوع من الخطاب الي محض خَطابة، وحين تنجلي فورة الشعارات لتنكشف قتامة الحال وحلكة المآل اللذين تتردي فيهما فئات النساء الواقعات علي الهوامش، والحاضنات لغبنهن بمنطق الغريق الذي لا يعوزه الاستسلام ـ حينها تتبدي الحقيقة المعتِمة التالية: ليست قضية المرأة في نهاية المطاف سوي بؤرة بلاغية ومحض خطاب. فهي في الخطاب السياسي، رهان انتخابي. وهي في الخطاب الاشهاري، رهان ترويجي. وهي في الخطاب الفني المعمم عبر القنوات المائعة، رهان جنسي وغرائزي. وهي في الخطاب الحقوقي، رهان سياسي خارجي. وهي في المشهد الثقافي العام، رهان تزويقي وتزييني. وهي في الخطابات الفكرية الفجة أو المتناضجة، شعار تقدمي وادعاء حداثي. وهي في أغلب الخطاب النسائي، رهان نسوقراطي أو كائن مهووس محتقن بتمرده الكئيب أو مجلل باستيهاماته المضنية. وهي خلف كل هذه الواجهات المسرفة في انتاج الخُطَبِ والخطابات، ليست كينونة ذات دلالة في حد ذاتها وحدود كيانها وصفاتها، بقدر ما هي كينونة خطابية متضخمة ومطوعَة أحيانا لتحقيق مكاسب ماكرة أو تعميم وعي شقي بالظلم والانتفاء. وفي لجة هذه الخطابات التي لا تحمل من الجديد الا الاستيهامات وفائض الكلام، يتضخم الدال علي حساب المدلول، وتتفاقم القيم المضافة لتحجب القيمة البدئية والأصيلة. وبذلك يتم الابقاء علي البعد التجريدي والصوري للمرأة بمجموع قضاياها ومجمل زواياها، فيؤدي ذلك الي تنويم وتعويم الكيانات المفردة والمتعددة (النساء)، واختزالها في كيان صوري واسقاطي محض يوحي ظاهريا وايديولوجيا بمرجعية دلالية متجانسة (المرأة). لكن واقعنا المغربي الذي يعرفنا ونعرفه، يدل بما لا يدع مجالا للشك أن مفهوم المرأة عندنا لا ينطوي علي احالة متجانسة قمينة اجتماعيا وثقافيا بحصر وتغطية كل فئات النساء من مختلف الأوساط الاجتماعية. فحين نتحدث في المغرب عن المرأة، يطرح السؤال التالي: عن أي امرأة نتحدث بالتحديد والضبط والتعيين؟ وذلك بالنظر الي أن الفرق أحيانا بين المرأة والمرأة في المغرب، قد يكون أوسعَ وأَشْسَعَ حتي من الفرق بين الرجل والمرأة. يوجد فرق بمقاسات كونية بين المرأة المغربية التي تعيش مطمورة في قرية جبلية نائية لا وجود فيها لأدني مظاهر المدنية والحضارة، وبين المرأة المغربية التي تحيا وفق الطريقة الفرنسية أو الأمريكية والتي أقصي ما تعرفه عن المغرب والمغاربة لا يصل الي نصف ما تعرفه عن عشيقتها فرنسا. ان كلمة (المرأة) لم تعد مجرد اسم جنس! بالاصطلاح النحوي، بل أصبحت في المنطوقات الخطابية والتدبيرات الثقافية، احالة صورية علي قضية تجريدية واقعة ضمن سياق التوظيف السياسي أو الانتخابي أو الترويجي أو التنفيسي أو التمييعي.
سعيد أراق ـ المملكة المغربية[email protected] 6