ما يجمع بين حالة المياه في مسار النهر، وحالة المشاعر والأفكار في الذهن، هو التدفق والجريان اللانهائي والتغيير المستمر.
وليام جيمس
أتت رواية الحسن البكري «أحوال المحارب القديم» بشخصية هاجو ود منصور كشخصية محورية تقود السرد في خضم إشارات قوية للتأثر بمدرسة الرواية الجديدة التي رافقت التغيرات الكبيرة في العالم بعد تصدر الآلة للمشهد واشتعال الحربين العالميتين، حاملة أدوات تمردها في تخلصها من تقليدية السرد، معتمدة على مذهب الأنا الذي يعتبر أن الأنا هي محور السرد مع إقصاء العالم الخارجي، أو استخدام أدواته في خدمة الأنا.
تقوم «أحوال المحارب القديم» على هاجو، ووعيه بالعالم المحيط به، ورؤيته المتفردة لهذا العالم، خليطا من الواقع وأحلام اليقظة والكذب الأمنياتي، متنقلا في ما بينها في براعة من دون حدود واضحة، ما يجعل القارئ منغمسا فيها، يتخبط في أنا هاجو وأحوالها الثلاث.
يمتد الفضاء المكاني للرواية شرقا، من جبال البحر الأحمر، مرورا بسهول البطانة، من عطبرة وحتى القضارف، وصولا إلى دارفور، ثم ممالك غرب افريقيا، ويمتد جنوبا حتى أدغال الجنوب، ويرتكز في جبل موية، حيث يقطن فكي هارون وبناته الثلاث، ثم يتسلل شمالا حتى الخرطوم، ويلتقي بسهول البطانة عند عطبرة.
الفضاء الزماني للرواية جاء على قسمين، حيث يعتبر الزمن الخارجي في الرواية فوضويا، وغير منظم، وهي أشارة أخرى من إشارات تيار الوعي في الرواية، حيث أن الزمان الخارجي يتمدد من بداية القرن التاسع عشر، ما يسبق فترة الحاردلو الكبير، وصولا لنهاية القرن العشرين، أوان فترة مصطفى سيد أحمد في الغناء، «عكفت لاري على فك إساري من فتينا خلسة، بترتيب جلسات استماع موسيقى لألحان تواردت من الهوى الأوسط ألفها موسيقار فونجاوي من نواحي ودسلفاب، يدعى مصطفى ولد ود مقبول». والزمن هنا أداة مراوغة لا تتقيد بترتيب الأحداث أو منطقيتها، ولكنه ينفلت في تمرد كامل لينقلك من لحظة زمنية إلى أخرى، قد يفصل بهما مئة عام، وربما أدى هذا لخلق نوع من التيه، أو فقدان التواصل مع النص لدى القارئ، ولكن هذه ليست منقصة في حد ذاتها، فتيار الوعي تستند فلسفته إلى التمرد على كافة القيود الزمكانية، والتأكيد على مناجاة النفس والمونولوج الداخلي، والذكريات المستدعاة، ما يجعل الزمن الداخلي أكثر أهمية في عملية الرصد للومضات الزمنية، والاستناد إليها في الإمساك بخيوط الرواية.
أتى إيقاع الزمن الداخلي مكثفا، مرتكزا على فترة الكولونيالية، والنضال ضد المستعمر، والمعارك المنسية من ذاكرة البلاد في سهول البطانة، ولكنه حمل إشارات بعيدة، ربما يمكن وضعها في إطار محاكمة للتاريخ المروي في ذاكرة الشعوب السودانية. عملية رصد الزمن الداخلي تعتبر أكثر تسامحا، فتنقل الذاكرة، والمونولوج الداخلي، تقيدها بالزمن ضعيف، وحرية الانتقال الزمني هنا، تعتبر سهلة الاستيعاب والرصد بواسطة القارئ. أتت المرأة في الرواية، قوية، مالكة لزمام أمرها، فالرضية فارسة لا يشق لها غبار، بنت أسطورتها بصولاتها وجولاتها في ساحات المعارك، وحنكتها في إدارة شؤون الحكم بالنيابة عن أبيها، وتحررها في علاقاتها الجنسية، وهو تحرر يخدم الاتجاه ذاته في أسطورة الرضية، المرأة القوية التي يخشاها الرجال، ويهابها الفرسان، ثم تأتي بنات فكي هرون الثلاث، كاقو وإن كانت حالمة، فقد غطت أعنابها البرية أكمة الجبال، وأعاليها، والسهول والبراري، فصنعوا منها نبيذا حلوا، وفتينا، التي درست علوم علاج الباطن من أبيها، فكي هرون وبزته فيه وتفوقت عليه، وعندما أحبت فتينا هاجو، قاتلت حتى النهاية من أجله، خلطت دمه بدمها، فغدا الاثنان واحدا، جسدان بالصفات والسمات ذاتها، «عرّت صدرها من جهة القلب ووخزت بالسكين. رأيت دمها يبرق إذ يستقبل ضوء القمر. قالت تنهنه:
ـ تعال. شم، شم. لا تخف.
قربت أنفي من صدرها وألصقته بدمها وكرفت بعمق. كانت رائحتي، أنا هاجو ود منصور العنجي، تفوح من دمها المتدفق. مسحت أنفي فجففته ثم ابتعدت عدة أذرع منها فألفيت رائحتي تنهمر فائحة، كما تفوح رائحة النحاس من أفعوان». ولم يقف الأمر عند هذا، بل امتد بها الأمر إلى أن تحوله إلى أنثى أو فتينا الأخرى حتى تستأثر به ولا تفقده، ونحن هنا ننظر إلى أنثى يمكن أن تغير ناموس الكون من أجل حبها، والذهاب في هذا الاتجاه حتى يبلغ غايته، ثم تأتي لاري أو ماريا، بطبولها وموسيقاها الخاصة وجنونها العبقري تتلبسها روح جدتها لنتنا، وتتلبس روح أختيها أيضا، فتداوي هاجو بالموسيقى والإيقاعات المختلفة، وتنجيه من سحر فتينا.
المرأة في الرواية، حرة طليقة، تملك زمام أمرها، وتتخذ قرارها، بعيدا عن سطوة الرجل، فهل في تلك المجتمعات الضاربة في القدم، كانت المرأة بهذه القوة؟ أم هو استدعاء لأرواح الكنداكات؟ أم هي أمنيات الحسن البكري لمآلات المجتمع السوداني في مقبل الأيام؟
نحن في رواية تتحدث فيها الحيوانات إلى البشر، «برمة تكون أول الواصلين فتلعق وجهي، وتنبح تخاطب فتينا: فتينا من فضلك. هذا كلب الرضية. عيب، لا يمكن أن تقترني برجل كلبة أخرى بدون إذن، عيب، عيب». وتتسافد الحيوانات في ما بينها رغم اختلاف طبيعتها، وفي ما بينها وبين البشر «ستنتشر أسطورة «الرضية والظليم» على طول البلاد وعرضها. تغوي الرضية الظليم فيواقعها وتبيض بيضتين. تفقس البيضتان فيخرج إلى الوجود طفلان حلوان، حلاوة إلهية».
تمت أسطرة الشخصيات في الرواية بشكل عام، فكل شخصية هي أسطورة، أو تحمل جينات أسطورتها لتفجرها في وقت ما، «تلبست الأرواح الرضية بنت حسين الطاهر منذ الطفولة. تستطيع الرضية أن تفعل ما تشاء، تسوق السحب أو تشتتها وتهب الآباء أطفالا إناثا أو ذكورا، حسب ما يقره قلبها. في سنة المذنب بهزائمها ومجاعاتها وأوبئتها، أنجبت النساء أطفالا بلا حصر. رأيناهم يموتون كالجراد، غارقين في روثهم وصديدهم. الرضية كانت تلعننا على مدار السنة، وتبشرنا بفجائع مقبلة متتالية». والأمثلة للأسطورة في الرواية يضيق المجال عن ذكرها، ومحاولة حصرها في دلالة معينة، سيضيق من مآلات القراءات المتعددة ومستوياتها، وإن كان فعل الأسطورة فعلا ممنهجا وليس محض براعة في السرد، وكأنه أتى مقابلا لذاكرة الشعوب السودانية التي أسقطت حركة النضال في سهول البطانة ومنطقة سنار وجبل موية، وسيتيت وغيرها من ربوع البلاد، مقابل الاحتفاء بحركة النضال الوطني الخرطومي، فكأن الحسن البكري يطلق صرخة مدوية، منبها الكل بأننا هنا، بحضارة ضاربة في العمق، وبدور لا يمكن تجاوزه في حركة النضال الوطني، كما أتى صوت اللوم بينا وواضحا في الرواية اتجاه النخبة السياسية السودانية «يتقدم فتى تاشري ليقرأ قائمة بأهم الأحداث التي وقعت أثناء حرب التحرير، ذاكرا تاريخ وقوعها بالدقيقة والساعة واليوم والسنة. يسرد قائمة بمئات الغزوات وعشرات المعارك. يحصر أسماء آلاف الشهداء والشهيدات. ينده أسماء عشرات الأبطال والبطلات. لكن لم يرد أي ذكر لمعارك بحر أبيض الطاحنة، ولا أي إشارة لحروب تحرير مزارع الموز المريرة. خصص الفتى كلمة أو كلمتين لحسين الطاهر، أما الرضية والملازم فلم يشر لهما على الإطلاق».
حازت الرواية جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي في دورتها الأولى
٭ روائي سوداني