يعتبر كتاب وائل فاروق الموسوم «تحليل رسائل الإخوان» من الكتب التي عنيت بتحليل خطاب الرسائل، وحاولت كشف العديد من الخبايا، وبدورنا سنطرح بعض القضايا المذكورة في هذا الكتاب .
انطلق وائل فاروق في هذا الكتاب بمدخل يخص نظرية المعرفة، وفيها ناقش دعوة صريحة مفادها أن الإنسان دائما في بحث مستمر عن الحقيقة، وقد تكون هذه الحقيقة، ما هي إلا إصلاح للوهم، كما أنه لا توجد حقيقة واحدة، وإنما هناك حقائق متعددة، ثم انتقل للبحث عن هوية كاتب هذه الرسائل المعنونة «برسائل إخوان الصفا» وهذا يدل على وعي منهجي في البحث عن أصول المعرفة، لكن سرعان ما يجد الباحث غياب مؤلف هذه الرسائل مفتعلا ليكون حضوره في النص قويا. إلا أن الباحث سيبرر لنا هذا الغياب باقتراحه مجموعة من الأسباب التي حالت دون ظهور المؤلف الحقيقي لهذه الرسائل، أولها الانشغال بالخطاب أكثر من الانشغال بالمؤلف، بمقتضى ما كان معهودا في ذلك العصر، التأليف باستعمال أسماء مستعارة، والسبب الثاني يعود إلى أن الإخوان يؤمنون بضرورة اختفاء المؤلف لتحقيق الموضوعية في رسائلهم. لكن السؤال يبقى مطروحا، لماذا لجأ الإخوان إلى المراوغة الخطابية في رسائلهم وكيف تحققت هذه المراوغة في نصوصهم؟
قبل الخوض في الإجابة عن هذا يمكن أن نشير إلى أن وائل حاول كشف الغموض عن بعض القضايا مثل، لماذا تم تجنيس «كتاب رسائل إخوان الصفا» ضمن جنس الرسالة، وفي هذا الصدد يجيب الكاتب في تحليله، أن جنس الرسالة يحقق بدوره نوعا من الغياب والحضور ليمنح الرسالة استقلالية، كما أن هذا الجنس الخطابي قابل للتداخل مع أجناس أخرى (الشعر، الخطب، النثر). لذا كان اختيار الإخوان لهذا الجنس الأدبي على اعتبار أنه لا يتوفر على خصائص مميزة للمؤلف، ولا يهدد من استقلالية النص، إضافة إلى أن الباحث أثار قضية أخرى، وهي علاقة الشفاهية بالكتابية، وتطرق إليها بشكل مفصل، خاصة عندما طرح مسألة تأخر الثقافة العربية في إنتاج ثقافة كتابية، ومرد ذلك إلى أن ما كان سائدا هو الثقافة الشفهية القائمة على الحفظ والسماع، وتقديس كل ما هو شفهي. والنهي عن الكتابة لغياب مصداقيتها في الثقافة العربية لتأخذ بذلك الكتابة مظهر صنعة أو مهنة في المجتمع. هذه كلها دلائل على تأخر الثقافة العربية في ترسيخ الكتابة، كما أن الباحث يميز بين مفهومي الكتابة والكتابية.
فالكتابة في نظره هي رسم خطي للحروف والكلمات، أما الكتابية فأعمق من هذا المعنى فهي عبارة عن وعي يتشكل وفق الآراء ومواقف لها معنى. فمن خلال جدل ما هو شفهي، وما هو كتابي سيخلص الباحث إلى أن رسائل الإخوان لا تخلو من تداخل الشفهي بالكتابي.
الكتابة في نظره هي رسم خطي للحروف والكلمات، أما الكتابية فأعمق من هذا المعنى فهي عبارة عن وعي يتشكل وفق الآراء ومواقف لها معنى.
فالثقافة الشفهية في رسائل الإخوان بدت للباحث من خلال تحليله بعض النماذج النصية من جوانب عدة، سماها القوالب الجاهزة، وعبّر فيها عن أن الثقافة الشفهية ثقافة منمطة في قالب من الصور والأقوال، كادت أن تكون أشبه بقانون لا يتم التوصل إلا في خضمه، ويتشكل في نموذج الرسالة من صيغ الدعاء والترهيب، والانتقال إلى مواضيع أخرى باستطراد وتكرار، والترادف والاستشهاد بالقرآن أو الحديث أو الشعر والأمثال..
أما الكتابية فظهرت من خلال طرح قضايا تعبر عن وعي فكري معين. وفي هذا السياق استشهد الباحث بقول طه حسين «إن الإخوان يريدون قلب النظام السياسي المسيطر على العالم الإسلامي، وهم يتوسلون إلى ذلك بقلب النظام العقلي المسيطر على حياة المسلمين، فإقامة فلسفة جديرة تستطيع أن تستبد فوق دعائم جديدة الحياة العقلية والحياة العلمية للأفراد والمجتمع والحياة العملية». فمن خلال هذا القول يتضح ظهور الكتابية عند الإخوان، الذي يعبر بدوره عن مراوغة سياسية تتمثل في حضور النص وغياب المؤلف، وتجسدت في التأويل بالحكاية، التي صنفها وائل ضمن الحكاية التمثيلية، فهي تحاكي موقفا يرتبط بالعالم والإنسان والتجربة اليومية، وبالتالي فهو تحول إلى دلالة هذه الحكاية وتصاغ في مقولة جديدة تمثل وجهة نظر مؤلف الرسائل. كما نجد أن هذه المراوغة السياسية حاضرة خطابيا في استعمال البناء السردي في حكاية الحيوان، فالسرد هنا لعب دور القالب التعليمي مع توظيف المثل والأمثولة، وفيها حاول الإخوان أن يتحدثوا بلسان الحيوانات، لتقصد الأمثولة بأسلوبها المراوغ في الخطاب الحيواني معنيان الأول سطحي وظاهر، والآخر باطني متخف. وهذا يجعل خطاب الأمثولة له مقصدية معلنة من مؤلفها، لذلك فهي تكون مصحوبة بسطور إرشادية من مؤلفها توجه القارئ.
إن الأمثولة حسب وائل، ما هي إلا خطاب يتسم بأسلوب حجب المعنى وكشفه في الآن نفسه، وذلك راجع إلى المستوى السطحي، يحجب المعنى المقصود، ويتم كشفه في ما بعد أي أنه يتم اختزال السر في أسلوب المراوغة بين المشار والمشار إليه، وبالتالي فالأمثولة تقول شيئا وتقصد شيئا آخر، لذا فالأمثولة تمثيل مجازي بامتياز. ومادام خطاب الرسالة عبارة عن النص فهو يوظف كل ما يتوفر عليه من أ جل توصيل رسالته السياسية أو الفكرية أو الأيديولوجية، لذا كان توسل بالحيوان في المثل بمثابة اللسان الحكيم، والأمثولة بدورها اعتمدت على الانتقال والغياب، وهذا تجسد في حضور الحيوان، فكان صوت الحيوان ضرورة لسماع الإنسان، ويصبح المثل الحيواني مرآة للإنسان يرى في نفسه من خلال المقابلة. لتتحول الحكاية بهذه الممارسة إلى ذلك الجرح والمتلقي عليه أن يخيطها لتلتئم طرفاه من خلال الفصل بين الواقع والمتخيل والحس والمعقول.
نخلص مما سبق أن رسائل الإخوان كتبت بأسلوب المراوغة الخطابية، وذلك نابع من وعي فكري، وذلك نابع من خوض الإخوان في ميادين عديدة، خاصة في المواضيع السياسية التي تحتاج مساحة كبيرة للتعبير بكل حرية، فهذه المراوغة كانت حلا أمام توغل خطابهم في معظم القضايا بشكل موضوعي ومستقل. وهذا ما وقف عليه وائل في تحليله لهذه الرسائل.
٭ كاتبة مغربية