المراوغ الشرعي والوحيد

حجم الخط
1

بالكاد أستطيع أن أمسك نفسي من الضحك في كل مرة أسمع كلاماً يصدر عن الاحتلال الإسرائيلي أو أحد رموزه على اختلاف مراتبهم، ليس لفطنتهم بل لحجم ‘الاستهبال السياسي’ الذي يمارسه هؤلاء على العالم بأسره.
فالفلسطينيون بالنسبة للمحتل مطالبون اليوم بمراعاة وضع نتنياهو داخل إئتلافه الذي يحتاج في كل مرة يقدم فيها شيئاً ما للفلسطينيين أن يقابله بالإعلان عن كارثة جديدة، كبناء المزيد من المستوطنات أو مصادرة المزيد من الأراضي، أو الإعلان عن ضم حلفاء الماضي إلى إئتلافه العنصري تماماً، كما يحصل اليوم مع بلدوزر التطرف والعنصرية في إسرائيل افيغدور ليبرمان.
الفلسطينيون مطالبون أيضاً بالقبول باختراع شارون وأولمرت، المعروف بيهودية الدولة لاعتبارات ‘إنسانية ومعنوية وفعلية’، حسبما يراها الاحتلال، والتنازل عن حق العودة كونه يهدد بقاء إسرائيل، كما أن على الفلسطينيين أن ينسوا القدس، كونها ‘العاصمة الأبدية’ للاحتلال، وأن يقبلوا بمبدأ تبادل الأراضي والتنازل عن حدود الرابع من حزيران/يونيو وبقاء المستوطنات.
مطلوب من الفلسطينيين أيضاً أن يقتنعوا بحاجة إسرائيل لمصادرة الغور الفلسطيني، لإقامة قواعد عسكرية لحماية أمنها وحدودها. اما قضية الأمن فحدث ولا حرج.
الطريف هو ‘الاستهبال’ الذي يواجهه العالم’من ماكنة التسويق السياسي الإسرائيلية، التي تقول، وفي حال استنكاف الفلسطينيين عن المفاوضات، بأنهم لا يريدون السلام كونهم يرفضون المفاوضات، وإن هم عادوا توالت التصريحات وآخرها من نتنياهو بأن الفلسطينيين يسعون لتأزيم المفاوضات، يا سبحان الله!
إذا الفلسطينيون مطالبون بأن يقولوا وداعاً لحق العودة والقدس وحدود الرابع من يونيو، ويقبلوا بالجدار والمستوطنات ويهودية الدولة وأمن المحتل’ومصادرة المياه وتبادل الأراضي، وأن ينكروا تاريخهم ومسيرتهم في مقابل أن يعيش المحتل سالماً آمناً.
أما المبادرة العربية فلا تشكل اغراءً كافياً لإسرائيل، والحديث عن اعتراف كامل العالم الإسلامي والعربي بها مقابل انسحابها إلى حدود الرابع من يونيو، ليس أمراً يعتد به، بل يأتي الرد في الميدان بإعلان الاحتلال عن المزيد من المشاريع التوسعية.
وأمام هذا وذاك يسعى الوسطاء لاستيعاب اللطمات وتعزية الذات ببعض الخطوات المتواضعة.
احتلال كهذا وبنفسية كهذه، إما أن يكون قد رسب في امتحان التاريخ أو نجح في امتحان المراوغة أو الأمرين معا، فهو وبجدارة في معادلة المسعى الأممي لإيجاد حلٍ للصراع العربي الإسرائيل،
بل المضحك أن البعض، وخشية من نقمات اللوبي اليهودي، ما زال يسّوق إسرائيل بصفتها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، من دون حتى التفكير بتعريف الديمقراطية الموازي للحرية، فأي حرية تلك التي يعيشها شعبٌ أسير؟ وأي ديمقراطية تلك التي تختطف إسرائيل باسمها شعباً كاملا؟
نعم ما يفصّل للاحتلال لا يفصّل لغيره فهو الذي يمتلك حق طي الحقائق ودحرها كما يشاء، وهو من امتلك ذات يوم الادعاء بأنه عنوان الديمقراطية وعاد ليمتلك حق الادعاء الدائم بأنه الضحية! لذا فإن هذه ‘الضحية المصطنعة’ هي المالك الشرعي والوحيد لحق المراوغة بحثاً عن عملية بلا سلام…

‘ كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية