القاهرة ـ ‘القدس العربي’ سيطر قرار محكمة الجنايات بالمنيا بإحالة أوراق خمسمئة وثمانية وعشرين من أعضاء الإخوان وغيرهم إلى المفتي، على الرأي العام وصحف أمس الثلاثاء 25 مارس/اذار، وذلك في ثاني جلسة لها في قضية أحداث قرية مطاي، عندما قام المئات من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية وغيرهم بمهاجمة مركز شرطة مطاي وإحراقه، وكذلك حرق مراكز وسيارات شرطة ومؤسسات عامة، بعد فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة وإصابة العقيد مصطفى العطار نائب مأمور مركز مطاي بطلق ناري.
وهنا لا بد من توضيح أن ما تم ليس حكما وإنما إرسال أوراق القضية إلى المفتي لإبداء الرأي الشرعي في إعدامهم، وهو يدرسها ثم يبين رأي الشرع، وبعدها يصدر حكم المحكمة. مع العلم أن رأي المفتي ليس ملزما لها، ولذلك حددت الثامن والعشرين من الشهر المقبل لإعلان الحكم بعد وصول رأي المفتي، وبعدها ستحدد المحكمة ما الذي ستحكم به، مع العلم ان الحكم لابد أن يكون بموافقة رئيس المحكمة وعضوي اليمين واليسار، فإذا اعترض واحد منهم لا يجوز الحكم بالإعدام، وحتى لو وافقت هيئة المحكمة بالكامل على الحكم فهناك مرحلة النقض. والعبرة هنا كما يقول القضاة ليست في الحكم، وإنما بمدى التزام المحكمة بقانون الإجراءات الجنائية. وأخبرني أحدهم أن المحكمة ربما تعمدت ترك ثغرات حتى يمكن النفاذ منها لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، لأن هدفها كان تحقيق الردع واستعادة هيبة القانون. وتعرض الحكم لانتقادات عديدة من المجلس القومي لحقوق الإنسان ومنظمات حقوقية أخرى مصرية ودولية، ومن حكومات أوروبية وأمريكية. ومن الضروري توضيح ان هذه ردود أفعال طبيعية ولا غرابة فيها، لأن احكاما صدرت من قبل في عهد الرئيس الأسبق مبارك ولقيت اعتراضات محلية ودولية.
كذلك اهتمت الصحف بمؤتمر القمة العربي في الكويت، ومواصلة الجيش والشرطة مطاردة الإرهابيين والقبض على المزيد منهم واغتيال أمين شرطة في العريش، وحملات أمنية مفاجئة على جميع الفنادق والشقق المفروشة في مدينة الشيخ زايد بمحافظة الجيزة، وضبط عدد من خلايا الإخوان وشارات رابعة وأجهزة كومبيوتر، وعلى عدد آخر من الخلايا في مدن أخرى. وجدد طلاب الإخوان في الجامعات مظاهرتهم مع استمرار تناقص الأعداد وصدور قرارات بالفصل من الجامعات لمن يشاركون في أعمال التخريب.
وقرار هيئة التحقيق المنتدبة من رئيس محكمة الاستئناف للتحقيق في المخالفات المالية بمؤسسة الأهرام بحبس حسن حمدي رئيس قسم الإعلانات السابق ورئيس النادي الأهلي خمسة عشر يوما على ذمة التحقيق وترحيله إلى سجن طرة .
ونشرت الصحف ايضا اصدار وزير السياحة هشام زعزوع قرارا بإلغاء ترخيص فندق هيلتون خليج الفرس وعدم قبول أي نزلاء آخرين بسبب وقوع محاولات اغتصاب سائحين بريطانيين وتحرشات أخرى. ومواصلة عمال وموظفي البريد في أكثر من محافظة الإضراب وكذلك الأطباء والصيادلة بسبب المطالب المالية.
والى بعض مما عندنا .
ذهب المر وجاء الأمر منه
ونبدأ بالمعارك والردود ويبدأها معنا يوم الأربعاء زميلنا في ‘الجمهورية’ ومدير عام تحريرها خفيف الظل محمد أبو كريشة، حيث واصل هجومه على المصريين بقوله عنهم: ‘يعيش الناس في مصر الآن بشعار بيت أبوك وقع خد لك منه قالب. المصريون الآن ورثة سفهاء مات أبوهم فراحوا يتعاركون على تركته وانشغلوا بعراكهم حتى عن دفنه وتقبل التعازي فيه، ولا أمل في الفصل بين الورثة السفهاء المتعاركين ولا أمل في الصلح لأنه لا يوجد كبير يمكن الاحتكام إليه ويؤتون في ناديهم المنكر ويفعلون الفاحشة ما سبقهم بها من أحد من العالمين… كرهنا كل ما تمنيناه عندما تحقق.
تمنينا الثورة وكرهناها لما تحققت.. تمنينا الديمقراطية وكرهناها.. تمنينا الحرية وقرفنا منها.. تمنينا تداول السلطة وكرهناه.. تمنينا الأفضل فكان الأسوأ، حتى قلنا ليت السيئ دام ليت المر دام، فقد زال وجاء الأمر منه. انهيار قيمي كامل وشامل، حتى المبدعون فيه لا يبدعون إلا حماقة، أساليب مبتكرة في الشر والانحطاط والدونية، هذه الخسة في كل شيء تخنقني. الخسة في الحوار والخسة في التدين والخسة في الجرائم الإرهابية والقتل والسرقة والاغتصاب، الخسة في فرض واقع حقير بالشوارع والطرقات، والحمقى لا يستحون ولا يخجلون ولديهم بجاحة ووقاحة مافيش كده ولا في المنام ‘.
الموقف الأمريكي من مصر وأوكرانيا
أما زميلنا بمجلة ‘الإذاعة والتلفزيون’ جرجس شكري المشرف على باب المسرح فقد كان في غاية الغيظ من الموقف الأمريكي مما حدث في مصر وأوكرانيا قال: ‘حين يخرج ملايين المصريين لعزل رئيس فشل هو وجماعته في الحكم، يصبح انقلابا على الشرعية، وحين ترتكب جماعة الإخوان المسلمين كل الجرائم في حق المصريين من قتل الجنود والأبرياء وحرق الكنائس وأقسام الشرطة لا تعتبر أمريكا وحكومة الرئيس أوباما أن هذه الأفعال ضد الشرعية، بل تعتبرها شرعية، وحين ينحاز أهالي شبه جزيرة القرم إلي روسيا الوطن الأم في استفتاء شعبي بنسبة 96.6 ‘ لصالح الانضمام لروسيا الاتحادية، ويخرجون إلى الشوارع للاحتفال أمام العالم كله، لا تعتبر أمريكا أن هذا التصويت شرعيا، ولم لا وقد اعتبرت حرق الكنائس وأقسام الشرطة وقتل الجنود شرعيا. أما فض اعتصام رابعة فهو من الكبائر’.
أوهام المصريين في ما سيقدمه الرئيس الجديد
ومن جرجس شكري إلى صاحبنا السلفي زين العابدين كامل وقوله في ‘الفتح’: ‘من المخاطر والمعوقات التي يواجهها الرئيس المنتظر أن فئات كثيرة من الشعب المصري ينظرون إليه كما ينظر الشيعة الاثنا عشرية إلى المهدي المنتظر، حيث يعتقد الشيعة أن محمد بن الحسن العسكري ‘المهدي المنتظر عندهم’ دخل السرداب منذ سنة 260 هـ وحتى الآن. وهناك من ينظر إليه وكأنه يملك عصا موسى عليه السلام، وأنه سيحل جميع المعضلات والمشاكل، بعد يوم واحد من فوزه بالرئاسة ينتعش الاقتصاد وترتفع قيمة الجنيه المصري، وستجتمع حوله التيارات السياسية بجميع أطيافها وألوانها، على قلب رجل واحد، وسيعيد هيكلة مؤسسات الدولة المختلفة كالقضاء والداخلية والإعلام، وسيقضي على البطالة ويحل مشاكل الكهرباء والمياه والصرف الصحي والقمامة ورغيف الخبز، وستزول بمجيئه الأمراض من بطون الشعب المصري، وستتسع الرقعة الزراعية وستشهد مصر حالة من الازدهار، وسنشهد طفرة في المرتبات بعد عدة شهور، وسيبلغ كل مواطن في الدولة ما يتمناه، وستعود مصر إلى سيادتها وريادتها في المنطقة، وغير ذلك من الأحلام التي يأمل كل فرد في الدولة أن يراها على أرض الواقع. وهذا مستحيل بلا شك أن يتحقق في عدة أشهر وربما في عدة سنوات أيضا. وعندما سيتفاجأ هؤلاء بواقع غير الذي يريدونه ويحلمون به، ستكون آنذاك الصدمة الكـــــبرى، وسيسخطون على الرئيس فهؤلاء لا يحسنون قراءة المستقـــــبل والواقع، لذا أقول لابد من الواقعية بدلا من الأحلام الورديــــــة، هناك من سيقول إذن لماذا لم يصبر الشعب على الرئيس السابق الدكتور محمد مرسي ما دام الأمر كذلك؟! أقول لأن الدكتور مرسي نفسه وجماعته أيضا لم يقرأو الواقع قراءة جيدة، بل أوهموا الشعب بأن الأمــــور ستتغــــير فور فوز مرسي في الانتخابات الرئاسية، وصرحوا بأنهم يملكون مشروعا عملاقا ألا وهو مشروع النهضة المزعوم الذي ستتغير به الأحوال سريعا، فعـــــلق الشعب آماله على وعودهم ثم كانت المفاجأة بعد ذلك عندما اصطدم الجميع بالواقع، لذا أقول الرئيس القادم لا يملك عصا موسى عليه السلام ولا ينبغي أن يعتقد فيه البعض ما يعتقد الشيعة في المهدي المنتظر، وليس من المعقول أن نقع في الخطأ عدة مرات، بل وجب علينا أن نتعلم من أخطاء الماضي والله المستعان’ .
المطالبة بتطبيق قوانين
بريطانيا وأمريكا في المظاهرات
ونقرأ الان ما اقترحه يوم الأحد زميلنا في ‘الأخبار’ وإمام الساخرين احمد رجب بقوله في رائعته اليومية (نص كلمة): ‘أما من حديث في كل بيت إلا ويطالب الحكومة بفرض الأمن بالقوة كما في أمريكا وبريطانيا، حيث لا يجرؤ متظاهر على حمل سلاح أو زجاجة مولوتوف، وعندما أرادت الداخلية المصرية تطبيق قوانين بريطانيا وأمريكا في المظاهرات، تراجعت الحكومة في اليوم التالي خوفا من اتهامها بإهدار حقوق الإنسان، اكتفاء منها بإهدار حقوقنا نحن المصريين في الأمن والحياة تحركي يا حكومة وكفانا ضحايا وشهداء’ .
كل مرشح يحاول أن يقنع
الناخب بأنه شبيه عبد الناصر
ومن المعارك إلى عمليات المقارنة التي يجريها المصريون بين خالد الذكر والسيسي، وهو ما دفع المركز المصري لبحوث الرأي العام، المعروف اختصارا باسم (بصيرة) ويرأسه ماهر عثمان، إلى إجراء استقصاء حول ظاهرة عبد الناصر والسيسي والرؤساء السابقين، وكتب يوم الأحد مقالا في ‘الشروق’ عن نتيجة الاستقصاء قائلا: ‘قام المركز المصري لبحوث الرأي العام ‘بصيرة’ بطرح السؤال التالي: من وجهة نظرك من هو أفضل رئيس جمهورية حكم مصر؟ لأول مرة على المواطنين المصريين في منتصف شهر يونيو/حزيران 2013 وجاءت النتيجة على النحو التالي:
44 في المئة يرون جمال عبد الناصر أفضل رئيس. 39 في المئة يرون أن أنور السادات هو الأفضل. و9 في المئة يرون أن حسني مبارك هو الأفضل. و3 في المئة يرون أن محمد مرسي هو الأفضل. و1 في المئة اعتبروا محمد نجيب الأفضل، وتوزعت نسبة الأربعة في المئة الباقية على إجابات أخرى.
وربما من المفيد أن نشير إلى أن عينة الدراسة اقتصرت على المصريين الذين تجاوزا الثماني عشرة سنة. والنتيجة الثانية التي تلفت النظر إليها، التفاوت بين شعبية الرئيسين حسب النوع، فقد ارتفعت شعبية عبد الناصر بين الإناث، 47 في المئة، في حين لم تزد نسبة تأييد السادات عن 34 في المئة، في المقابل كان السادات هو التفضيل الأول للذكور. والنتيجة الثالثة هي التفاوت بين شعبية الرئيسين حسب الحالة التعليمية، ففي حين كان السادات هو التفضيل الأول للجامعيين 47 في المئة مقابل 37 في المئة لعبد الناصر، جاء عبد الناصر التفضيل الأول للذين لم يحصلوا على مؤهل متوسط 47 في المئة مقابل 34 في المئة للسادات، وتقاربت الكفتان بين أصحاب التعليم المتوسط ولم يكن التفاوت حسب المستوى الاقتصادي مفاجئا، حيث حصل السادات على المركز الأول بين أصحاب المستوى الاقتصادي الأعلى، بفارق احدى عشرة نقطة مئوية عن عبد الناصر، في حين حصد عبد الناصر شعبية طاغية بفارق خمس عشرة نقطة مئوية عن السادات بين أصحاب المستوى الاقتصادي المنخفض. وعندما تم توجيه السؤال مرة أخرى في فبراير/شباط 2014 تغيرت الاتجاهات لصالح جمال عبد الناصر، حيث اعتبر واحد وخمسون في المئة من المصريين أنه أفضل رئيس حكم مصر بزيادة سبعة في المئة عن النسبة التي حصل عليها في شهر يونيو 2013، وجاءت هذه النسبة خصما من النسبة التي حصل عليها أنور السادات الذي تراجع إلى اثنين وثلاثين في المئة، وبقيت النسب التي حصل عليها باقي الرؤساء السابقين من دون تغير، وقد لوحظ أن مصدر زيادة شعبية عبد الناصر جاء بالدرجة الأولى من سكان الريف ومن أصحاب التعليم المنخفض والدخل المنخفض وتثير هذه النتائج عدا من التساؤلات: بالنسبة للتفاوت في اتجاهات الطبقات الاجتماعية ليس من قبيل المفاجأة أن يأتي الانحياز لعبد الناصر من جانب الشرائح الاجتماعية، وهو ما تجلي في اتجاهات الشرائح الأكثر فقرا لاعتبار عبد الناصر أفضل رئيس حكم مصر في المقابل اعتبرت الشرائح المنتمية للمستوى الاقتصادي الأعلى أن السادات هو الأفضل….
ولكن يبقى السؤال الأهم ما دلالات ارتفاع شعبية عبد الناصر في الأشهر الأخيرة على انتخابات الرئاسة المقبلة؟ وهل تعكس مزاجا شعبيا قد يؤثر على نتائج الانتخابات؟ وهل يحاول كل مرشح بناء على هذه النتائج أن يقنع الناخب أنه شبيه عبد الناصر؟
أبلة فضيلة ولقاء عبد الناصر
هذا ما قاله ماهر عثمان عن نتيجة الاستفتاء والمدهش أنه بعد أربع وعشرين ساعة فقط، أي يوم الاثنين، صدرت جريدة ‘الصباح’ الأسبوعية المستقلة وفيها حديث على كامل صفحتها السادس عشرة مع الإذاعية الشهيرة فضيلة توفيق، التي اشتهرت باسم ابلة فضيلة، أجراه معها زميلنا طاهر شلبي، وفيه أكدت موقف النساء من خالد الذكر والسيسي إذ قالت عنهما: ‘جمال عبد الناصر بالنسبة لي حاجة كبيرة جدا إلى يومنا هذا، لا أنسى يوم ذهبت أنا ومجموعة من الزملاء للقائه ومصافحته، لحظتها قالت لي أختي محسنة توفيق لو أنت شاطرة بصي له في عينيه، ولا أخفي عليك لم استطع فعل ذلك، بل حينما قدمني له سكرتيره محمد أحمد مد يده إليّ وصافحني فنظرت إلى الأرض، بل والأكثر ان عينيّ قد دمعتا في هذا اللقاء السريع، الله يرحمه كان مشرفا برة، يكفي أنني كنت لما أكون في ايطاليا ألاقيهم يسألوني أنت مصرية ويقولولي ناصر. بحس أن المشير عبد الفتاح السيسي فيه منه كتير، خاصة الكاريزما وحب الناس وله شعبية، والراجل دة لو أعلن ترشحه سأنتخبه لأنه بيحب البلد، وأي حد بيحب البلد بجد أنا معاه الأكثر كذلك أن الأطفال يحبونه ويعتبرونه واحدا من أبطال الحواديت التي احكيها’.
بلد التسعين مليونا
وليس فيه شخصية تصلح للرئاسة
اييه .. اييه وهكذا ذكرتنا ابلة فضيلة بالذي كان يا ما كان في عهد خالد الذكر وسالف العصر والأوان، أما الآن فقد أبدى زميلنا في ‘الأهرام’ ماهر مقلد في اليوم نفسه الاثنين اسفه على مصر الآن بقوله: ‘مصر التي كان شعبها يترقب عبر تاريخه هذه اللحظة، ليقدم قائمة طويلة من الشخصيات الجديرة بالمنصب، وعندما حانت اللحظة وجد نفسه أمام خيارات محدودة وبدائل لأفراد منها ان شخصية رئيس مصر لها شروط ومواصفات وحتى الآن تنحصر التكهنات في طرح اسم المشير عبد الفتاح السيسي، ومنافسه السيد حمدين صباحي، كيف يتخيل عقل أن بلد التسعين مليونا لم تظهر به شخصيات بكاريزما الرئيس، وأن كل من يحوم حول فكرة الترشح من الآن بعيدا عن المشير وصباحي مجرد ضيوف في الحفل لم توجه أصلا لهم الدعوات، وربما هم ضيوف غير مرحب بهم، ظاهرة مقلقة على صحة المجتمع المصري وتثير التساؤلات عن الأسباب التي وضعت مصر في هذا الموقف’ .
تجربة عبد الناصر
افتقدت الديمقراطية
وأخيرا إلى التاريخ ونظام خالد الذكر، حيث نشرت ‘صوت الأمة’ حديثا مع المؤرخ والأستاذ بجامعة عين شمس الدكتور عادل غنيم، أجرته معه زميلتنا الجميلة سحر حسن عن كتابه الصادر عن الجمعية التاريخية بعنوان ‘جمال عبد الناصر وعصره’ والدكتور عادل من المؤمنين بعروبتهم ولم أقابله إلا مرة واحدة عندما دعاني طالب لحضور مناقشة رسالة دكتوراه له، وكان الدكتور عادل يرأس لجنة المناقشة، ولأن كتابي ‘عروبة مصر قبل عبد الناصر من 1942 1952’ الذي صدر في جزءين كان من المصادر المهمة التي اعتمد عليها الطالب. وعندما بدأ الدكتور عادل المناقشة سأل صاحب الرسالة لماذا لم يدع لحضورها فقال له: موجود يا فندم، فطلب الدكتور عادل أن أقف ففعلت وقطع المناقشة ليتكلم بطريقة اربكتني وخجلت وأنا الخجول بطبعي وقال لقد استفدنا منه كثيرا.. المهم أنه قال في الحديث: ‘تجربة الرئيس جمال عبد الناصر كان من الممكن أن تحقق نجاحا أكثر لو توفرت فيها سبل الديمقراطية الحقيقية، ولكن للأسف رغم انجازاته العظيمة وكونه زعيما من الطراز الأول، أقام ثورة اجتماعية وانجازات قومية ممثلة في الاستقلال الوطني وبناء السد العالي، إلا أن نظامه كان يفتقر للديمقراطية ويعتمد الحزب الواحد ابتداء من هيئة التحرير حتى الاتحاد القومي، ثم الاشتراكي، ثم الحزب السري الذي كان يحاول تكوينه قبل وفاته، وكان مهتما بالثقافة حريصا على نشرها بين الجماهير راعيا لشؤون السينما والمسرح والإذاعة والموسيقى، وعلى الرغم من نهوض الثقافة في عهد عبد الناصر إلا أنه سياسيا، كان يأخذ موقفا ضد كل من يعادي نظامه حتى لو كان من أصدقائه وقادته، ولذلك امتلأت السجون في عهده بالآلاف من الإخوان، وحدثت مضايقات للمعارضين لسياسته، ومنهم محمد نجيب وكمال الدين حسين وعبد اللطيف البغدادي، وهم أشاروا إلى ذلك في مذكراتهم، ولذلك على الرغم من كونه زعيما من طراز فريد إلا أنه لم يستطع تحقيق أحد أهداف الثورة الحقيقية وهي، الديمقراطية، مما كان سببا أساسيا لنكسة 1967. وأعتقد أن أزمة مارس/اذار 1954 كان لها تأثير في توجهات عبد الناصر نحو عدم ممارسته للديمقراطية في الحكم، ولم أقصد إطلاقا إساءة إلى الزعيم وما ذكرته بالكتاب توثيق للتاريخ وليس من باب العداء لعبد الناصر، فقد ذكرت سابقا أنه زعيم من طراز فريد وأكن له كل التقدير، ولكن التاريخ لا يمكن أن يجامل أحدا أو يبدد الحقائق. وعبد الناصر وخالد محيي الدين انضما للإخوان قبل الثورة، كان عبد الناصر يحاول أن يستكشف مواقف كل الأحزاب القائمة في ذلك الوقت، وكان نوعا من استقطاب جميع القوى السياسية الموجودة لمساندة الثورة التي قام بها، وبالفعل ساند الإخوان عبد الناصر في تلك الفترة، ومن ثم قام بحل جميع الأحزاب السياسية ما عدا الإخوان المسلمين، ولكنه بعد ذلك أدرك أن الإخوان يريدون التدخل في توجيه سياسة الحكم فقرر أن يتخلص مجلس قيادة الثورة من أي قيود حزبية بحل الإخوان فاصطدموا معه’ .
سبل الخروج
من مجتمع مريض
وننتقل الان الى ‘الشروق’ عدد امس الثلاثاء ومقال الكاتب عمرو حمزواي عن المجتمع المريض وسبل الخروج مها يقول:’ هو عنوان كتاب شهير لايريش فروم (عالم اجتماع ودارس للتحليل النفسى وممارس له، عاش بين ألمانيا والولايات المتحدة والمكسيك وسويسرا، 1900ـ1980) يتناول به معاناة الإنسان في المجتمع الحديث التي يراها ناتجة عن استغلاله الاقتصادي والاجتماعي المستمر من قبل المصالح الكبرى، وعن القمع المباشر وغير المباشر لحرياته المدنية والسياسية، وعن اغترابه عن ذاته وعن المحيطين به بفعل سيطرة السلطة على حياته اليومية وتوجيهها المباشر وغير المباشر لتصرفاته…
دعونا، أولا، نعترف بأن مجتمعنا مريض وأن الإنسان في مصر يعاني بسبب 1) شبكة استغلال اقتصادي واجتماعي طاغية تتداخل مصالحها الكبرى مع المصالح الكبرى الحاضرة في الحياة السياسية (الرباط العضوي بين المصالح الاقتصادية والمالية وبين مؤسسات الدولة القوية والنافذين بها، 2) القمع المباشر وغير المباشر للحريات المدنية والسياسية والقيود المفروضة على وجود المواطن في المساحة العامة، إن باسم القانون أو بقوة الأمر الواقع، الذي لم يغير به حراك السنوات الماضية شيئا يذكر، 3) اغتراب الإنسان عن الذات وعن المحيطين به بفعل سيطرة السلطة على حياتنا واستتباعها لنا عبر مقايضة الخبر بالحرية أو مقايضة الأمن بالحرية وبفعل الاستغلال في المساحة الخاصة (مساحة العلاقات الشخصية والأسرية) الذي ينتهك كرامة المرأة وحقوقها وحريتها ويتغول على الضعفاء والفقراء وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.
دعونا، ثانيا، نعترف بأن علاج المجتمع المريض واستعادة التماسك النفسي للإنسان لن ينجحا إذا واصلنا اختزال الأمر في السياسة وفي الصراع على الحكم والسلطة، وبالقطع إذا تمادينا في تجاهل شبكات الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي المتحالفة عضويا مع الحكام. فالمجتمع المريض، وكما يسجل فروم، يسهل تزييف وعيه الجماعي ودفعه إلى تأييد الفاشية التي تقايض الخبر والأمن بالحرية أو الدفاع باستماتة عن بقاء رأسمالية متوحشة تستتبعه إلى حد القضاء على كرامته واستقلاليته. والإنسان المريض يتماهى مع الديكتاتور أو النخبة الفاشية أو المصالح الاقتصادية والمالية الكبرى وهم جميعا يقمعونه يوميا وهو يغترب بلا فكاك عن ذاته والمحيطين به ويتحول إلى رهينة لممارسة العنف والقتل والفوضى والانتحار الفردي والجماعي. ليست، إذن، بدايات العلاج والتغيير الإيجابي في السياسة ولا في صراعاتها، وليست أيضا في حروب المواقع والمواقف في المساحة العامة وفي تنازعات المدافعين عن المصالح الخاصة وأصوات المبادئ والصالح العام. فالتاريخ الإنساني، قديما وحديثا، يدلل بوضوح على أن صراعات السياسة وحروب المواقع والمواقف يحسمها دوما الأقوياء وتنتصر بها النخب والمجموعات التي تمارس الاستغلال والقمع والسيطرة، من دون عظيم تفكير في الصالح العام أو في المبادئ والقيم العليا، بل البداية الحقيقية الممكنة في تمكين الإنسان من الخروج من شبكات الاستغلال والقمع والسيطرة عبر نشاط اقتصادي واجتماعي وفكري وثقافي وتنموي يهدف إلى تحرير جسد وعقل وعمل الإنسان وينطلق من بيئته المحلية المباشرة قبل أن يبحث عن موطئ قدم في المساحة العامة بسياستها وصراعاتها وحروبها’.
الداخلية تتحمل الوزر
كله في ظل موت السياسة
اما زميله عمرو خفاجي فكتب لنا في العدد نفسه مقالا عن وزارة الداخلية وموقفها من حماية مباريات كرة القدم قال فيه:’ لم يلتفت كثيرون لما جرى في قصة موافقة وزارة الداخلية على عدم تأمين مباريات كرة القدم، وترك تلك المهمة لشركات أمن خاصة، أو شركات أمن جديدة تكون هذه مهمتها ووظيفتها، ربما فقط كانت هناك تعليقات عابرة عاجلة بعد تسرب أخبار موافقة الداخلية تصف الأمر بالمفاجأة، على اعتبار أن ذلك لم يكن ممكنا، خصوصا بعد سجال طويل بين الطرفين نشأ قبل ما يقرب من سبعة أعوام مع ظهور جماعات الأولتراس في المجال الكروي المصري، وهو سجال مليء بالعنف والدم، سواء قبل الثورة أو أثناءها، أو بعد خفوت جذوة اشتعالها، وكانت الذروة بالطبع في أحداث مأساة استاد بورسعيد.
الاجتماع كما علمت من مصادر حضرته وشاركت في صياغة الاتفاق، جاء بدعوة من جهات سيادية، ورتب له قيادي من قمة المجتمع المدني، وشارك فيه محام معروف بطيب علاقته بجماعات الأولتراس، وقيادات من وزارة الداخلية، ووفقا للمصدر، فإن الداخلية هي التي أبدت رغبتها في الابتعاد عن المواجهات مع شباب هذه الجماعات، ولا ترى فائدة في المزيد منها، خصوصا أن كرة القدم أيا كانت أهميتها فهي نشاط رياضي في نهاية الأمر، فى حين أن رغبة هؤلاء الشباب، وفقا لما نقله المحامى، هي الوجود على المدرجات، وكان المحامي حريصا في الوقت ذاته على أن يشير إلى أنه لا يتحدث باسم هذه الجماعات، فهم لهم أصواتهم وقاداتهم، وقادرون على التعبير عما يريدون. الداخلية بما فعلته وأعلنته من مواقف، ألقت بالكرة في ملعب الأولتراس، الذين تطوع بعضهم بالإعلان عن قدرتهم على حماية الملاعب، وأنهم لا يرغبون في مشاهدة الداخلية داخل المدرجات، يرغبون في الاستمتاع بفرقهم وجنونهم، بعيدا عمن يعكرون صفو هذه المتعة، كما يعتقدون، المدهش في القصة كله، اختفاء الجهة المنظمة للمباريات (اتحاد كرة القدم) وقادة الأندية، وكأن القصة شخصية بين الداخلية وهؤلاء الشباب، وهذا ما لا يطمئن في الاتفاق المبدئي الذي وافقت عليه الجهات الأمنية المعنية بالأمر أصلا.
أما الجيد في هذه القصة، فأنه من الواضح أن هناك من في الحكم أدرك أخيرا خطورة وجود الأمن في الخطوط الأولى لجميع اشتباكات المجتمع، فالداخلية لا تقف فقط في خط المواجهة في كرة القدم، فهناك أيضا من يناديها للعودة للجامعة، وللأنشطة الطلابية، ولمؤتمرات المجتمع المدني، ولمراقبة الحياة الحزبية، وللوقوف في الشارع والمسجد وفض الإضراب، ولتأمين المصنع، وهذا تحديدا ما ترسخ في عهد مبارك، حيث حملت الداخلية الوزر كله في ظل موت السياسة، وكانت تقف في خطوط المواجهة الأولى في أي شيء وضد كل شيء، فحدث ما حدث في يناير/كانون الثاني 2011 وما تلاه.
أعتقد أن الفرصة سانحة الآن لتتحمل الداخلية، فقط، ما يجب أن تتحمله من أعباء أمنية، على أن تترك جميع شؤون القضايا التؤ يجب حلها بالسياسة للساسة وأولِؤ الأمر، ولا أشك مطلقا أن ذلك سيلقى ترحيب الوزارة ومنتسبيها، ربما من سيعترض هؤلاء الذين ينتقدون الداخلية طوال الوقت لتدخلها في ما لا يعنيها، لأنهم لا يقدرون حقا على ممارسة أي مهام سوى الكلام والاعتراض، فعند الجد سيعودون للمطالبة بتدخل الأمن مجددا، نعم هناك مشكلة عند الداخلية، لكن يجب الاعتراف أيضا بأن الكيانات الأخرى لديها مشكلة وها هي الداخلية قدمت (السبت) فماذا هم فاعلون؟’.