إن شبه الحزيرة الكورية الآن في واحدة من أشد درجات غليانها. في 12 شباط/فبراير 2013، وبعد سلسلة تنديدات وتضارب كلامي بين كوريا الشمالية والمجتمع الدولي، أعلنت بيونغ يانغ أنها أجرت تجربة ذرية ثالثة. وبعد ذلك بنحو ثلاثة اسابيع ونصف الاسبوع أقر مجلس الامن سلسلة عقوبات جديدة عليها، وبعد ذلك بأقل من اسبوع بدأت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية تدريبا عسكريا مشتركا، ولم تقعد كوريا الشمالية في سكون بل اتهمت الولايات المتحدة بهجوم سايبر عليها وأعلنت أنها ستستعمل اذا اقتضت الحاجة قدراتها الذرية للدفاع عن نفسها. وأرسلت الولايات المتحدة ردا على ذلك قاذفات استراتيجية وطائرات شبح الى هذه المنطقة، أما كوريا الشمالية فقطعت الخط الساخن بينها وبين كوريا الجنوبية الذي كان مخصصا لهذه الاوضاع بالضبط. وبعد ذلك بثلاثة ايام أعلنت وضع حرب بينها وبين الجنوب (بالرغم من ان هذا هو الوضع بينهما رسميا منذ أكثر من ستة عقود). ولم يقف التصعيد عند ذلك ففي مطلع نيسان/ابريل أعلنت كوريا الشمالية تجديد نشاط المفاعل الذري في يونغ بيون ومنشآت اليورانيوم، وبعد ذلك فورا أعلنت أنها ستجري اطلاقا تجريبيا لصواريخ بالستية ومن اجل ان تثبت كوريا الشمالية نياتها أعلنت أنها لا تستطيع ان تضمن سلامة الدبلوماسيين الاجانب الذين يمكثون فيها. وعند نقطة الذروة هذه خطت بيونغ يانغ وواشنطن معا خطوات كانت ترمي الى تسكين الوضع شيئا ما، كاعلان الولايات المتحدة تعليق تجربة صاروخ بالستي عابر للقارات. لكن الخوف من اشتعال الوضع وإن يكن ذلك على غير عمد، ما زال كبيرا. تتعلق هذه الازمة قبل كل شيء بالنظام الاقليمي في شمال شرق آسيا. وتضرب جذورها في الصراع الطويل بين الكوريتين وأحلافهما الرسمية وغير الرسمية مع دول المنطقة (والولايات المتحدة). وستؤثر نتائجها أكثر من كل شيء في سكان المنطقة، وفي اقتصاد الدول المشاركة وفي نظام القوى الاقليمي. ومع ذلك وبازاء القضايا التي في مركز المواجهة وقوة القوات المشاركة ستكون تأثيرات الازمة أوسع كثيرا. إن العامل المباشر في الازمة هو صراع بقاء النظام الاستبدادي في كوريا الشمالية الذي يستعمل تحرشات مبالغا فيها كي ينشئ قناة محادثة مباشرة بينه وبين الولايات المتحدة وليحصل منها على مساعدة كبيرة. وهو في مقابل ذلك يقوم بلعبة دبلوماسية محكمة مع راعيته في ظاهر الامر الصين، يعتمد فيها على دعمها الاقتصادي وتأييدها الدبلوماسي من غير ان يُشركها في قراراته. وهو يستعمل من اجل ذلك تكتيك السير حتى النهاية مع استعمال قدرته الذرية المحدودة ويستغل خوف الصين من تعزيز مكانة الولايات المتحدة في المنطقة واشتعال حرب في شبه الجزيرة الكورية. وبازاء مكانة كوريا الشمالية باعتبارها حليفة ودولة مرعية تقليدية ورأس حربة في مواجهة القوات الامريكية في كوريا الجنوبية واليابان، فان بقاءها ذو أهمية استراتيجية للصين. ويتوقع ألا يعزز انهيارها فقط مكانة الولايات المتحدة في المنطقة وربما إشراك الصين في حرب غير معنية بها بل يتوقع ايضا ان يُغرق الولايات الشمالية الشرقية منها بطوفان لاجئين يلقون عبئا آخر على اقتصادها. إن الدور المركزي الذي تلعبه الصين والولايات المتحدة في الازمة واستعمال وسائل ذرية وصواريخ بالستية ضمنا أو صراحة فيها هو الذي يعطي الازمة معاني عالمية ويتطلب انتباه دول من خارج المنطقة. فأولا وبسبب مكانة الصين باعتبارها قوة عالمية صاعدة والمنافسة الاستراتيجية بينها وبين الولايات المتحدة فان كل مواجهة أو ازمة تؤديان فيهما دورا مركزيا تصبح من تلقاء نفسها قضية عالمية. وثانيا، بسبب سعي الصين الى منزلة قوة متقدمة في المجتمع الدولي ومشاركتها في قضايا عالمية متعددة، فان صورة سلوكها في هذه الازمة قد تدل على سلوكها في اوضاع ذات صلة اخرى. وفيما يتعلق بقضية الصواريخ والذرة، ولأنه تشارك في الازمة الكورية ثلاثة من الاعضاء الخمس الدائمات في مجلس الامن (الولايات المتحدة والصين وروسيا)، فان مواجهة بيونغ يانغ للاخلال بالقواعد والعقوبات الدولية من المؤكد أنها قد تدل على ما هو متوقع في حالات اخرى ستحدث فيها اخلالات مشابهة وأولها في ايران. ما الذي يمكن أن نتعلمه الى الآن من الازمة؟ إن التطور الأهم هو رد الصين التي لا تعطي كوريا الشمالية الدعم والحماية اللذين أعطتهما لها في الماضي مع اخلال احيانا بتفاهمات وقرارات دولية كانت موقعة عليها. وكان التعبير عن ذلك اعلان التنديد الضمني الذي صدر عن رئيس الصين في السابع من نيسان يندد فيه ببيونغ يانغ حيث ورد بصورة ضمنية انها تُعرض للخطر استقرار المنطقة والعالم عن بواعث أنانية. وقبل ذلك دعت جهات رسمية صينية جميع الأطراف الى الامتناع عن تحرشات قرب الصين وهذه اشارة اخرى الى كوريا الشمالية؛ وفي رد على دعوة بيونغ يانغ الى اخراج دبلوماسيين اجانب منها ألقت بجين المسؤولية عن مندوبيها عليها. إن أحد اسباب التحول في سياسة الصين بلا شك صعوبة الموافقة على سياسة حاكم كوريا الشمالية كيم جونغ أون التحرشية، بسبب جهودها للظهور بمظهر قوة من القوى السوّية. وينبغي ان نضيف الى ذلك نشوء قيادة صينية جديدة تسعى الى جانب تثبيت منزلة الصين الدولية الى إقرار العلاقات بالولايات المتحدة وتحتاج على كل حال الى محيط اقليمي مستقر كي تواجه التحديات الضخمة في الداخل. والى ذلك فان القيادة الجديدة بخلاف القيادة السابقة فيها من المسؤولين الكبار عدد أكبر خدموا في الماضي رؤساء محافظات محاذية لكوريا الشمالية وهم لذلك ذوو اطلاع على القضية، وهذا الامر يُمكّن الصين من ان تزن وزنا عميقا في أعلى المستويات تحولات في سياستها التقليدية بازاء كوريا الشمالية. ومع ذلك فان السبب الرئيس لرد الصين هو الضرر الذي تسببه سياسة كوريا الشمالية. وبسبب العلاقة الوثيقة بين الاثنتين والمساعدة الكبيرة التي تعطيها بجين لبيونغ يانغ، تُرى التحرشات الكورية الشمالية اهانة وإنكار جميل لأن الصين تضطر الى مواجهة تهم دولية مكررة بأنها تؤيد نظاما عاصيا وخطرا ولا تفعل ما يكفي لكبح جماحه. وسواء كان الامر ينبع من عدم رغبة أو من عدم قدرة من جهتها فان الامر يعرضها بصورة سلبية. والى ذلك تجعلها هذه التحرشات في وضع استراتيجي خطير لأنه اذا خرجت الازمة عن السيطرة واشتعلت شبه الجزيرة الكورية فستصاب بجزء كبير من الضرر. واذا سوّيت الازمة آخر الامر فسيسبب ذلك لها ضررا كبيرا مع كل ذلك لأن تهديد كوريا الشمالية باطلاق صواريخ يحث الولايات المتحدة على زيادة منظومتها العسكرية في المنطقة ويشمل ذلك نصب منظومات حماية من الصواريخ يفترض الصينيون أنها موجهة عليهم خاصة، وسيضعف ذلك قدرتها على المداورة الاستراتيجية في المنطقة ويحد من تحقيق طموحاتها الى الفوز بهيمنة اقليمية. وهذه الازمة من وجهة نظر الولايات المتحدة تعزيز لتقديرها الاستراتيجي ان المركز الاستراتيجي في العالم قد تحرك نحو الشرق. وليست مواجهة الازمة وحدها هي التي أوجبت عليها ان تزيد قواتها في المنطقة لكن يمكن ان نُقدر ان التسلح الاقليمي الذي يزداد أصلا سيقوى أكثر. وحينما يكون الحديث عن كوريا الشمالية فينبغي ألا نرفض ايضا احتمال ان يكون الامر مصحوبا بتسرب تقنيات صواريخ وتقنيات ذرية الى نظم حكم عاصية اخرى في العالم. ويتوقع ان تزيد هذه الامور أكثر اهتمام الولايات المتحدة بهذا الجزء من العالم وهذا نهج أعلنته ادارة اوباما في الولاية الاولى ويتوقع ان يكون ذلك على حساب مناطق اخرى. لا شك في ان الشرق الاوسط من المناطق التي ستتأثر بذلك لا بسبب انصراف الاهتمام الامريكي نحو الشرق فقط بل بسبب ان صورة علاج المجتمع الدولي للازمة قد تؤثر في حراك الازمة الايرانية ايضا. وكما ان الازمة الكورية الشمالية هي امتحان للقيادة الصينية الجديدة فان هذا الامر ايضا امتحان لوزيري الدفاع والخارجية الامريكيين اللذين عُينا في منصبيهما منذ وقت قريب وستكون صورة علاجهما لها اشارة واضحة الى ايران وسائر الدول المشاركة تُبين توجه الولايات المتحدة في هذا المجال وحدود صبرها.