الرباط ـ ‘القدس العربي’: تشكل الحالة الدينية بالمغرب، اسوة بالدول العربية والاسلامية اخرى، محور اهتمام وبحث ليس فقط السياسات الدولية بل ايضا مراكز الابحاث والدراسات بعد ان باتت ظاهرة اجتماعية.
وفي هذا الاطار قدم المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة تقريرا جديدا عن الحالة الدينية بالمغرب، تضمن خلاصات اعتبرها عدد من الباحثين مهمة راصدا عدة تحديات داخلية وخارجية تفرض نفسها أمام التدين بالمجتمع المغربي، وهي تحديات أخلاقية وقيمية وتحديات أسرية وأخرى مرتبطة بفئة الطفولة، وما تعانيه من استغلال جنسي مقيت، وتحديات لغوية وتعليمية ومذهبية وعقدية وأخرى مرتبطة بالتطبيع.
وقال مصطفى الخلفي، المدير العلمي للمركز أن التقرير في نسخته الثانية يحاول أن يجيب عن سؤال ‘كيف ننظر إلى التدين بالمغرب؟’، من خلال أربعة محاور أساسية وهي التدين وعلاقته بالعقائد والمعارف الدينية وعلاقته بالعبادات والأخلاق، فضلا عن آثار الدين على الحياة العامة للناس.
وأبرز الخلفي أن التقرير الذي سيتم إصداره قريبا، لم يقدم رؤية حالمة حول الحالة الدينية بالمغرب، بقدر ما يرصد التطور الذي يعرفه هذا المجال، معتبرا أن مؤشر التدين بالمغرب يتضح من خلال أربعة مسارات، وهي المسار المجتمعي والمسار المؤسساتي ومسار الفاعلين الدينيين غير الرسميين، ومدى تفاعلهم مع المؤسسات الدينية الرسمية ومسار آخر دولي مرتبط بالتفاعلات الدينية الدولية، موضحا أنه من أجل فهم الظاهرة اعتمد معدو التقرير على مؤشرات كمية وكيفية.
وقال ان الخلفيات المنهجية والنظرية والميدانية التي تحكمت في إعداد التقرير مبررا التركيز على الدراسات الأنكلوساكسونية لأن ذلك يأتي في سياق المقارنة بين المغرب والدول الأوربية، مؤكدا أن الاشتغال العلمي في المجال الديني يعيش ازدهارا. وأكد الخلفي أن المركز امتنع عن التفسيرات النهائية والتأويلات الإستشرافية لأن الظاهرة متعددة ومعقدة، وتأسف في سياق حديثه عن المراكز البحيثية عن عدم وجود مركز جامعي في هذا المجال معتبرا أن الفاعلين الدينيين غير الرسميين ما يزالون يبحثون عن أشكال التكيف والتفاعل مع التحولات التي عرفها المغرب.
وقال أن هذا التقرير يعد خطوة أولى في أفق الانتقال من الكمي إلى الكيفي من خلال تحديث المقاربة وتدقيق المنهجية وأنه رغم توافر العديد من المؤشرات في التقرير (معطيات أرقام إحصائيات…) فإن هذا المعطى يشكل تحديا قائما في المستقبل مشددا على أهمية ربط السياسات العمومية ذات الأثر على الحياة الدينية بمجالات البحث العلمي.
وأكد عبد الله ساعف، رئيس مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، أن في التقرير خلاصات قوية بشأن الحالة الدينية في المغرب، ويعد في نسخته الأولى والحالية مرجعا في مغربٍ انعدمت فيه تقارير من هذا النوع، في الوقت الذي ‘كنا عندما يعتزم دراسة الحالة الدينية في المغرب نلجأ إلى ما أنجزته الدراسات الغربية’. وأبرز عبد الرحيم العطري الأستاذ الباحث في قضايا علم الاجتماع بجامعة القنيطرة، أن التقرير جاء في ظرف حساس جدا يتميز بالصراع على أنماط التدين في المغرب، وقال أن حاجة المغاربة كبيرة لمثل هذه التقارير، لانه أهدى هدية كبيرة للباحث في الشأن الديني كونه سيثير الكثير من الأسئلة المقلقة التي ستفتح مجالات أرحب للبحث في القضايا الدينية بالمغرب. واعتمد التقرير في منهجه على خمسة محاور أساسية متعلقة بالواقع الديني وتجليات التدين والناشطين الدينيين في المغرب وتحديات التدين وتفاعلات الديني بالحقلين الاقتصادي والثقافي، ومحور خاص باليهود المغاربة منطلقا من أن التدين مكون من أربع مكونات هي العقدي والمعرفي والأخلاقي ثم أثره في المجتمع، والممارسة.
ورصد لتقرير التوجهات الدينية الكبرى للمغربيين، بغية إعطاء صورة أولية لحركية تلك التوجهات، مستثمرا التطور الحاصل في البحث الاجتماعي في هذا المجال الديني.
وأفاد بأن سنتي 2009 و2010، تميزتا بإنتاج عدد من الدراسات الميدانية الكمية حول موضوع التدين والهوية والقيم، ‘بشكل يسمح بالاستمرار في مراكمة المؤشرات الرقمية حول تطور الممارسات والتمثلات الاجتماعية حول الدين والتدين عند المغاربة خلال السنوات الأخيرة’. وحسب دراسة حول الشباب والتدين أنجزها المركز، فقد وصل عدد الشباب المغربيين الذين يؤدون صلاتهم بانتظام إلى 47 بالمائة، ويظهر من خلال النتائج تفوق الإناث على مستوى أداء شعيرة الصلاة حيث وصلت إلى حوالي 59 بالمائة، في حين وصلت بالنسبة للذكور إلى 36 بالمائة، كما يعتبر إمام المسجد المصدر الرئيسي للمعرفة الدينية عند الشباب بنسبة 40 في المائة، تليه الأسرة بنسبة 23 بالمائة. وتناول التقرير بغية رصد تجليات هذا التوجه الديني، مؤشر الخاص بالمساجد، بحيث تمثل حركة بناء المساجد والإقبال عليها أحد التجليات الأبرز للتدين المغربي، إن كان على مستوى إسهام المحسنين في بنائها أو الإقبال عليها وتنامي الإهتمام العام للمساجد. ويوجد في المغرب حسب موقع هسبريس حوالي 497000 مسجدا، منها 18300 مسجدا جامعا و9000 مصلى للعيدين، كما عرفت سنتي 2009 و2010، تخصيص حوالي 130 مليون درهم (15 مليون دولار) كإعانة لدعم القيمين الدينيين، و860 مليون درهم منحة سنوية للأئمة، 78 مليون درهم لـتأهيل القيمين الدينيين، و19 مليون درهم تعويضات لمتعهدي أجهزة التلفاز في المساجد وتم سنة 2009 تخصيص ميزانية قدرها 1.13 مليار درهم في إطار الخطة الوطنية للارتقاء بالمساجد، وفي 2010 تم إصدار مرسوم مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للقيمين الدينيين.
أما المؤشر الثاني فهو المتعلق بموضوع صيام رمضان، حيث أشار التقرير إلى مميزات تدين المغربيين خلال شهر رمضان، وارتفاع وتيرة الإقبال على المساجد وتضاعف عدد رواد حلقات قراءة الورد القرآني اليومي في المساجد، وكثافة الأنشطة الإحسانية والتكافل الإجتماعي عن طريق ما يسمى ‘قفة رمضان’ وتنامي برامج وعظ تشرف عليها المجالس العلمية المحلية.
ورصد التقرير في المؤشر الثالث الحج، باعتباره يمثل حدثا استثنائيا في حياة المغاربة بالنظر إلى تراث تاريخي من الارتباط به وإلى تقاليد متجذرة في التعلق به، حيث أدى نظام القرعة المعتمد إلى التمكن من تدبير الطلب المتزايد، وبعض التحديات المرتبطة بتدبيره، حيث حددت حصة المغرب: 32 ألف مقعد (حاج)، كما ارتفع عدد طلبات الحج من 120 ألف طلب سنة 2007 إلى 220 ألف طلب سنة 2009 و أزيد من 270 ألف طلب سنة 2010، وتم تخصيص 15 في المائة من المقاعد لكبار السن.
وتعلق المؤشر الرابع بالإفتاء الرسمي والتوجيه الديني من خلال رصد تنامي الأشطة الخاصة بالوعظ والإرشاد في المساجد والدروس الحسنية وغيرها.
فيما اهتم المؤشر الخامس العناية بالقرآن والتعليم العتيق ودور القرآن من خلال رصد الأنشطة والمبادرات الشعبية وبالحفاظ على دور القرآن والعناية برواده.
أما المؤشر السادس فركز فيه على حركة الإصدار الديني عبر رصد تنامي الإهتمام بنشر الكتاب الديني في مواضيع مختلفة، حيث تم إنتاج حوالي 300 كتاب في مختلف أصناف المعرفة الدينية خلال 2009 و2010وفي الفصل الأخير من هذا التقرير، يرصد التقرير وضعية اليهود المغاربة، الذي ينطلق من الإطار التاريخي للجماعات اليهودية المقيمة بالمغرب، وتشكلات الهوية اليهودية المغربية، وتاريخ هجرة اليهود المغاربة، وجرد لأهم المواسم اليهودية، وتفاعل اليهود المغاربة في الحياة العامة بصفة عامة، ووضعيتهم في مدونة الأحوال الشخصية، وأخيرا موقف اليهود المغاربة من العدوان الأخير على غزة، ويسجل التقرير وجود مسارين من ناحية التقلص العددي لليهود المغاربة بفعل الهجرة والتي تطال الشباب بشكل خاص حيث لا يتجاوز العدد حاليا 3000 يهودي مغربي، وفي المقابل غياب تسجيل حالات توتر بين الجالية وباقي المغاربة إلا من استثناءات نادرة تتداخل فيها اعتبارات غير دينية، كما سجل التقرير عودة متنامية للاهتمام الروحي إحياء المناسبات الدينية في مزارات اليهود المغاربة.