“المزاد الكبير”: حزب الله يبيع ورقة التفاوض مع إسرائيل لشراء الوقت واللبنانيون يتفرّجون

رلى موفّق
حجم الخط
0

يتحضَّـرُ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرفع صورة بالغة الرمزية في السباق المحموم مع منافسه جو بايدن للتربّع من جديد على كرسي البيت الأبيض. فـ”مهندس” العقوبات الأقسى في التاريخ ضد إيران سيُفاخر بانتزاعه “صورة” من طهران أرادها لـ”تذخير” معركته الرئاسية عشية فتح صناديق الاقتراع في الولايات المتحدة. إنها الصورة التي ستجمع الوفدين اللبناني والإسرائيلي في غرفة واحدة وتحت السقف عينه وحول الطاولة نفسها، في إطار مفاوضات تحت علم الأمم المتحدة وبإدارة الوسيط الأمريكي، عنوانها ترسيم الحدود البحرية “النفطية – الغازية” وربما الاتفاق على “نقاط عالقة” على الحدود البرية.

فجأة، ومن دون الكثير من الضوضاء، وقف في بيروت رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، شريك “حزب الله” في “الثنائية الشيعية” والممسك بملف التفاوض مع الأمريكيين حول النزاع الحدودي مع الإسرائيليين من خارج الأطر الدستورية، ليعلنَ عن التوصل إلى “اتفاق إطار” لمفاوضات مع إسرائيل تحدّدت احتفالية افتتاحها في 14 من تشرين الأول/أكتوبر الجاري. بدا هذا الحدث الـ”ما فوق” عادي وكأنه هبط من خارج سياق اللحظة الصاخبة في لبنان واللاهبة في المنطقة.

وفي الطريق إلى هذه المفاوضات التي تسارعت ترتيباتها اللوجستية في “الناقورة اللبنانية” عاصمة القوة الدولية “المؤقتة” التي جاءت إلى لبنان على متن قرار مجلس الأمن 425 في العام 1978 والمرجَّح أن تقيم طويلاً، قفز إلى الصدارة “الصندوق الأسود” لهذا التطوّر البالغ الحساسية في طبيعته وتوقيته وموجباته ودلالاته كحدث لبناني – إقليمي – دولي بامتياز.

ما وراء الأكمة

فما أن أنهى الرئيس بري مؤتمره الصحافي الذي زفّ فيه بشرى التوصل إلى “اتفاق الإطار” لمفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل حول ترسيم الحدود، وبالتزامن مع بيانات مماثلة من واشنطن وتل أبيب ونيويورك، حتى “انفجرت” ودفعة واحدة مجموعة من الأسئلة عن “ما وراء الأكمة” في هذا الخرق المفاجئ بعد عشرة أعوام من “الأخذ والرد” بين اللاعبين فوق “الفوهة” المترامية على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية.

فبيروت كانت مسكونة بـ”صدمة” انقلاب “الثنائي الشيعي” على المبادرة الفرنسية وتطيير حكومة محتملة برئاسة السفير مصطفى أديب، وتحت تأثير عقوبات أمريكية غير مسبوقة على حلفاء “حزب الله” وعلى “ظل” الرئيس بري وزير المال السابق علي حسن خليل، وعلى “ضابط العلاقة” بين زعيم “المردة” سليمان فرنجية و”الحزب” الوزير السابق يوسف فنيانوس.

ولعل الأهم والأكثر إثارة هو أن “بيعة” الذهاب إلى المفاوضات لترسيم الحدود جاءت على وهج الارتدادات التي لم تهدأ لتفجير مرفأ بيروت، وعلى وقع القصف الذي أثاره الانفجار الغامض في عين قانا (في جنوب لبنان) وإطلالة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بخرائط جديدة عن أمكنة قال إنها مخازن صواريخ لـ”حزب الله” على تخوم بيروت (الجناح) وفي الضاحية الجنوبية (الليلكي) وعلى مشارف الجبل (الشويفات).

مسار التحوّلات

تتعدَّد القراءات حول مسار التحوّلات لدى “حزب الله” بوصفه القوة الممسكة بالقرار الاستراتيجي ليس اللبناني فحسب، بل الشيعي أيضاً. فخطوة بري ما كان ممكناً حصولها من دون موافقة الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله، ومن ورائه إيران، في ملف حساس كهذا وفي توقيت دقيق قبل أسابيع من الانتخابات الأمريكية التي يتطلع إليها العالم بأسره، وينتظر نتائجها ليبني حساباته على أساسها. وورقة الترسيم هي ورقة ثمينة في يد طهران التي استثمرت على مدى قرون في “حزب الله” عسكرياً ومالياً وعقائدياً من أجل حضورها القوي في “الحديقة الخلفية” لإسرائيل.

لا شك أن إيران وأذرعها العسكرية يمران في أسوأ أيامهما، ويعيشان مفاعيل سياسة “الضغط الأقصى” الذي تُمارسه واشنطن وحلفائها، وفي مقدمها العقوبات. غير أن ثمَّة من يرى أن إيران ما كانت، لولا الضرورات القصوى، لتُقدِّمَ هكذا هدية للمرشح دونالد ترامب كي يُضيفها على رصيده في ملف التسوية مع إسرائيل، وهو المتباهي بأنه نجح في إحداث خرق تاريخي مع التوصل إلى اتفاقيات تطبيع بين الدولة العبرية والإمارات والبحرين. فهذه الورقة الثمينة تمَّ دفعها لشراء ما يُفترض أنه أكثر قيمة!

الأولوية هي لتقطيع الوقت بأقل الخسائر الممكنة على أقله إلى حين تمرير الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، وتبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود في هذا الاستحقاق. وكل الخسائر بالنسبة إلى “حزب الله” يمكن احتواؤها ما دامت “الحرب الصامتة” لم تصلْ إلى عقر داره. هو الوحيد القادر على فك شيفرة الرسائل ومستواها، فالنيران وصلت إلى قلب البيت.

الضربات الإسرائيلية التي يتلقاها “حزب الله” في سوريا هي جزء من قواعد الاشتباك، ولكن قبل فترة من الزمن، استهدفت طائرة “درون” موقعاً في الضاحية الجنوبية لم يكن مخزن أسلحة، بل راحت التقديرات إلى أنه كان مركزاً تكنولوجياً. وحده “الحزب” فَهمَ مغزى الرسالة ومراميها. منظّروه يُدرجون الضربات التي تستهدف منشآت في إيران ضمن سياسة “الغموض البناء”. وهذا ينسحب إلى حد كبير على انفجار مرفأ بيروت، الذي قد يكون جلاء أسبابه غير مطلوب ولا مصلحة فيه، ومتعدِّد الرسائل والأهداف، لكن انفجار “عين قانا” في الجنوب محدَّد، وعنوانه معروف ومعلوم.

لقد خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي مجدداً من على منبر الأمم المتحدة الافتراضي حاملاً خرائط حول مخازن أسلحة وذخائر لـ”الحزب” في الأحياء السكنية في بيروت ضمن المناطق التي يُسيطر عليها “الحزب” والتي تتواجد فيها بيئته. وزادت الجولة الإعلامية لـ”الحزب” على أحد المواقع من تعقيدات المشهد في ضوء التحليل الإسرائيلي للصور التي التقطت من داخله. المعضلة أن القلق ينتاب بشكل عام بيئة “الحزب” فهي كانت على الدوام مطمئنة لواقع أن “الحزب” هو الذي يُسيطر على المناطق التي تقطنها، وأنه يُديرها وأنه حوَّلها إلى مخازن أسلحة وذخائر وصواريخ، بحيث أنها لا تُقهر، بما جعلها في حالة نشوة، فإذا بالأسئلة الصعبة تدور في خلدها اليوم، حيث الخطر بات محدقاً، يلفّها في كل دقيقة من حوادث قد تلبس لبوس “الغموض البنّاء” لكن أثمانها ستكون باهظة جداً بما لا يمكن تحمّله، في وقت بدأت الأرض تهتز سياسياً تحت أقدام حلفائه المسيحيين الذين شكَّلوا له غطاء سياسياً استطاع من خلاله الإطباق على البلاد والعباد، وحتى تحت أقدام شريكه الشيعي الذي وصلت العقوبات الأمريكية إلى داره، فيما خصومه ينتظرونه على الطريق متفرجين بعدما نجح في شلّ قدراتهم ترهيباً.

وعليه، فإن استخدام ورقة المفاوضات مع العدو قد يقي “الحزب” شرّ ما هو أعظم، بحيث يُوقف مسار الضغوط القاتلة له، على أقله لفترة من الزمن، ليست بعيدة، يسمح له بتمرير الأسابيع الصعبة، ليلتقط أنفاسه من جديد، ويُحدّد الوجهة التي سيسلكها. فكل ما حصل يمكن الانقلاب عليه لاحقاً، إذا سنحت له الظروف، وإذا كانت الرياح تجري بما لا يشتهي، فإنه سيحوّلها إلى فرصة. وربما هنا يكمن القلق لدى بعض القوى السياسية اللبنانية.

ورقة الترسيم

فـ”الشيعية السياسية” بفعل موقعها الجغرافي على الحدود مع إسرائيل، وبفعل قوتها الميليشاوية العسكرية، أمسكت بورقة الترسيم على حساب الدولة ومؤسساتها ومن خارج الأطر الدستورية، وأرادت أن تقول إنها الجهة القادرة على تقديم الضمانات، وهي كذلك، ما دامت الدولة برمتها تسير في فلكها، والقوى السياسية من خارج منظومة “المحور” عاجزة عن مواجهتها. فهؤلاء يخشون من أن يرتدَّ “حزب الله” على الداخل مجدداً كما فعل بعد حرب تموز/يوليو 2006. فبعدما توقفت الحرب وأُنجز القرار الأممي رقم 1701 اعتبر “حزب الله” أن ظهره أصبح محمياً، فارتدّ إلى الداخل اللبناني، وقلب المعادلة في 7 أيار/مايو 2008 التي أفرزت “اتفاق الدوحة” الذي عاد وانقلب على مفاعليه.

اليوم، الشعور أن اللعبة أخطر، لأن المنطقة تعيش في مخاض التحولات الكبرى التي ستفضي إلى شرق أوسط جديد وسط معادلات مختلفة، ستصل ارتداداتها حكماً إلى لبنان. منطلق المخاوف أن القوى السياسية الأخرى اللبنانية مشتتة، مشلولة، خائفة وعاجزة. المسيحيون في وضع ضعيف، وحال الدروز ليس أفضل منهم حيث لا مظلات إقليمية ودولية تحميهم. لعبة العدد ستفعل فعلها في آخر المطاف، ما يجعل المواجهة الفعلية بين الشيعة والسنّة، وهو امتداد للصراع الأكبر الدائر في المنطقة. وهذا ما أظهرت جزءًا منه مؤخراً التطورات التي رافقت مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي أصابها الفشل في نسختها الأولى.

فقد خرج زعيم “تيار المستقبل” سعد الحريري، في إطلالة تلفزيونية له بعد سنة من خروجه من الحكم، ليعلن أن في البلد مشروعين: الأول يُجسّده “الثنائي الشيعي” بما يحمله من أجندة خارجية، وآخر تجسده المبادرة الفرنسية التي أدرج نفسه في خانتها، واضعاً الآخرين ولا سيما حليف “حزب الله” المسيحي المتمثل بـ”التيار العوني” أمام اختيار أي مشروع يريد أن يكون في عداده. هذا التطوُّر في لغة الحريري المدرك للضغوط التي يتعرَّض لها الجميع، سواء المرتبطة بواقع انهيار البلد أو بسيف العقوبات أو بما يجري خلف الكواليس الدولية، ما كان ليكون لولا أن البلاد لم تسقط كلياً ولم تفقد كل المقومات التي يمكنها أن تؤمّن استمرارها. فحتى إدارة الفقر أضحت مدار شك.

على وجع اللبنانيين وانقسامهم وعجزهم، ستُقام مراسم الجلسة الافتتاحية للمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في الناقورة لترسيم الحدود بينهما يوم 14 تشرين الأول/أكتوبر، إذا لم يطرأ عائق في اللحظة الأخيرة. ستدور في وجدان كل منهم أسئلة وأسئلة حول مَنْ يُفاوض مَنْ؟ هل هي فعلاً مفاوضات لبنانية – إسرائيلية؟ وماذا تبقّى من لبنان الدولة؟! سيمضي ذلك اليوم وسط صمت مُطبق لأفواه منظّري “الممانعة” الذين “نخروا” رؤوسنا بكل سرديتاهم عن إسرائيل “الشر المطلق” وخوَّنوا كل من اختلف معهم قبل أن يدخلوا على توقيت محورهم إلى “المزاد الكبير” للبيع والشراء على رؤوس اللبنانيين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية