رشيد بوطيب
لا يمكننا أن نتناول مسألة العلمانية في الفكر العربي المعاصر دون العودة، على الأقل، إلى كتابين أساسيين. الأول هو كتاب علي عبد الرازق ‘الإسلام وأصول الحكم’ والثاني هو كتاب المفكر السوري عزيز العظمة ‘العلمانية من منظور مختلف’. وإذا كان كتاب علي عبد الرازق يدافع، استنادا إلى الإسلام وتاريخه، عن فكرة أن الإسلام دين وأن محمدا نبي وليس قائدا سياسيا، فإن الكتاب الثاني يفهم العلمانية كأيديولوجيا كفاحية، وبلغة أخرى: إنها تمثل انتصارا للفكر العلمي على الفكر الديني، ليضع منذ البداية الحواجز بين إمكانية أن تقوم للعلم قائمة في إطار ديني وهو ما يكذبه تاريخ الأفكار. فالدين نفسه جزء من العلم البشري، كيفما كانت رؤيتنا إلى هذا العلم، وحتى إن وصفنا ‘حقائقه’ بالخاطئة، فإن ذلك لا يحط من شأنه أو لا ينفي صفة العلمية عنه.
إن الدين، وبغض النظر عن ‘حقائقه’ و’ أباطيله’، يسمح لنا بمعرفة أشياء كثيرة عن الطبيعة البشرية وعن ماضي الإنسان وحاضره ومستقبله ولغته وسيكولوجيته واجتماعه وسياسته إلخ.. ، فحين أدرس القرآن الكريم مثلا، أعرف أشياء كثيرة عن طبيعة المرحلة التي نزل فيها، بل وأتعرف أيضا على رؤية تلك المرحلة وناسها لمراحل سبقتهم وأديان جاءت من قبلهم. إن الكتاب الديني هو أيضا كتاب علم، بل إن العلم يشمل حتى السحر والأساطير والحكايات وما إلى ذلك مما تعودنا على حشره في خانة الفكر الغيبي أو الفكر الخاطئ. إن هذا يقودنا بدءا إلى إعادة النظر في مفهوم العلم، وبلغة أخرى إلى تحريره من قبضة العقلانية التجريبية، إذ من شأن ذلك أن يمثل أيضا تحريرا للإنسان ذاته من نفق معرفي محدد، احتكر لنفسه حق الكلام عن الانسان والطبيعة والله. ومع ذلك لنواصل قراءة أفكار العظمة. إن العلمانية تمثل في نظره تغلغل مفاهيم سياسية وإدارية ذات طبيعة عقلانية في المجتمع العربي. وهذه السيرورة تتضمن تهميشا للثقافة الدينية، التي سادت لقرون خلت. إن الفكر العلماني شكل في المجال الثقافي العربي رفضا لرفض الواقع، أو رفضا للرؤية اللاتاريخية إلى الواقع، كما تمثلت حسب رؤيته في الفكر الديني. إن العلمانية تملك حسب رأيه مضمونا معرفيا، لأنها ترفض التفسيرات الميتافيزيقية للطبيعة والتاريخ، ومضمونا سياسيا، لأنها تفصل بين السياسة والدين، ومضمونا أخلاقيا، لأنها تهدف إلى تحرير الأخلاق من ربقة الدين من أجل تأسيس أخلاق إنسانية. لكن ألا نصادف تفسيرات علمية للطبيعة داخل الثقافة الإسلامية وغيرها من الثقافات الدينية؟ وألم يتأسس الدين نفسه على أخلاق الأمم التي سبقته؟ فحتى وإن جبـّها وردها في غالب الأحيان، يظل مرتبطا بها، ويظل ‘لاوعي النص’ الديني مسكونا بها. يصر العظمة على اختزال الحداثة وإنجازاتها في علمانية دوغمائية، وهو ما لا يمكن أن نتفق معه، فالدين نفسه، يقول الفيلسوف الألماني أودو ماركفارد، لا يموت في الحداثة بل إن فيلسوفا ألمانيا آخر هو يورغن هابرماس يدافع عن فلسفة غير مكتفية بذاتها، ومدركة لبنيتها وموقعها غير المستقر في البناء المتعدد للمجتمع الحديث. إنها فلسفة لا تسير على خطى كانط وهيغل محاولة أن تحدد ما تبقى من الخطاب الديني أو ماهية هذا الخطاب، وهل هو صحيح أم خاطئ، بل إنها تقوم على احترام الخطابات الأخرى وأشكال الحياة المختلفة، وليس فقط ذلك، إنها مستعدة للتعلم من الخطاب الديني. إن العالم العربي ـ الإسلامي عاش ابتداء من القرن التاسع عشر، وكما أوضح ذلك العظمة، نوعا من التمرد على التقليد وسلطته، وبدا ذلك جليا في أشكال اللباس وفي تأسيس محاكم مدنية وإبطال العمل بالحدود الإسلامية إلخ.. لكن الحركة الإصلاحية في نظر العظمة لم تمثل أكثر من ‘ميكيافيلية موضوعية’، فهي لم تحاول غير التوفيق بين الزمن العلماني والتقليد، وهي لذلك كانت تعيش في زمنين، في زمن الخرافات وزمن الواقع. هذا الموقف ‘اللاعقلاني’، في نظره، ما قادها في النهاية إلى الفشل الذريع. أما الفكر العلماني فقد تمثل في رأيه في الدولة ومؤسساتها، فثقافة الدولة كانت غربية، وسياسة محمد علي أو كمال أتاتورك كانت تهدف إلى علمنة المجتمع، لكن ضغط قوى التقليد ساهم كثيرا في نهج سياسة وصولية، انتهت غالبا إلى التراجع عن العلمانية وإلى تحالف الدولة مع المعسكر الديني كما هي الحال اليوم مثلا في مصر وعدد من الدول العربية. لا يخفي العظمة موقفه، بل يعبر عنه، مثل يعقوبي فرنسي تأخر به الزمن، في حدة وعنف، رافضا كل مصالحة مع التراث الثقافي، ومنتقدا دعاوى الاستمرارية التاريخية كما يجدها في كتابات بعض من معاصريه، الذين أنجزوا قراءات انتقائية للتراث، كان يعقوبي آخر قد وصفها بالمذبحة. لكن أليس حريا بنا في هذا السياق، أن نقف إلى جانب العظمة، وإلى جانب ملهمه عبد الله العروي، خصوصا أمام خطاب يدافع عن وهم العقلنة من الداخل، مغلقا عينيه أمام سيرورة التاريخ ورافضا العلمانية مثلا بدعوى أن المجتمعات الإسلامية في غنى عنها، بل هي لا تحتاج إلى ما هو أكثر من العقلانية والديمقراطية، كأن العلمانية، وأعني هنا العلمانية الإجرائية وليس العلمانية اليعقوبية، ليست جزءا لا يتجزأ من العقلانية والديمقراطية؟ إن العظمة محق وهو يؤكد بأن مثل هذه الدعاوى لا تمثل فقط رفضا للعلمانية والرؤية التاريخية، ولكن أيضا شرعنة للديكتاتوريات القائمة. إنه ينتقد اعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع، وهو ليس وحده من يتبنى هذا الطرح، فحتى داخل تيار ‘العقلنة من الداخل’ نجد أصواتا، مثل المفكر التونسي محمد الطالبي، ترفض الشريعة وتنفي عنها صفة القداسة. والعظمة محق حين يرى في هذه العودة إلى الشريعة تسييسا للدين وتأبيدا لسيطرة النخب الدينية على المجتمع والثقافة. ولقد شهدنا ونشهد النتائج الدموية لهذه السيطرة على حرية الفكر في مصر ولبنان والعراق وغيرها من الدول العربية والإسلامية. لكن نقد عملية التسييس هذه لا يجب أن يقودنا إلى إصدار حكم الإعدام بحق الدين، لسببين: أولا لأن الدين ليس ملكية خاصة لهذه النخب الدينية، بل هو رسالة إلى البشرية كافة، للمسلمين وغير المسلمين وثانيا، إن الرفض العنيف للدين، هو رفض للاختلاف، ولحق الآخر، المتدين في الوجود.’إن الشعوب المتخلفة تفهم الدين بشكل متخلف’، يقول سمير أمين، وهذا الفهم المتخلف للدين، هو ما يجب علينا أن ننتقده ونفضحه، ونعريه على الملأ، حتى لا يتحكم بمصيرنا فقهاء الأنظمة وطيور الظلام. لا يخطئ العظمة حين يؤكد أن الهوية ليست كلا ثابتاً، وهو لا ريب محق حين يرفض التماهي بين الهوية والأصالة، لكن ألا يرتكب خطأ مماثلا وهو يربط الهوية بالحاضر، وينظر إلى التراث الثقافي كحجر عثرة ضد التقدم؟ هذا الجنون بالحاضر، أليس شكلا من أشكال فقدان الذاكرة؟ فديمقراطية واعية أو ديمقراطية ‘ضعيفة’ ستسمح لا ريب للخطاب الإسلامي بالتعبير عن نفسه بل وبالمشاركة في العملية السياسية، وكل محاولة لفرض الصمت على هذا الخطاب، ستنتهي لا ريب إلى إرهاب يعقوبي، لن يساهم سوى في تثبيت دعائم الديكتاتورية في المنطقة، وتاريخنا القريب والمعاصر لا يقول غير ذلك. إن العلمانية التي نبتغيها هي علمانية إجرائية، وهي لا تعني أكثر من رفض للاستغلال السياسي للدين، طبعا لا ديمقراطية من دون علمانية، لكن الديمقراطية تتأسس على تواصل متعدد الأصوات، ومتحرر من الراديكالية. إن اليعقوبيين لم يحاولوا أكثر من تغيير العالم، في حين أن المهمة الصعبة تكمن في اقتسامه مع الآخرين.’ كاتب من المغرب يقيم في المانيا