سيظل اسم الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي مقترنا بكونه أول رئيس تونسي انتخب بطريقة ديمقراطية شفافة ومقترنا بدعوته للمساواة في الإرث.
والمساواة في الإرث هي إحدى المسائل الأكثر إثارة للجدل من بين سلسلة من الإصلاحات اقترحتها لجنة الحريات الفردية والمساواة التي شكلها المغفور له الرئيس الراحل في صيف 2017. وفي هذا الإطار أكد أن حقوق الإنسان كل لا يتجزأ وأن من شروط تطور المجتمعات، في أرض الإسلام، النهوض بوضعية المرأة وتحرير طاقاتها. ذلك أن تحقيق المساواة بين الجنسين شرط من شروط تحقيق الديمقراطية، إذ انه لا ديمقراطية بدون مساواة ولا تنمية حقيقية بدون القضاء على التمييز بين المرأة والرجل.
وقد قامت هذه اللجنة بمراجعة مختلف القوانين التي أصبحت متعارِضة مع دستور الجمهورية الثانية الصادر في العام 2014، علماً أن هذا الدستور الجديد قد أقر المساواة التامة بين النساء والرجال ومنع التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو المعتقد، أو العرق، أو الجنس طبقا لفلسفة حقوق الإنسان، وهو ما يستلزم ملاءمة مختلف القوانين مع ما ورد في هذا الدستور.
ويطمح مشروع القانون المعروض إقرار المساواة في الإرث كقاعدة عامة مع تمكين المواطنين الراغبين في الاستثناء منها، سواء لأسباب دينية أو شخصية أو غيرها، من خلال عقد لدى عدول أو وصية، حسب ما ينص عليه المقترح.
وقد أثارت هذه المبادرة التشريعية جدلا شديداً ليس في تونس فحسب، بل في العديد من الدول العربية والإسلامية الأخرى وصل إلى درجة التظاهر والاحتجاج في الشوارع بذريعة أنها تتصادم مع أحكام الشريعة الإسلامية وتزعزع ثوابت الأمة. في حين أن مسألة الميراث هي بالأساس اقتصادية لأنها تهمّ أسلوب توزيع الثروة داخل العائلة. ومن البديهي أن يرتبط أسلوب توزيع الثروة بالظروف الاقتصادية والاجتماعية لكل عصر ولكل حقبة تاريخية.
فاليوم يفرض هذا التعديل القانوني نفسه باسم الديمقراطية التي تعد مسألة المساواة التامة بين مواطنيها في الواجبات والحقوق إحدى ركائزها وحسب أحكام الدستور الجديد، باعتباره النص المؤسس للعقد الاجتماعي النّابع من الثّورة.
فالدولة المدنية والديمقراطية هي دولة لكل مواطنيها وهي تعاملهم على قدم المساواة، متعالية على خصوصياتهم واختلافاتهم العرقية والجنسية والدينية وهوياتهم الصغرى.
وهذا ليس غريبا عن تراثنا الإسلامي فالإمام محمد عبده أقر بتعالي الدولة وحيادها عندما قال “لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين” وهو أيضا ما أكده الزعيم الأزهري سعد زغلول في شعاره الشهير “الدين لله والوطن للجميع”.
من جهة أخرى فإنّ دراسة مدقّقة لتحوّلات المجتمع التّونسي، من شأنها أيضا أن تُقدّم حججا حاسمة دفاعا عن هذا التغيير التشريعي.
وبالفعل فان الديناميكية الاجتماعية قد أفرزت في المجتمع التونسي، خلال العقود الأخيرة، تحولات بنيوية وسوسيولوجية كانت منتوج عوامل مختلفة، داخلية وخارجية، أثرت على منظومة القيم وأنماط تمثلها ومسالك تطورها في الأوساط الاجتماعية.
لقد مكّن تقسيم العمل الحديث من زعزعة المشهد التقليدي الذي كان يقوم على مبدأ تقسيم جنسي للوظائف والأدوار. كما حدثت تحوّلات في علاقات الهيمنة التي كانت مرتبطة بالجنس والسنّ، ولم يعد الزّوج / الأب هو المسؤول الوحيد عن تسيير المؤسّسة العائلية والمتصرّف في مواردها الاقتصادية، إذ استبدلت سلطته باتجاه الشراكة الزوجية وتقاسم المسؤوليات والقرارات العائليّة بين المرأة والرجل.
كما أن انتشار التعليم وتراجع نسبة الأمية وولوج المرأة سوق الشغل أسهم في تعميم نموذج الأسرة النووية، وهو ما مثل في تونس معطى سوسيولوجيا من الدرجة الأولى. وقد تجسد هذا النموذج في تراجع ظاهرة الزواج بالأقارب التي كانت تحمل مضامين عشائريّة وفي الحد من خصوبة المرأة وعدد الاطفال وفي انفراد الأسر التونسيّة بمساكن مستقلة مثلا.
كما تبين الإحصائيات أن عدد الإناث يفوق عدد الذكور في جميع مسالك التكوين المدرسي والجامعي.
وتفصح البيانات الخاصّة بالتعليم العالي عن نسب أرقى للأداء الدراسي للإناث. فمنذ 1999، بدأ الفارق في عدد البنات المسجّلات كطالبات في القطاع العمومي يرتفع حتى بلغت نسبة البنات-سنة 2014-2015-63,5 في المئة من مجموع الطلبة. وعموما، وفي جميع المجالات تقريبا، تتجاوز نسبة البنات نسب الذّكور. بل إن الإناث بصدد الهيمنة على مسالك التعليم الأكثر انتقائية في التعليم العالي بتونس ألا وهي العلوم الأساسية والطبّ والهندسة. وقد أنتجت هذه الثورة التعليمية تحولات في تصورات وسلوكيات الأسرة التونسية من أبرز مظاهرها تقلّص التمييز الذي كان يفصل الذكر عن الأنثى.
وقد انعكست هذه المؤشرات على الدور الاقتصادي والمالي للمرأة في الأسرة. فقد بيّن تحقيق أجراه مركز الدراسات والبحوث والتّوثيق والإعلام حول المرأة فيما يتعلّق بالمال في العلاقة الزوجية أنّ غالبية النساء يساهمن في مصاريف الأسرة. وهو ما يعني، بالنّظر إلى نسبة النشاط النسائي، أنّهنّ يخصّصن لا فقط رواتبهن الشهرية لتلبية حاجيات أفراد العائلة بل أيضا ممتلكاتهنّ. كما تشير الدراسات إلى أن 72 في المئة من النساء النشيطات المشتغلات يخصّصن كامل دخلهنّ لمصاريف الأسرة. كما أنّ ما يقارب ربع القروض البنكية الممنوحة لتمويل السّكن العائلي بين 2011 و2015 تحصّلت عليها نساء.
كما تضطلع غالبا المرأة بالعناية بالأطفال وبالإحاطة بالأقارب المسنين أو غير القادرين على القيام بشؤونهم بمفردهم داخل العائلة في ضل محدودية وهشاشة مؤسسات الدولة.
ولكن رغم نجاحاتها ظل التمكين الاقتصادي للمرأة محتشما. فرغم مساهمة المرأة في خلق ومراكمة الثروة تبين الإحصائيات أن نسبتهن كصاحبات أعمال وكمستثمرات مستقلات لا تتجاوز 9,4 في المئة أما في مجال ملكية الأراضي الزراعية فلا تتجاوز هذه النسبة 3,3 في المئة.
وتبرز هذه الإحصائيات حجم الاختلال العميق في توزيع الثروة في تونس وحيف التمكين الاقتصادي والمالي بين الجنسين. فالمساواة في الإرث ستنصف المرأة التونسية وستفتح الباب أمامها للتمكين الاقتصادي فضلا عن كونها ستحد من ظاهرة التفقير والتهميش والتعنيف المسلط عليها.
وفي خضم التحولات التي يعيشها اليوم المجتمع التونسي تبقى مسألة المساواة التامة أفقا تحرريا ومعيارا للتمييز بين مريدي الدولة الدينية والطامحين إلى دولة المواطنة الكاملة.