نصر شمالي
مهما تفاقمت وتعاظمت أزمات العرب الداخلية، ومهما اشتدّت معاناتهم وتضاعفت عذاباتهم وتضحياتهم في كلّ دويلة وفي كلّ قطر على حدة، فإنّ ذلك لا يبرّر التخلّي عن سلّم الأولويات في نضالهم التاريخي العام، أي إغفال الجذر الأساسي الأطلسي، الذي تسبّب وما زال يتسبّب في استفحال مآسيهم بأدقّ تفاصيلها. وبالطبع فإنّ الأولوية التي تحتل المركز الرئيس في سلّم أولويات العرب هي قضية الحرية والاستقلال التي لا يمكن أن تحقّقها دويلة بمعزل عن الأخرى ولا قطر بمعزل عن الآخر، وإنّ لنا في ما أظهرته الانتفاضات الأخيرة من وحدة الأمة ووحدة الأنظمة التي تمزّقها وتضطهدها أكبر دليل واقعي ملموس على ذلك.
إنّ الأمة العربية، في وضعها الجغرافي/السياسي الراهن، ليست حرّة ولا مستقلة، لا بمجملها ولا قطراً قطراً. إنّ أيّة دويلة من هذه الدويلات الكثيرة، الفقيرة والثريّة، لا تملك أيّاً من الشروط الأساسية للحياة الطبيعية، لا جغرافياً ولا اقتصادياً ولا اجتماعياً ولا سياسياً. وها هي سورية الحالية، التي هي مجرّد جزء من بلاد الشام أو من سورية الطبيعية التاريخية (وإن حمل هذا الجزء بفضل دمشق عنوان بلاد الشام بأكملها) تجد نفسها جزءاً مضطرباً في مهبّ الرياح الإقليمية والدولية. لماذا؟ لأنّ سورية الحالية لا تملك في حدّ ذاتها شروط الحياة الطبيعية كدولة تامة، وكذلك حال لبنان والأردنّ، ناهيكم عن فلسطين المغتصبة. غير أنّ البعض يتجاهل هذه الحقيقة القاطعة، ويسعى إلى تنظيم الحياة الداخلية في سورية الحالية هذه تنظيماً نهائياً يكرّسها دولة نهائية تامة، بهذه الصيغة والصورة أو تلك إنّ هذا البعض يتعامل مع سورية الحالية بصفتها الوطن الوحيد والمآل النهائي للسوريين ‘المستقلين المتميّزين المعتزّين بسوريّتهم’.. الخ.
ِفي هذا الوضع العربي الجغرافي/السياسي الراهن، الذي هو سجن كبير تشكّل حدوده الجغرافية قيوداً ودويلاته السياسية زنزانات، والذي لم تختره الأمة بل فرض عليها من خارجها بتواطؤ من داخلها، يجري تجاهل جذر المأساة العظمى، ويجري التسليم ضمناً أو علناً بالواقع المصطنع، وتنطلق الدعوات (الاستبدادية أو الديمقراطية) إلى جعل الأولوية لترتيب الوضع الداخلي والعلاقات الداخلية لهذه الدويلة أو تلك ترتيباً نهائياً، الأمر الذي يعني الضلال بعينه إن لم نقل الخيانة بعينها، لأنّ ذلك يكرّس الكيانات المصطنعة، ويكرّس تبعيّتها للخارج حكماً بسبب افتقارها لشروط الحياة الطبيعية المستقلة.
إنّ القضية العربية الأولى القائمة، في الأمس واليوم وإلى زمن نرجو أن لا يطول، هي قضية الحرية والاستقلال التي ترفع الجماهير اليوم راياتها. إنّه لمن الواضح أنّ هذه الجماهير تلحّ على نيل حريتها في المقام الأول كخطوة نحو تحرير فلسطين ونحو استرداد العلاقات الطبيعية الوحدوية ولو في حدّها الأدنى بين العرب في مختلف ديارهم. إنّ الجماهير العربية تعي بالفطرة وتلقائياً أنّ خلاصها الحقيقي يتحقق فقط بنجاحها في استرداد وضعها الطبيعي الجغرافي/السياسي، وتعي بالفطرة وتلقائياً أنّ معاناتها الداخلية الرهيبة من الاستبداد، أو من الديمقراطيات المشوّهة، ليست إلاّ محصلة للوضع الجغرافي/ السياسي الاستعماري الذي فرض عليها من خارجها وبتواطؤ من داخلها، ولذلك نرى الفجوة واسعة بين موقفها وهي تلحّ على الحرية في المقام الأول، وبين مواقف نخبها وهي تلحّ على الديمقراطية أو على الاستبداد في المقام الأول.
وبالمناسبة، فإنّ احتكار السلطة عنوة واقتداراً، والحيلولة دون تداولها ودون تنظيم علاقات داخلية متكافئة عادلة، وكذلك إيذاء الأفراد والجماعات وهدر كراماتهم ودمائهم، ليس وقفاً على الأنظمة الفردية أو الشمولية. ففي الولايات المتحدة تحتكر الشركات السلطة (إلى الأبد) بوساطة حزبها الواحد المنقسم تضليلاً إلى حزبين يتظاهران كذباً بالاختلاف، وكذلك الحال في بريطانيا، ولو حدث وخسرت هاتان الدولتان الديمقراطيتان مركزهما الدولي الذي يمكنهما من نهب العالم، ومن تصدير أزماتهما الداخلية إلى الخارج، لرأينا أيّ استبداد وحشي سوف يمارس ضدّ شعبيهما عندما يعاني من الحرمان ويخرج مطالباً بحقوقه.
غير أنّ الاستبداد الكامن والاحتكار المقنّع للسلطة في البلدان الديمقراطية ليس عذراً للسكوت عن الاستبداد المتوحش السافر في البلاد العربية وغيرها، بل إنّ السكوت هنا يمكن أن يبلغ مستوى التواطؤ والخيانة، لكنّ الأولوية تبقى، قطعاً، لقضية نيل الحرية وتحقيق الاستقلال، حيث عندما تكون ثروات الأمة منهوبة، وأراضيها مجزّأة ومسلوبة ومستباحة، وإرادتها معطّلة، وكرامتها الوطنية/القومية تمسّ وتمتهن على مدار الساعة، أي عندما تكون الأمة بمجموعها محرومة من تحقيق ذاتها والتصرف بمقدّراتها والتنقّل بحرية في أراضيها، فإنّ الوضع يصبح أعظم خطراً بما لا يقاس من مسألة غياب العلاقات الديمقراطية وإيذاء الأفراد والجماعات في هذه الدويلة أو تلك.
وما هو أخطر أنّ الأعداء يدخلون في روع النخب العربية أنّ الأولوية هي لتنظيم العلاقات الداخلية، وأنّ بالإمكان تجاهل قضية الأمة عموماً، وتجاهل قضية فلسطين في أساسياتها التاريخية، وتحقيق مصالح الدويلة في حدّ ذاتها وعلى أكمل وجه، وهذا محال طبعاً، الأمر الذي تصبح معه قضية كرامة الأمة فوق قضية كرامة الأفراد والجماعات والدويلات، وتصبح الأولوية لها، لأنّ معالجة قضية الأفراد والجماعات والدويلات علاجاً نهائياً حقيقياً لا يتحقّق إلاّ بمعالجة قضية الأمة.
إنّ النضال من أجل تحقيق علاقات داخلية عادلة، ديمقراطية، ينبغي أن لا يتوقف، إنّما في إطار وسياق النضال من أجل قضية الحرية والاستقلال التي تبقى الأولوية لها، والتي يجب أن يكون معلوماً أنّ عدم تحقيقها لا يمكن أن يسمح بتنظيم علاقات داخلية ديمقراطية جدّية وحقيقية في هذه الدويلة أو تلك وفي هذا القطر أو ذاك. وبالطبع، فإنّ قضية الحرية والاستقلال هي قضية صراع الوجود الذي تخوضه الأمة في مواجهة الحلف الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة، وإنها لكارثة كبرى أن يأخذ النضال العربي شكل مواجهة رئيسة مع الصين وروسيا وفنزويلا، وتركيا وإيران وأثيوبيا، ومع غيرها من المستعمرات وشبه المستعمرات السابقة، مهما كان حجم الخلاف مع هكذا بلدان بصدد هذه القضية العابرة أو تلك، وأن يجري تجاهل حلف الأطلسي وقاعدته الإسرائيلية وحلفائه الإقليميين، وتجاهل حربه الإبادية السرمدية ضدّ العرب، والتعامل معه كأنّما هو طرف محايد، يمكن أن يمدّ يد العون بإخلاص ونزاهة للعرب ولغيرهم.’ كاتب سوري