يرى المستشار اللبناني في التنمية ومكافحة الفقر الأستاذ أديب نعمة أن الشعب اللبناني مُسالم ولا يريد دخول البلاد في الفوضى رغم حدّة الأزمات التي يعيشها. وتوقف عند ثلاثة عوامل ساهمت في تفادي الانهيار الاجتماعي الشامل، وهي: تحويلات اللبنانيين، والمساعدات الخارجية، وتوظيفات المنظمات غير الحكومية بالعملة الأجنبية. وأعرب عن قناعته بأن الطبقة الحاكمة لا تُريد حل الأزمة لأنها مستفيدة من نهب الأموال، وعقلها «غنائمي» وستستمر بهذه السياسة حتى لحظة ما قبل موت النظام لتطرح مشروعها الاقتصادي للحل القائم على إنشاء صندوق لأصول الدولة وممتلكاتها وتولّي إدارته.
وأكد نعمة، الذي عمل مستشاراً إقليمياً لـ«الإسكوا» وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي أن «الانفجار الاجتماعي سيحدث حتماً، لأننا نسير بمسار تدهوري، لكننا لا نستطيع معرفة ما إذا كان سيأخذ أشكالاً فوضوية أو عنفية أو شعبية». وإذ اعتبر أن السيناريو الأمثل هو الشكل الشعبي الشبيه ببداية «ثورة تشرين 2019»، استبعد استعادة ذلك المشهد بحيث تنزل الناس والفئات الاجتماعية إلى الشَّارع وتصبح فاعلاً سياسياً، لافتاً إلى أن هذا الشكل هو الطريق نحو التغيير السياسي الذي يرسم مسار الحل والتضحيات التي ستكون لسنوات عشر سنوات على الأقل.
في قراءته أن مسار الانهيار لا يبقى إلى ما لا نهاية، بل ستأتي لحظة، إما داخلية أو خارجية، تُوقفه أو تُحدث انعطافة فيه. وفيما بدا له أن شرط نجاح اللحظة الداخلية غير متوفر راهناً، عبَّر عن اعتقاده بأن شرط اللحظة الخارجية قد يكون ممكناً، لكنه إنْ حصل فلن يُنتج سوى استراحة ومحطة صراع جديد ربما بأشكال أقل عنفاً من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والمالية، وحتى أقل عنفاً من الناحية السياسية. وهنا نص الحوار:
○ رغم الأزمة التي يعيشها اللبنانيون منذ 2019، والانهيارات المتتالية والكلام عن احتمال حصول انفجار، ورغم قهر الناس، لم يصلوا إلى حد أن يُفجِّر غضبهم الوضع… برأيك لماذا؟
• هناك ثلاثة عوامل لها دور في تفادي الانهيار الشامل على مستوى الضرر الاجتماعي، الأول، استمرار دخول موارد إلى لبنان، إذ بلغت تحويلات الخارج السنة الماضية إلى الأُسر اللبنانية ما يزيد على 6 مليارات دولار حسب تقرير البنك الدولي، وهذا مبلغ كبير. ما زال حجمه كالسابق أنما طرأ تبدّل لجهة أن عدد الذين يُحوِّلون ازداد، ولكن المبلغ الذي كان يُحوِّله الفرد تناقص. كانت التحويلات سابقاً تصل إلى الأغنياء والطبقات الوسطى، إنما اليوم حتى العائلة الفقيرة التي لديها أحد الأبناء في الخارج لسبب ما، حتى لو كان عاملاً متواضعا ويتقاضى 500 يورو أو دولار، يُرسل مئة دولار إلى عائلته لأنها تُحدث فرقاً نتيجة انهيار العملة الوطنية.
الأمر الثاني هو داخلي، سببه توزيع المساعدات الإنسانية، فالدول الأوروبية، والأمريكان، واليابان، والسعودية، ودول الخليج، كلهم أرسلوا ملايين الدولارات، وبشكل خاص بعد انفجار المرفأ. هذه الأموال لا تزال تدخل، تصل إلى الناس عبر جمعيات. إضافة إلى ذلك، هناك الأموال التي تدخل إلى اللاجئين السوريين ويأخذ اللبنانيون في مقابلها دعماً ومساعدات. هذا كله يجعل الناس تعيش في كفاف، ويتدبرون أمورهم بطريقة أو بأخرى وتحول دون «موتهم من الجوع».
الأمر الثالث يتمثل بأن مفوضية اللاجئين في الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية والجمعيات، للقيام بعملها على امتداد لبنان، وظَّفت آلاف اللبنانيين. على سبيل المثال، في آخر ضيعة في عكار (شمالاً)، هناك اليوم مَن هو موظف بمفوضية اللاجئين. هذا بدأ مع السوريين واستمر إلى الآن، وتجدينه في كل المناطق، ولهذا هناك صرخة ضد الـ NGO من قبل جماعة السلطة، لأن هذه الأموال كانت تذهب إلى جمعياتهم. هذا أوجد شريحة تُقدَّر بالآلاف تقبض بالدولار. سأُعطي مقارنة: قبل الأزمة كان موظف الـNGO يتقاضى 800 دولار كمعدل وسطي، وأستاذ الجامعة يتقاضى 6 ملايين ليرة، أي 4 آلاف دولار، ولكن بعد الأزمة ما زال موظف الـNGO يتقاضى 800 دولار، وأستاذ الجامعة الذي كان يتقاضى ما يعادل 4 آلاف دولار، بات يتقاضى نحو مئتي دولار. هذا خلق متنفساً لآلاف الشباب الذين يعملون بهذه الطريقة، إضافة إلى الشركات الخاصة التي تُعطي جزءاً من الرواتب بالدولار، ناهيك عن رواتب «حزب الله» التي هي بالدولار.
إضافة إلى ذلك، هناك عامل مهم يكمن في أن الشعب اللبناني مسالم. الفقراء مسالمون بطبيعتهم. أولاً هناك تجربة الحرب ومآسيها والناس لا تريد العودة إليها، ونحن نتكلم عن هذه اللحظة لأننا لا نعرف كيف يتطوّر الوضع. الذين يشعرون بأن عليهم أن يتحرّكوا هم أصحاب الودائع، ويجب ان لا ننسى أن نصف الشعب اللبناني ليست لديه ودائع مصرفية، والذين لديهم ودائع هم الموظفون والطبقات الوسطى أو الذين يتقاضون معاشات تقاعدية، هؤلاء يشعرون أن أموالهم تبخرت في البنوك. هناك 20 أو 25 حالة دخل فيها مودع إلى البنك وأخذ وديعته بالقوة، ولكن في البنك كل يوم هناك آلاف الناس يصطفّون لسحب مئة دولار. الطابع الغالب أن الناس مسالمة. عندنا حالات فردية ومشروعة، ولكن أيضاً هناك مَن يقوم بالتحريض بشكل منظَّم، فزيادة العنف وزيادة احتمالية الانفجار الاجتماعي والفوضى، هي عمل ممنهج ومقصود من قبل جماعة السلطة، وبعض الأطراف لزيادة الخوف لدى الناس، ولمزيد من السيطرة ولتصفية حسابات بين بعضهم البعض.
○ هل السرد الذي قدمته يعني أن هناك احتواء للناس، وبالتالي لا خوف من انفجار الوضع؟
• عندما تقولين الخوف من الانفجار، ما يكون مقصوداً به هو حالة من الفوضى التي تتخللها أعمال عنف. الشعب اللبناني مسالم ولا يريد هذا النوع من الفوضى، ولكن هل سيحصل انفجار اجتماعي؟ حتماً سيحدث، لأننا نسير بمسار تدهوري لا يتوقف ولا نستطيع معرفة الأشكال التي سيتخذها، وقد تكون ذات طابع فوضوي وانتفاضات اجتماعية متفرقة في المناطق، بشكل متفاوت، حسب المناطق وحسب القدرة على السيطرة والضغط الذي قد يحصل. الأمثل هو استعادة الحالة – وأنا أشك باستعادتها – التي حصلت في بداية الثورة في الـ2019 أو في الـ2015 عند حراك النفايات بشكل شعبي، بمعنى أن الناس والفئات الاجتماعية ينزلون إلى الشَّارع ويصبحون هم فاعلاً سياسياً. هذا يأخذنا نحو طريق التغيير الذي قد يوصلنا إلى الحل. والأشياء الأخرى ممكن أن تؤدي إلى ارتباك عند السلطة، ويمكن أن تؤدي إلى تعطيل المؤسسات وتحدث أضراراً، وممكن أن تؤدي إلى انهيارات في أركان السلطة وخلق تناقضات بينها، وهذا الشكل لا نستطيع التحكّم به، لأنه لا توجد أحزاب سياسية فعلية تستطيع أن تلعب دورها في عملية التغيير، والأحزاب تسعى لدور داخل السلطة لا أكثر ولا أقل. والشيء الآخر هو أنه ليست لدينا حركات نقابية مستقلة وفاعلة، وحتى رجال الأعمال غير منظمين حتى يكون عندهم مشروعهم السياسي، وضغط سياسي ممنهج، ولدى كثر منهم طموحاتهم الوزارية. والثورة عندما انطلقت تعرضت لضغوطات وتشتت من الداخل، ولم تنتج ببلورة مشروع وطني متكامل وجاذب، ولا في بناء حركة شعبية منظمة قاعديا على غرار ما حدث في السودان، على سبيل المثال، حيث توجد أكثر من 5 – 6 آلاف لجنة مقاومة شعبية تنسّق بين بعضها البعض. نحن لا نملك هذا الشيء، لدينا مجموعات صغيرة كل واحدة تعمل ما يحلو لها. هذا كله يجعلنا لا نستطيع معرفة شكل الانفجار الاجتماعي الذي سيحصل، وما إذا كان سيأخذ أشكالاً فوضوية أو عنفية أو شعبية.
○ ولكن السلطة السياسة لا تبدو خائفة ولا تشعر أن مصيرها على المحك. حتى أمنياً، الوضع مقبول رغم حدة الأزمة، وفق آخر تصريح لوزير الداخلية؟
• يستخدمون تعبير «الأمن ممسكوك». هذا ليس بفضل وزير الداخلية ولا القوى الأمنية، فالأمن غير ممسوك، لكن الشعب مسالم ولا يريد المشاكل. وليس صحيحاً ان الجريمة غير متزايدة. الجريمة تتزايد وبشكل كبير، عمليات الخطف لقاء فدية زادت، وكلل الجرائم التي لها علاقة بالسرقة والاستحواذ على الأموال بالقوة وخلافاً للقانون، والجريمة المنظمة في ازدياد كبير. الجريمة هي عندما تخالفين القانون، والسرقة هي عندما تأخذين مال الغير عن غير وجه حق وبالقوة. عندما يدخل شخص إلى منزل شخص آخر ويسرق تلفزيوناً مثلاً، هذه سرقة. ما يجري اليوم هو سرقة معممة على نظاق واسع. الاستحواذ على ممتلكات الغير بشكل غير قانوني أصبح الشغل الشاغل لكل منظومة الدولة، والمصارف، والصرافين، وتجار المولدات، ومحطات الوقود. هم يسرقون ويخالفون القانون بالمعنى الحقيقي للكلمة. عندما نستورد طحيناً ووزير الاقتصاد مع العصابة الموجودة يسرقون نصف الطحين لتهريبه إلى سوريا مع شركات تهريب ويقبضون الأموال التي بدورها تذهب إلى الصرافين، ويتم ذلك بالتواطؤ مع صاحب البنك ومع مصرف لبنان، والشيء نفسه يحصل في البنزين وغيره.
○ هل نضع هذه الأمور في إطار الفساد؟
• كل دول العالم فيها فساد، بمعنى أن الأمور بنسبتها الكبرى تسير بشكل صحيح وهناك نسبة 10 أو 20 في المئة من التلاعب تحايلاً على القانون. لكن ما يحصل في لبنان هو مخالفة للقانون من قبل المسؤولين عن وضعة وتطبيقه، أي حين يحجز المصرف على الودائع، وحين «يتسلبط» فلان على مولد الكهرباء في الحي ويقول هذه هي التسعيرة، وحين يفرض تجار الأدوية السعر الذي يريدونه، وتتصرَّف المدارس الخاصة على هواها، يبدو مفهوم الفساد لطيفا جدا للتعبير عن هذا الوضع.
○ ما الوصف الذي ينطبق على حالة لبنان، فلتان؟
• ليس فلتاناً، أنا استخدمت تعبيراً في كتاب صدر في الـ2014 أسميته «الدولة الغنائمية»، و«السلوك الغنائمي»، وهناك تعبير آخر جميل جداً استخدمه الدكتور أحمد بيضون أسماه «نظام المُناهبة». «المناهبة» تحصل للمال العام، واليوم تحصل للمال الخاص. أطراف السلطة جميعاً يتناهبون معاً المال العام والمال الخاص: «الشبيحة يأكلون حقوق الناس»، و«الحرامية يأكلون حقوق الناس»، و«الفاجر يأكل مال التاجر»، وليس «الناس تأكل بعضها البعض». على العكس الناس تتساعد، وحين حصل انفجار المرفأ، الناس نزلت بالآلاف ومن تلقاء نفسها لتُساعد.
○ هناك دراسة الإحصاء المركزي حول تطور الأزمة بين 2019 و2021، هل يمكن تحليل بعض أرقامها؟ وها ما زالت صالحة اليوم؟
• قبل الأزمة، كان العمل غير النظامي من دون عقد عمل وضمان اجتماعي، أي العمل المهمّش واليومي يُشكل نحو 50% من القوى العاملة في لبنان، بين لبنانيين وسوريين، وكان نحو 55% من الناس عندهم تأمينات اجتماعية بشكل ما، بما في ذلك تأمينات المنظمات الدولية. ولكن بعد الأزمة بثلاث سنوات، أي في مطلع الـ2022 صار العمل غير النظامي 62% وهذه زيادة كبيرة، أي من كل 10 أفراد هناك أكثر من 6 يعملون عملاً مهمشاً. وهذا المنحى سيبقى تصاعدياً. ولأول مرة الذين عندهم تأمينات اجتماعية أصبحوا 49% ببداية الـ2022، والانخفاض الكبير حصل مع الأشخاص الذين لديهم تأمين مع شركات التأمين الخاصة. وموظف الدولة عنده تأمين وإنْ أصبح بلا قيمة، اليوم الضمان الاجتماعي أو تعاونية موظفي الدولة، كان يغطي 80 أو 85 بالمئة من الفاتورة، اليوم بالكاد يصل إلى 5 بالمئة أو 15 بالمئة، فإذاً هذا تحوّل دراماتيكي كبير. والتحوّل الدراماتيكي الآخر بحسب توزيع الدخل، كان هناك 18% من العائلات دخلها الشهري تحت الـ650 ألف ليرة وهو تقريبا الحد الأدنى للأجور في حينه، والذي كان يساوي 430 دولاراً، وفي الـ2022 الذين دخلهم أقل من 430 دولاراً اصبحوا فوق الـ80%.
○ هؤلاء 18% هم مَنْ كانوا يُدرجون في خانة الأشد فقراً؟
• أنا لا أحب استخدام هذا التعبير، إنما كانوا 18% من العائلات. الآن أصبحوا فوق الـ80%، وهذا الإحصاء أُجري حين كان الدولار يساوي 25 ألفاً. واليوم بفعل الانهيار المتواصل بسعر العملة، أصبحت الأرقام التي نُعطيها عن معدلات الدخل كالبورصة ترتفع وتهبط. ولكن هذا لا يعني أن حجم الفقراء في ظل الأزمة الاجتماعية يتغير بنفس الدرجة، والسبب أنه لم يعد هناك فقر وعدم فقر، إنما هناك تدهور شامل وعملية إفقار شامل بمستوى المعيشة، بحيث إن 80 إلى 85 بالمئة من السكان في لبنان بحاجة إلى مساعدة الآن. نحن اليوم بحالة إفقار شامل، فنحو 80 بالمئة من الشعب بحاجة للمساعدة. حتى الدولة عندما فكّرت بإنجاز البطاقة التمويلية، كان من المفروض أن تضم 750 ألف عائلة، أي 75% من العائلات، وهذا الواقع الفعلي، بالإمكان القول إن في لبنان اليوم 80% من الأسر والعائلات والأفراد بحاجة إلى مساعدة.
الطبقة الحاكمة اليوم لا تقوم بشيء لمعالجة الأزمة، لماذا؟ لسبب بسيط، هم مستفيدون من الأزمة ويجمعون ملايين الدولارات من الأرباح. هناك 20 ملياراً صُرفت من الاحتياطي الإلزامي في البنك المركزي خلال الـ3 سنوات، أين ذهبت هذه الأموال، هل تبخرت؟ هل تمَّ توزيعها على المواطنين؟ لا إنما تمَّ الاستيلاء عليها من قبل الصرافين والمحتكرين والسياسيين. وسيستمرون بذلك عن قصد في عملية النهب إلى ما قبل لحظة من موت النظام، لأن مشروعهم من الناحية الاقتصادية يقوم على فكرة تجميعهم ما أمكن من الأموال، وينتظرون إلى أن يتدهور الوضع أكثر، وفي النهاية سيطرحون، بما لديهم من أموال، حلاً بوضع كل أصول الدولة وأملاكها في صندوق، ومن ثمَّ وضع يدهم عليها او الاستحواذ على ملكيتها. وهم يعملون على هذا الأمر، هذا ليس خيالياً. يتفاوضون مع الدول الغربية على طريقة نحن نأخذ حصة ومستعدون لإعطائكم حصة في النفط والفنادق والمرفأ وقطاع الكهرباء.
○ هل السلطة لا تفعل شيئاً لأنها غير قلقة على مصيرها؟
• هي لا تفعل شيئاً لحل الأزمة أولاً لأن مشروعها هو أن يستمر النهب، هذا هو العقل الغنائمي. وثانياً، لأنها نجحت في تشتيت الحركة الشعبية في لحظة ذروتها، قمعوها بشدة ومنعوها من أن تتبلور. اليوم يحرفون أنظار واهتمامات الناس بإدخال الصراع في زواريب السياسة، على غرار أننا نريد انتخاب رئيس جمهورية. هذا حرف لاهتمامات الناس وإيهامهم بحلول من هذا النوع. الذي سيحدث أنه عندما ننتخب رئيس جمهورية ونؤلف حكومة كاملة الصلاحية ستزداد الأمور سوءاً، لأنه عندما تشكّلت حكومة نجيب ميقاتي واجتمعت أنجزت موازنة زادت فيها الضرائب، والآن الشيء نفسه سيحدث، عندما ستعمل المؤسسات لا بدَّ من السير بـ«الكابيتال كونترول» مثلا وفق صيغة تحمي المصارف على حساب الناس. خطتهم معاكسة تماماً للخطة المطلوبة لحل الأزمة. سيستمرون بنفس السياسات السابقة، بل بسياسات أكثر توحشاً. وعلى كل حال هذه السياسة هي السائدة اليوم في العالم، ويجب ألا نتفاجأ.
○ هل ما زال بالإمكان معالجة الأزمة في لبنان؟
• في اليونان حدثت أزمة، وفي قبرص كذلك، وكل الدول واجهت أزمات، وحتى نخرج من الأزمة فعلياً يحتاج الأمر إلى 10 أو 12 سنة أو حتى 15 سنة، ولكن متى نبدأ بحسابها؟ نبدأ بالحساب منذ أن تبدأ السلطة بوضع خطة للخروج من الأزمة. نحن لم نبدأ حتى هذه اللحظة. الفرق بيننا وبين قبرص واليونان، أن قبرص أنجزت «الكابيتال كونترول» فورا وإجراءات أخرى، وقالت هذا هو الحل بمعزل عما إذا كان ظالماً أم لا. نحن في لبنان ليس لدينا السلطة أو الجهة الراغبة والمفوضة والموثوق بها لحل الأزمة. جاء صندوق النقد الدولي الذي يُنظر إليه على أنه رمز الرأسمالية العالمية، ليقدم مساعدة لحل الأزمة النقدية، فإذا بالقيميين على المصارف يصفون اقتراحاته بالاقتراحات الاشتراكية والشيوعية، فقط لأنه طالب بقليل من العقلانية في إدارة الاقتصاد ويقول لهم أنكم لا تستطيعون أن تمصّوا دم الشعب إلى هذا الحد. على كل، اعتبر البنك الدولي في أحد تقاريره ان السلطة الحاكمة هي المسؤولة عن الأزمة وتُعمّقها عمدا. لا أعتقد أن هناك حالة كحالة لبنان بإشكالاته السياسية والمؤسساتية.
مدخل الحل هو حل سياسي أو بالأحرى تغيير سياسي. ولا حل إذا لم يتم كسر حلقة هذه السلطة وإنتاج سلطة سياسية جديدة ترسم مسار الحل العادل والتضحيات التي ستكون لسنوات طويلة، على أقله عشر سنوات.
○ البعض راهن على الانتخابات النيابية، فإذا بالنتائج تُعيد تفويض الطبقة السياسية نفسها، وحتى كتلة التغييرين التي خرقت ما زال أداؤها مربكاً وقاصراً.
• التصور بأن الانتخابات النيابية قد تنتج مساراً تغييراً كان تصوراً وهمياً. ما كان يمكن لصناديق الاقتراع في ظل القانون الانتخابي الحالي أن تفعل أكثر مما فعلته، أي إيصال 12 أو 13 نائباً من خارج الطبقة الحالية. الضغط الشعبي والسياسي هو الكفيل بإحداث التغيير، هذا هو الحل، لكني لا أدري إن كان سيحصل أم لا. في اعتقادي لو استطاعت «ثورة تشرين 2019» أن تستمر لعدة أشهر، وأن تنظِّم نفسها بطريقة أفضل، ولو اشتغلت النقابات وجمعية الصناعيين بطرق مختلفة، ولو ذهبت الناس إلى إضراب عام، كانت النتائج ستكون مختلفة، وكنا على الأرجح سلكنا الطريق إلى عملية التغيير. ما حصل أن «ثورة تشرين» خلخلت الائتلاف الحاكم، ونسفت التسوية الرئاسية التي حصلت عام 2016 والتي عمل «حزب الله» عليها منذ «اتفاق الدوحة» 2008. انفراط عقد التسوية في 2019 غيّر في التوازنات وأخرج تيار سعد الحريري منها، وتحوَّل الصراع ضمن أركان التسوية. كانت الفكرة المطروحة في «الثورة» أن تستقيل حكومة الحريري وتأتي حكومة مستقلين بصلاحيات استثنائية من خارج الطبقة السياسية الحاكمة، ولكن المنظومة نجحت في الالتفاف على الحل، عبر تشكيل حكومة تكنوقراط ممسوكة سياسياً من الخلف تفاقمت معها الأزمة.
○ يُطالب صندوق النقد بإصلاحات لمساعدة لبنان وكذلك تشترطها الدول المانحة فيما السلطة تناور. ما الذي يمكن أن نتوقعه؟
• ما يُسمى بالإصلاحات المطلوبة ليست سوى مبادئ بديهية لتنظيم اقتصاد السوق، وليست الحل لوحدها. أنا لم أرَ أن الدول الأجنبية صادقة في قولها بمساعدة لبنان. جاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 لابتزاز الطبقة السياسية. قام باستعراض شعبي في الجميزة (حيث منطقة التفجير) ثم عاد بعد أسابيع ليجمع في قصر الصنوبر (مقر السفارة الفرنسية) القوى السبع (تيار المستقبل، وحركة أمل، وحزب الله، والتيار الوطني الحر، والحزب الاشتراكي، وتيار المردة، وحزب القوات) مضيفاً حزب الكتائب، بهدف وحيد هو محاولة إعادة إحياء التسوية الرئاسية، ما يعني إعادة تجديد الأزمة. وهذا ما يفعله اليوم. أما الأمريكيون، فرغم كل الكلام الكبير بينهم وبين «حزب الله» فقد أنجزوا ترسيم الحدود البحرية الجنوبية. وهو اتفاق تجاري مالي ربحي وشراكة بين دولة إسرائيل وبين «حزب الله» وليس الدولة اللبنانية، برعاية أمريكية. والأطراف الخارجية والداخلية عينها على الصفقات.
ما يُفسح المجال لذلك هو عدم وجود السلطة الوطنية التي يمكن أن تحقق توازناً سياسياً. العامل الوطني غائب وهو مُستبدل بأطراف فئوية إما تعمل صفقة سياسية هنا أو صفقة مالية تجارية هناك.
○ هناك مَن يرى حاجة إلى نموذج اقتصادي جديد، أي «طائف اقتصادي» وهناك مَن يسأل لماذا لا نتوجه شرقاً؟
• النموذج الاقتصادي اللبناني فشل، ولكن مخطئ من يعتقد أن النموذج الراهن هو النموذج الاقتصادي اللبناني الذي كان قائماً بين 1943 – 1975 (منذ الاستقلال إلى بداية الحرب الأهلية)، ذلك أن تغييرات عدة قد حصلت. والموضوع ليس التوجه غرباً أو شرقاً، بل هل نريد أن نعتمد نموذج نمو اقتصادي متوحش – نيو ليبرالي، أو نموذج اقتصادي «دولتي»، أو نريد الذهاب إلى المفهوم التنموي والنماذج الاقتصادية التنموية التي هي الحل الوسط ويمكن أن تكون مقبولة. ليس نموذج 1943 ولا النموذج الذي أتى به رفيق الحريري ولا نموذج إيران وسوريا ولا النموذج الغنائمي الذي نعيشه اليوم. ما نريده ليس طائفاً اقتصادياً بل دولة تنموية، أي اقتصاد يقوم على مفهوم التنمية يضمن حماية اجتماعية شاملة وقطاعات منتجة. المطالبة بالتوجه شرقاً لا معنى لها بالمفهوم العلمي أو الاقتصادي، معناها أننا في التبادلات التجارية نريد أن نعمل مع كل الدول وألاّ نضع فيتو على أحد. وهذا أمر جيد، ولكن هل التوجه شرقاً يُغيّر من قواعد الاستثمار؟ هناك استثمارات صينية هي أبشع أنواع الاستغلال والاستعمار الاقتصادي للدول الأفريقية ولدول أخرى ديّنتها الصين.
○ أي مصير ينتظر اللبنانيين؟
• اللبنانيون في المدى المنظور ما زالوا في مسار التدهور والانهيار. عادة لا يبقى مسار الانهيار إلى ما لا نهاية، بل ستأتي لحظة إما داخلية أو خارجية تُوقفه أو تُحدث انعطافة فيه. شرط نجاح اللحظة الداخلية هو حصول ضغط شعبي وسياسي حقيقي يجعل الناس فاعلين سياسيين. وشرط نجاح اللحظة الخارجية التي يكثر الكلام عنها، هو مبادرة خارجية تضم قوى خارجية متعددة ومتنوعة لديها نفوذ وتأثير تكون متفقة على حد أدنى وجدية في فرض هذا الحد الأدنى. تلك المبادرة يجب أن تكون «مدوزنة» مع التطورات الإقليمية والاتفاق – في حالتنا – مع إيران، وتحتاج إلى عدم وجود ممانعة شديدة وعنيفة داخلياً من قبل «حزب الله» وبعض الأطراف الفاعلة كي لا تُعطلها. إمكانية هكذا مبادرة تبقى قائمة نظرياً، وإن حصلت ستكون محطة استراحة لبعض سنوات ومحطة صراع جديد ربما بأشكال أقل عنفاً من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والمالية وحتى أقل عنفاً من الناحية السياسية، فهناك مَن يعتبر أن لا مصلحة لأحد خارجياً بأن ينفجر لبنان.