تذكرت، مع وفاة الشاعر عز الدين المناصرة، مؤخرا، الاسم الذي اختاره لأحد دواوين شعره، «لن يفهمني أحد غير الزيتون» وهو عنوان عبقريّ، لأنه يختصر التراجيديا الفلسطينية، كونه يجمع بين عناصر تنتج عن اجتماعها فذاذة شعريّة فائقة، كما يفعل الكيميائيون حين يخلطون أحماضا، أو أوكسيدات مع مواد عضوية فينتجون استعراضا لونيا مذهلا، أو تراكيب جديدة غير مألوفة.
ذكرى وفاة الشاعر أعادت أيضا ذكريات سوداء عن صراع داخلي حصل في مكتب منظمة التحرير في بلغاريا، بعد تقرير رفعه الشاعر إلى ياسر عرفات، فنتجت عنه عملية انتقام من مدير المكتب آنذاك، فأمر بخطفه وتعذيبه، وهي حادثة مزعجة ومثيرة للتفكّر لشعراء ومثقفين وكتاب كثر، عانوا من العلاقة من إشكالات الفكر والتنظيم، خصوصا في المجموعات الماركسية والثورية، فغالبا ما ينتج سوء فهم متبادل بين المثقف، الذي يستخدم قلمه لتصحيح ما يعتبره اعوجاجا، وبعض عناصر الأجسام الثورية، التي لا «تفهم الزيتون» وتفضل التعامل بالقبضة والسجن وأداة التعذيب لتحقيق «أهداف الثورة»!
هناك حادثة أخرى مشابهة رُويت لي (وربما يساعد من يقرأون هذه المقالة في تثبيتها أو نفيها) عن خلاف جرى بين روائي فلسطيني معروف وأحد العناصر العسكرية، على متن إحدى السفن التي حملت العناصر المحسوبة على الفصائل الفلسطينية من بيروت بعد اجتياح عام 1982 الإسرائيلي، وانتهت الحادثة بفعل شائن شديد الإهانة للروائي، وقد ارتبطت هذه الحادثة المرويّة في ذاكرتي بقصيدة قصيرة بديعة لمحمود درويش بعنوان «مطار أثينا» التي تجمع بدورها متناقضات التراجيديا الفلسطينية في لحظة الخروج من بيروت عام 1982، يقول في مستهلها: «مطار أثينا يوزعنا للمطارات. قال المقاتل: أين أقاتل؟ صاحت به حامل أين أهديك طفلك؟ قال الموظف: أين أوظّف مالي؟ فقال المثقف: مالي ومالك؟».
منع الكراهية باتجاه واحد!
تحمل التراجيديا الفلسطينية في اشتباكها مع المسألة اليهودية عناصر محلية وإقليمية وعالمية معقدة وخطيرة، بشكل يجعلها مؤثرة في التوازنات السياسية الداخلية لكثير من دول العالم، كما يجعلها تنفجر بأشكال عسكرية وسياسية، (وبالتالي فيزيائية وكيميائية وشعرية) جديدة كل بضعة سنين (أو شهور حتى) وكانت أحداث الشيخ جراح والأقصى وغزة الأخيرة، أحد هذه الانفجارات الساطعة، وقد احتوت، مرة أخرى، عناصر تعيد التأكيد على الصراع المأساوي بين الأقوياء والمستضعفين، كما تبتكر عناصر جديدة تعكس أشكال صراعات جديدة.
إلى جانب الصواريخ والمدفعية والطيران والبوارج، حضر الصراع الرقمي، وكما اضطر الفلسطينيون ومناصروهم، لتجاوز الأسوار العالية، والتكنولوجيات الهائلة التي تحاصرهم، لحفر الأنفاق، وصناعة الصواريخ، كذلك اضطروا، بعد أن قابل وزير «الدفاع» الإسرائيلي إدارات المنصات الرقمية، وطالبها بمحاصرة المضمون المتعاطف مع الفلسطينيين، وهكذا اتفق العملاق الإسرائيلي مع عمالقة الإنترنت، وبدأت أشكال الحظر ووقف الحسابات، اعتمادا على خوارزميات تترجم الكلمات والألفاظ المحظورة، وترد براجمات المنع والعقوبات الرقمية، وحسب تقرير أصدره المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي في 9 أيار/مايو الماضي فقد «حذفت مئات المنشورات والحسابات، التي توثق الانتهاكات الإسرائيلية، حتى بات حجم حالات إزالة المحتوى وتعليق الحسابات، دليلا واضحا وصريحا على الاستهداف الممنهج لهذا المحتوى».
وكما اضطر الفلسطينيون ومناصروهم، لتجاوز الأسوار العالية، والتكنولوجيات الهائلة التي تحاصرهم، لحفر الأنفاق، وصناعة الصواريخ، كذلك اضطروا، بعد أن قابل وزير «الدفاع» الإسرائيلي إدارات المنصات الرقمية، وطالبها بمحاصرة المضمون المتعاطف مع الفلسطينيين.
المفارقة الكبرى التي حصلت، وأدت إلى انكشاف انحياز بعض عمالقة الإنترنت الفاضح للأقوياء، هي أن تلك المنصات التي تدافع في سياساتها العامة عن حرية التعبير، بدأت تحذف منشورات ترصد انتهاكات جيش محتل ضد محتجين سلميين، بحيث منعت قصص الدفاع عن أهالي حي الشيخ جراح، وتضامن أشخاص مشاهير معهم، وتحوّلت ادعاءات منع الكراهية والعنصرية، إلى منع شرائط فيديو ليست فيها مخالفة من أي نوع، يصور حوارا بين فلسطينية ومستوطن يقول إنه لو لم يسرق بيتها فسيسرقه غيره!
تبيّن للمتابعين أن حرية التعبير تسمح بظهور خطابات العنصريين البيض، لكنّها تتوتر حين يكون المحتوى يخص مجتمعات مضطهدة كفلسطين (تم حجب صفحة وزارة الصحة الفلسطينية في غزة 3 مرات) وكشمير، في المواقع الغربية، وفي حين سمح موقع «تيك توك» الصيني بنمو المحتوى الفلسطيني (رغم موافقة إدارته على بعض طلبات إسرائيل بعد الاجتماع مع بيني غانتس) لكنّه يضع رقابة صارمة على كل ما يتعلق باضطهاد الأيغور الصينيين.
ثورة النقاط: فيسبوك يطلب التفاوض!
كما رجع المناصرة إلى الزيتون، الذي يمد جذوره عميقا في الأرض والتاريخ والجغرافيا، بدأ ناشطو العالم معركة رقميّة، استعادوا فيها حلولا قديمة جدا، فعاد كثيرون منهم إلى استخدام الأبجدية العربية القديمة، التي كانت حروفا من دون نقاط بحيث لا تستطيع الخوارزميات تبين معانيها، ولجأ آخرون إلى طرق لتشفير كلماتهم عبر استخدام فواصل وحروف أجنبية وسط الكلمات العربية. إحدى التجارب المذهلة كانت كتابة الصحافي المصري محمد حمامة لمقالة كاملة خالية من النقاط بعنوان «الاٮساں صد الاله: ٮوره الٮٯاط العرٮىه» (أي: الإنسان ضد الآلة: ثورة النقاط العربية) وقد اكتشفت، كما فعل كل من تمكنوا من قراءة المقالة، أن حذف النقاط جعل القراءة أصعب قليلا، في الفقرات الأولى، لكنّ القارئ سرعان ما يعتاد على رؤية حروف دون نقاط، ويتمكن من قراءة المعاني الموجودة. لقد جعلت الحروف غير المنقطة القراءة ممتعة أكثر، ولم تمنع القارئ أبداً من فهم المقصود، كما تغلبت، ولو إلى حين، على الذكاء الاصطناعي الذي لا يمكن أن يجاري العقل البشري. إضافة إلى اللجوء لهذه «الأسلحة» في مكافحة حصار وتضييق وعقوبات فيسبوك وتويتر وأنستغرام للمستخدمين، ابتكر الناشطون أساليب رقميّة أخرى تحارب هذه المنصات بطرق ديمقراطية وشعبية، وكان من تلك الأساليب دعوة الناشطين لخفض تقييم شركة فيسبوك على المنصات الكبرى للتقييم كغوغل وأبل وأندرويد، وقد كان هذا الأسلوب مؤثرا، بحيث عقدت شركة فيسبوك اجتماعا مع شركة أبل لتعديل تقييم الموقع، بعد أن انخفض بشكل غير مسبوق، وقد رفضت شركة أبل الطلب، وعلمنا بعد ذلك أن فيسبوك وعد بمراجعة سياسته في التعامل مع المحتوى الفلسطيني، كما قامت إدارة أنستغرام بفتح باب الحوار مع الناشطين الفلسطينيين.
لقد تمكّنت إسرائيل، في الجولة الأولى، من فرض هيلمانها الهائل بأنواع الأسلحة، كما برفع عصاها الثقيلة في المجال الرقميّ، لكن بعد أن شهدنا رفع أعلام الدولة العبرية في النمسا، وأشكال إعلان التضامن الأوروبي معها، راقبنا سقوط الصواريخ البسيطة على المستوطنات واقترابها من تل أبيب وديمونا، كما شاهد العالم سقوط الأبراج ومشاهد قتل الأطفال بالتوازي مع محاولة موازنة رواية القويّ حول تعرضه للإرهاب مع سرديّة الضعيف الذي أخرج من أرضه، ثم طورد في المخيمات التي لجأ إليها، وردا على أشكال المنع والحظر التي مارسها عمالقة الإنترنت، لجأ الناشطون إلى التلاعب بالذكاء الاصطناعي وخوارزميات الإنترنت والتصويت الديمقراطي على تخفيض القيمة الاعتبارية لأولئك العمالقة، كما راقبنا هبوط أعلام إسرائيل عن مبنى مستشار النمسا، ومطالبة أنغيلا ميركل بدور لـ»حماس» واعتذار فيسبوك من الفلسطينيين!
كاتب من أسرة «القدس العربي»