سعيد بن الهانيأندريه ميكيل Andr’ Miquel ولد سنة 1929 بميز M’ze في ليرو كاتب، روائي، شاعر، متخصص في الإسلام واللغة العربية، ألف ما يقرب من ستين عملا، وكتب حوالى مائتي مقالة. بعد المدرسة العليا للأساتذة (1950-1953)، والتبريز في مادة النحو، أتقن العربية بالمعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق (1953-1954) كلف بمهمة في إثيوبيا، ثم عين أستاذا بثانوية بليز باسكال في كليرمون فيرون. دخلquai d orsay الكيدورسي (1957-1961) كمسؤول عن قطاع افريقيا-آسيا في مديرية الشؤون الثقافية. لكن بعودته من مهمته في الجمهورية العربية المتحدة (1961-1962) قرر التخصص بشكل حاسم في البحث والكتابة. عمل أستاذا مساعدا للغة والأدب العربيين بجامعة ايكس- بروفانس (1962-1964)، ثم بقطاع المدرسة التطبيقية للدراسات العليا (1964-1968)، تخصص في دراسة الجغرافيين العرب للحقبة الكلاسيكية (دكتوراة في الآداب، 1967)، بعد قضائه سنتين بالجامعة الجديدة باريس-8-Vincennes وست سنوات بجامعة باريس كان التتويج: في سنة 1976 عين أستاذا بالكوليج دوفرانس للغة والأدب العربيين الكلاسيكيين. شغل هذا المنصب إلى حدود 1997، فضلا عن تحمله مسؤولية الموجه العام للمكتبة الوطنية (1984-1987)، ثم موجها بالكوليج دي فرانس (1991-1997). ومنذ سنة 1997 لم ينقطع عن تخصيص وقته لعمله العلمي والأدبي وخصوصا بعد أن أصبح واحدا من أكبر المستشرقين الفرنسيين في زمننا. جرى لنا معه هذا الحوار بمناسبة ظهور عمله الترجمي الجديد بالاشتراك مع المفكر والباحث جمال الدين بن الشيخ لألف ليلة وليلة في منشورات لابلياد، بعد مرور أربعين عاما من النشر المخصب له ما يقرب من أربعين مؤلفا حول الإسلام وثقافته، له روايات وحكايات وقصائد، باحث عاشق لحرارة المعرفة المرحة، مهووس بنقلها إلى الأجيال اللاحقة. لقد أصبح واحدا من أكبر المتخصصين المعروفين عالميا باهتمامهم بالأدب العربي، بل من أكبر المستشرقين في زمننا. * بيير مارك دي بيازي: من أين جاءت غواية الشرق؟ هل من قراءاتك الأولى في الطفولة؟* أندريه ميكيل: ليست من الطفولة. ما هو حقيقي، حدث في خان Khëgne، بمونبيلييه، بعد أن قرأت في سن الثامنة عشرعاما ترجمة للقرآن، قام بها ‘سفري’ Savary، أغوتني هذه الترجمة. فاهتممت بها واقعيا، ولكنها كانت أيضا طريقة بالنسبة لي كي أتميز بها عن الآخرين. كل واحد يبحث عن أن يظهر بمظهر ما، تفرد فيه شيء من التفاخرية بالنسبة لي أنا كانت النزعة الاستشراقية هي القضية. وكي أكون دقيقا يجب القول بأنه قبل هذا التاريخ، في سنة 1946 بالثانوية حصلت على الجائزة الثانية للمباراة العامة للجغرافيا: ثمنها السفر إلى المغرب العربي، الذي ترك عندي عبر المناظر الخلابة لتونس، الجزائر، المغرب انطباعات قوية.* بيير مارك دي بيازي: جميع الأمور كانت تتقرر بسرعة مع ذلك، ما دمت قد بدأت دراسة اللغة العربية منذ 1950، بدخولك إلى المدرسة العليا للأساتذة وأنت في العشرين من عمرك لم يكن القرار عاديا.* أندريه ميكيل: نعم لم تكن نيتي الأولى تعلم العربية، ولكن الفارسية. كنت أقول في العمق، أن أضيف إلى اللغات التي أعرفها جيدا الفرنسية، اللاتينية، اليونانية والألمانية، لغة خامسة هند – أوروبية، بإمكانه ان يؤدي ذلك بي فيما بعد إلى دراسات لسانية أو الأدب المقارن. ذهبت إلى مدرسة اللغات الشرقية حيث أفهمني الرئيس المكلف ماصي بأنه لا مستقبل لي في الدراسات الإيرانية ما دام هناك منبر (كرسي) واحد وقد تم تخصيصه سلفا لزميلي وأكبر مني سنا جيلبير لازار. وهكذا حدثت لي مفاجأتان باكتشاف أن طالبا في المدرسة العليا للأساتذة كانت له موهبة الاشتغال بالنزعة الاستشراقية قبلي (لقد التقيت آخرين فيما بعد لكن بعد عشرين عاما لانشك في شيء). لم تكن امكانية ممارسة الفضول الثقافي إلا انطلاقا مما هو متاح. بإيجاز، فقد غيرت اتجاهي من الفارسية إلى العربية فقد استكملت دروس اللغات الشرقية، ولكنني اشتغلت خاصة لوحدي مع مختصرمن النحو، حيث كنت أقوم بتمارين صحبة طالب مغربي، من أجل اللذة وبدون هدف محدد. لقد أدت بي سنتي الثالثة في المدرسة العليا إلى الإنسانيات، والسنة التي بعدها كان التبريز في النحو، وفي سنة 1953، حصلت على منحة بالمعهد الفرنسي بدمشق كي أتقن العربية. * بيير مارك دي بيازي: 1953-1954 إذا لم أخطأ، كانت حقا حقبة مضطربة في سورية، ألم يحدث تغيير في النظام؟ كيف كان الجو السياسي؟* أندريه ميكيل: نعم كانت هناك اضطرابات – سقوط الشيشكلي في شباط/فبراير 1954، أظن لك- فقد كانت ثورة يقظة جدا. بالفعل، كنا نتجول في كل بلدان الشرق الأوسط بكامل الاطمئنان. فقد كان بإمكاننا الذهاب إلى العراق بالحافلة عبر الصحراء. من جهة أخرى فقد خصصت تلك السنة في سورية لاكتشاف المنطقة: أصبحت متزوجا وقد سافرت لقضاء شهر عسل رائع. ومع ذلك بدأت بتأليف كتابي الأول: ترجمة كتاب كليلة ودمنة النسخة العربية لحكايات بيدبا، نصوص هندية أصلية، انتقلت إلى التراث الفارسي ثم العربي. ظهر الكتاب سنة 1957 في منشورات Klincksieck كنت قد بدأت تأليفه في سنة1954بدمشق.* بيير مارك دي بيازي: توقف عملك في سنة 1954-1955 بسبب الخدمة العسكرية، ثم بمجرد عودتك إلى الحياة المدنية، وبغرابة وقع اختيارك على منصب دبلوماسي، لماذا؟* أندريه ميكيل: بالفعل، كانت رغبتي الوحيدة هي الذهاب إلى الشرق الأوسط واستئناف أشغالي حول الثقافة العربية. طلبت منصبا في معهدين إما القاهرة أو دمشق. وقيل لي بأنني إذا لم أكن مبرزا في العربية لن يكون لي أي حظ. وذهبت عندئذ لأطرق بابا اخر بالشؤون الخارجية. والمنصب الوحيد الممكن كان هو إثيوبيا. ذهبت لمدة عام وفهمت بسرعة أنني ضللت الطريق، رجعت إلى فرنسا كأستاذ بثانوية بلاز باسكال لكلارمون فيرون أتذكر هذه السنة 1956-1957 كلحظة سعيدة. كان لدي أصدقاء جيدون وبالجامعة، فوكو، فيلمان فالي.. الخ. كنا نلتقي بين الفينة والأخرى. كانوا يرون تأسيس شيء معي بكليرمون. أظن أن الأمور قد تم توجيهها، كما لو أنه حدث فجأة في لحظة ما، وكمفاجأة كبيرة بالنسبة لي، فالأشخاص الوزاريون الذين استدعونني من إثيوبيا لأنني كنت جريئا لأقول لهم بأنهم يوظفون أشخاصا لا يفعلون أي شيء، استدعونني الى Orsa Quaidكي يسندوا لي مسؤولية دول إفريقيا وآسيا في خدمة التعليم والمؤلفات: إفريقيا، إفريقيا الفرنكوفونية، وآسيا، وبشكل أقل أسيا الهند-الصينية. ومنذ سنة 1957 إلى سنة 1961قضيت أربع سنوات في وزارة الشؤون الخارجية.* بيير مارك دي بيازي: 1957 كانت أزمة السويس. قطعت العلاقات الدبلوماسية بين فرنسا ومصر، بينما بالضبط مرت أربع سنوات بعد ذلك قادتك مسؤولياتك Quai D’Orsay إلى القاهرة وهو الشيء الذي كان يتوافق جدا مع مشاريعك؟* أندريه ميكيل: نعم، في خريف 1961، فقد ذهبت إلى القاهرة كمكلف بمهمة ثقافية لإعادة فتح المؤسسات الفرنسية في مصر، في تمديد بيان زوريخ لسنة 1959: ثانويات القاهرة والإسكندرية، المعهد الفرنسي لأركيولوجيا الشرقية، مدرسة الحقوق، والمدارس الدينيةôإلخلقد كانت الوضعية في عين المكان بالنسبة للفرنسيين معقدة جدا منذ 1956. انضافت مهمة أخرى تقضي الاهتمام بمصير ممتلكات الفرنسيين الذي منحهم الرئيس ناصر الجنسية المصرية.
في لحظات الذهاب، أخذني إحساس أن طريقي قد رسمت كاملة: سأبقى في القاهرة لبعض السنوات من أجل كتابة أطروحتي الرئيسة حول ‘السينما والأدب في مصر المعاصرة’، ثم سيمنح لي منصب في الجانب الثقافي، وفي النهاية، سأطلب إدماجي في السلك الدبلوماسي. ذهبت إذن إلى القاهرة معتبرا ذلك مرحلة والحلم كان يوما ما أن أصبح سفيرا.* بيير مارك دي بيازي: لكن الأشياء أخذت بسرعة منحى آخر: لقد صادف مسارك الشخصي اللا متوقع والحالة هذه العنف والاعتقالô* أندريه ميكيل: لقد جئت في أيلول/سبتمبر 1961، وفي شهر تشرين الثاني/نوفمبر تم استدعائي من طرف الشرطة. وجدت نفسي صحبة فرنسيين في قبضة المصالح المختصة. تم اتهامنا بالتجسس لا فائدة من القول بأن الاتهام لم يكن له أي معنى. لقد قضيت أربع وعشرين ساعة معصوب العينين بدون أن أعرف أين أنا ولا ماذا سيفعلون بي. فالاستنطاقات لنقل ذلك كانت ‘عضلية’ استغرقت عشرات الأيام، وبعد ذلك كان انتظار المحاكمة سجنت لمدة خمسة أشهر. من تشرين الثاني/نوفمبر 1961 إلى نيسان/أبريل 1962 خمسة أشهر لم تتمكن من خلالها الدولة الفرنسية من إخراجنا من هذه الورطة. لكن في غضون ذلك، انتهت الحرب في الجزائر، ودشن أفق اتفاقات افيان Evian علاقات جديدة مع الدول العربية. أخيرا، أوقف ناصر المحاكمة وتم إرجاعي إلى الوطن. لم تطلب فرنسا ولو مجرد حتى إصلاحات معينة لجبر الضرر عندما أعيدت العلاقات الدبلوماسية إلى مجراها.* بيير مارك دي بيازي: أتصور أن هذه التجربة كانت بالنسبة لكم منعطفا وذكرى يصعب نسيانها.* أندريه ميكيل: لقد مرت سنوات معينة وأنا أستيقظ مذعورا ليلا بسبب ان بابي اخترقت بضربات الحذاء حينذاكô لكن من جهة أخرى، لقد كانت هذه التجربة بالنسبة لي لحظة استيعاب، دفعني السجن إلى التأمل، قضيت خمسة أشهر كي أقول مع نفسي تحديدا أنه لا يوجد عمل أفضل من عمل البحث والكتابة. برجوعي من القاهرة، كانت الأشياء واضحة تماما بالنسبة لي، وانطلاقا من هنا، قطعت مساري الجامعي بطريقة عادية كلاسيكية تماما: عامين بجامعة ايكس، ثم من سنة 1964 إلى 1968 قضيت أربع سنوات بالشعبة (6) للمدرسة التطبيقية للدراسات العليا، والتي أصبحت فيما بعد LEHESS…..* بيير مارك دي بيازي: إنها حقبة أبحاثك في الدكتوراة. لكن منذ تلك اللحظة تخليت عن ‘السينما المصرية’ إلى جغرافيي الحقبة الكلاسيكيةô* أندريه ميكيل: نعم، لقد غيرت الموضوع، وخصصت أطروحتي التكميلية (1963) إلى معالجة بيان الجغرافيا العربية -التوزيع الأفضل من أجل معرفة الأقاليم للمقدسي- بالاشتغال على نص القرن العاشر، أما أطروحتي الرئيسة لسنة 1967، فقد استكملت الدراسة في هذا المجال الواسع للجغرافيا الإنسانية للعالم الإسلامي إلى حدود منتصف القرن 11 ، لقد كان السؤال هو: كيف يمكن موضعة وتأويل خطاب الجغرافيين في الأدب العربي للعصر الوسيط؟ لقد شغلني هذا السؤال لمدة طويلة.
لم يكن مؤلفي الأول المعنون بـ ‘الجغرافيا والجغرافيا الإنسانية في الأدب العربي من الأصول إلى 1050’، غير اللحظة الأولى في بحث طويل عن كل صور الحياة، والعمل والطبيعة والمجتمع التي تخترق كتابة الجغرافيين. توالت بعد ذلك ثلاثة كتب أخرى: – تصوير الأرض والغريب 1975.- الوسط الطبيعي 1980.- الأشغال والأيام 1988. في العمق، كان هذا البحث ثابتا (خلال) خمسة وعشرين عاما. أما بالنسبة للدراسات العربية هنا بالتأكيد يوجد مركز القوة في بحثي وهنا يكمن جوهر إسهامي.* بيير مارك دي بيازي: في سنة 1968 بدأ عملك بالتمتع باعتراف شعبي واحد عند الناشر Armin Colin، في مجموعة Destins de monde، مصائر العالم نشرت كتاب الإسلام والحضارة القرنين (7-20): تجلى تميز هذا العمل في تتويجه من طرف الأكاديمية الفرنسية. كان بإمكانك التمتع بشهرة مريحة. ولكن العكس: غادرت المدرسة التطبيقية للتدريس في هذه الجامعة الكبريتية والصغيرة لفانسين.* أندريه ميكيل: نعم بالفعل، على الجبهة، وجدت صديقي فوكو، بقيت مدة عامين وبعد ذلك من سنة 1970-1976 درست بجامعة باريس III، Censier قبل أن أعين في سنة 1976 أستاذا بالكوليج دي فرانس التي بقيت فيها إلى حدود 1997 مع بعض الالتزامات: المكتبة الوطنية التي كنت موجهها العام بين سنوات 1984-1987، ومنصب موجه الكوليج بين سنوات (1991-1997) مع احتفاظي بتلقين دروسي بشكل طبيعي.* بيير مارك دي بيازي: مع استمرارك في نشر مقالات رائعة وأعمال مدهشة: قرابة 25 كتابا بين السنوات 1976-1997، وعشرات الكتب الأخرى بين 1997 إلى يومنا هذا. لنعد إلى مسارك الفكري (الثقافي) لقد كانت عودتك من القاهرة منعطفا حاسما. كيف ذلك؟ * أندريه ميكيل: بعودتي إلى Aix إيكس، التقيت في إطار لقاء مهم بجورج ديبي الذي أفهمني، وجعلني أقول له ما أريد قوله وفعله واقعيا: أن أكون باحثا، وأن ‘أكتب’ مع إنجاز البحث وأن أنقل اكتشافاتي إلى الطلبة والعموم، إنها مسألة النقل والتوصيل. لقد كان ذلك السؤال جوهريا كذلك عند دوبي. حقيقة وفي هذه اللحظة ولدت بيننا علاقة تشارك. فقد كان السؤال بالنسبة لنا: لمن نكتب؟ توجه بالتأكيد المقالات العلمية للمتخصصين، إنها ضرورة العمل. فقد كانت هناك أيضا- وقد كان ذلك جوهريا- الكتب الموجهة إلى كل القراء: وهنا أردت دائما أن أكون مثل صديقي دوبي واضحا، وشفافا أكثر مما تسمح به اللغة: بالمعنى الأفضل للمصطلح، وأكثر ‘أدبية’ مما يمكن أن أكونه علميا.* بيير مارك دي بيازي: تعتبرون من جهة أخرى مؤلفا لحوالى عشرين حكاية، روايات ومجموعات شعرية. كما نتذكر ذلك في سنة 1971 عند Flamnarion: نشرتم الابن المنقطع ثم ‘ليلى’ وعند Seuil: نشرتم سنة 1984 أسطورة تريستان Tristan وإيزوت Iseut وأخيرا في منشورات دومان: نشرتمLe-languedoc-et-lenfance ô في العمق مجموع عمل أدبي مكتمل وقابل للاعتبار. عمل أدبي حول الحياة، الحب، الموت والذي يتقاطع من جهة أخرى ويزيد في طول عمر العمل العلمي: مثلا فمن التحليل إلى إعادة كتابة أسطورة العشق (الحب)ô* أندريه ميكيل: نعم، لكن حقا، تعتبر تجربة الكتابة الأدبية بالنسبة لي غير متعارضة مع تجربة الباحث لا بواسطة وسيلة التعبير، ولا حتى في الموضوع نفسه للبحث لأنه في العمق، باشتغالي على الجغرافيين العرب، وتساؤلي ما إذا كانت نصوصهم تقوم على العلم أو الأدب، بتساؤلي حول ثقافتهم، وبحثي عما يمكن أن تكون رؤية هؤلاء المسلمين الوسيطيين للعالم الذين يسمون بالجغرافيين، وبترجمة النصوص وتطبيق ما يسمى بتاريخ الذهنيات الذي يهتم باليومي، فقد وجدت نفسي في مواجهة هذا السؤال: ماذا يعني تمثيل الواقع؟ ماذا يعني الجبل؟ والحدود، المدينة، ماا تعني المرأة والعمل في الحقول؟ بينما، وعلى أساس هذا السؤال التصويري، كيف يمكننا أن لا نكون يقظين تجاه التلفظ، واللسان والطريقة التي تصاغ بها كل صورة؟ فالعلم والأدب غير قابلين للانفصال.* بيير مارك دي بيازي: بعيدا عن الجغرافيين، لقد ضاعفتم اختراقاتكم وخرجاتكم في مجالات عديدة للتمثيل الأدبي: الشعر، وخاصة القصيدة العاشقة (قصيدة الحب)، المجنون، حماقة الحب، المناظر الطبيعية، بل حتى علم الحيوان: مثلا صورة الدب في الثقافة الإسلاميةô لماذا حيوان الدب؟* أندريه ميكيل: أحنو كثيرا على هذا الحيوان، لقد كنت راغبا في معرفة كيف يراه الدين الإسلامي. كما أنني سمحت لنفسي بالقيام بجولة استكشافية في أدب الحروب الدينية مع هذا الرجل النبيل، أسامة بن منقذ نشرت كتاب الذكريات في المطبعة الوطنية سنة 1983. وانعطافة صغيرة بواسطة القرآن، مع سورة 56، أما الحدث الذي ترجمته من أجل odile jacob كان سنة 1992. وهناك بالتأكيد أيضا ألف ليلة وليلة، وأخيرا، ألاحظ منذ ما يقرب من ثلاثين عاما: أولا مع ترجمة وتحليل الخرافة نشرت كتاب ‘غريب وعجيب’ عند فلاماريون، وسبع حكايات أخريات عند سندباد سنة 1981، وكتاب نساء بغداد عند ديسجنكير سنة 1990. ويعتبر هذا المشروع الكبير للنشر عند غاليمار، مع بن الشيخ، بالنسبة لفوليو والآن مع لابلياد La pleiadeبمثابة الامتداد. في البداية، ما كان يهمني، هو معرفة ما إذا كانت حكايات ألف ليلة وليلة مطابقة لمورفولوجيا بروب ونظريته المتعلقة بالوظائف. بالفعل لقد برهن كتاب غريب وعجييب على خصوصيات أساسية. فما أدهشني من جهة أخرى هو التعقد اللامعقول لمجرى (اشتغال) الوظائف: تهبط بنا الخرافة في بعض المرات ثمانية أو تسعة مستويات كتابية بعدها تجد الحكاية الترسيمة الأولية للوظائف فتدمج الفارق الزمني الكرونولوجي للأحداث التي جرت في غضون ذلك داخل القصة. ميزة أصلية أخرى لهذه الخرافات هو أنه يوجد دائما شيء في الخلف، رسالة مختفية تطبع القصص الأكثر خفة بحيوية ذات أهمية غير قابلة للنقاش: حوار أخلاقي رئيس، تأمل سياسي، تحميس الطبقة الاجتماعية، مواعظ العرب لإعادة أمجاد تاريخهم الخاص. * بيير مارك دي بيازي: كيف تشكلون النصوص، هنا بالنسبة لليالي أو بالنسبة لعمل اخر أمن أجل دراسة البيانات الجغرافية وقصائد الحب؟ أم انطلاقا من المخطوطات؟ * أندريه ميكيل: لا أنا لست عالما بالنقوش بالنسبة لليالي، كما بالنسبة لأبحاثي وترجماتي الأخرى، أنا لم اشتغل دائما إلا على النصوص المطبوعة. من جهة أخرى، هل ستكون ترجمتنا هي الأكثر اكتمالا؟ لا، بالطبع. بسبب أنه يوجد مسبقا من يقدر تحمل مسؤولية هذه الوضعية المشكوك فيها شيئا ما بالنسبة للنشر ‘الكامل’. مثلا، عندما يتعلق الأمر بمترجم الف ليلة وليلةجوزيف شارل مردريس Mardrus. أما العناصر الأخرى فتم تأليفها انطلاقا من مخطوطات متنوعة. لكن المشكل بالنسبة لألف ليلة وليلة، هو أننا لا نتوفر على النص الأصلي، ولا أحد يقدر أبدا على إعادة تأسيس بشكل كامل تكوينة هذا العمل. نعرف أنه وجد في نهاية القرن18. نعرف أن الناس الذين قرأوه في القرنين التاسع والعاشر كانوا يعتبرونه كعمل أدبي مجهول (بدون مؤلف) ويصنفونه في نفس المقولة التي أتى منها التراث القادم من الهند والذي مر من الفرس والذي ترجم إلى اللغة العربية. يتحدث عنه كحكايات تصلح لتربية الأمراء لكن بعد نهاية القرن 10 بدأ بعض المؤلفين العرب يجدون في إلهامه أقل جدية: فالعمل سيتم إغناؤه بشذرات جديدة وستتواصل هذه السيرورة على الأقل إلى حدود القرن 16 بإدماج داخل هذا المتن الأصلي كل أصناف المقاطع التي تقوم منذ ذلك الوقت على الثقافة العثمانية. * بيير مارك دي بيازي: هناك إذن المجلد الأول للابلياد ولكن بقي هناك مجلدان ينتظران النشر: عمل ضخم، كما أتصوره؟* أندريه ميكيل: نعم في هذا الوقت الذي أتحدث معك فيه يوجد أمامي أفق لمائتي ليلة تنتظر النشر، فضلا عن القول بأنني كنت مشدودا لوقت طويل بهذا العمل. إنه لأمر عظيم، لكن يمكنني أن أسر لك بخبر، أنه توجد برأسي فكرة رواية وأعرف أنني سأتألم لأنني مضطر لانتظار فكرة وضعها. هكذا الأمر، فالكتابة بالنسبة لي كانت دائما حالة مستعجلة.
النص مأخوذ من المجلة الادبية MAGAZINE LITTERAIRE العدد442 لشهر ايار/مايو /2005/ ص 92-97. ناقد ومترجم من المغرب