المستفيدون والضحايا من الفضائيات: من وحي (عرب أيدول)

حجم الخط
0

د. أحمد عرفات الضاوي

لكل مؤسسة إعلامية في هذا العالم اهداف ليس شرطا أن تكون معلنة، وأمهر تلك المؤسسات هي التي تحقق أهدافها وتتسلل إلى دمك وعقلك دون أن تحس، فتنقض على وعيك فتزيفه وعلى جيبك فتنهبه وأنت تضحك كالأبله، وإن كنت محظوظا تكتشف ذلك لتقصف نفسك بألف حذاء أكرم الله القارئ الكريم ومعذرة لأن بعض الكلمات البذيئة ضرورة في وقتها كما قال يوما الشاعر الغائب المغيب مظفر النواب، عندما سئل من على منبر فضائية عربية: لماذا تضمن شعرك ألفاظا بذيئة؟ فأجاب يا أخي الواقع أكثر بذاءة. ومعذرة على هذا الاستطراد الذي لا بد منه كمقدمة للحديث عن واقع بذيء.

من هم الخاسرون من برنامج مثل (أرب أيدول) ؟ سؤال مشروع في إطار النقد الموضوعي المشروع. أول الخاسرين هي اللغة العربية التي لم تعد هاجسا لأحد، فالمصطلح العتيد تسلل إلى ذاكرة الجيل مع أن لغتنا قادرة على تقديم البدائل، وفي كل يوم تتسلل عشرات المفردات والمصطلحات الدخيلة عبر الفضائيات، فإذا ما أضيف إلى ذلك عشرات الأخطاء والعثرات اللغوية، بالإضافة إلى اللبننة والخلجنة في لغة الخطاب تصبح العربية في مهب الريح في ظل الإزدواجيات اللغوية المركبة وتراجع التعليم في المدارس. أليست هذه خسائر فادحة، وتشويه للهوية والتراث.

الخاسر الثاني من برنامج محبوب العرب العتيد، هم اولئك البسطاء من الشباب الذين صدقوا أن البرنامج للهواة ليكتشفوا أنهم جزء من أدوات برنامج موجه ومزيف، يضم مجموعة من المحترفين الذين تم قبولهم في البرنامج لاستكمال إجراءات الإثارة واكسسوارات الابتزاز المادي لجيوب الشباب لتصب في ميزانية الفضائية العتيدة التي تتقن بمهارة عالية مثل هذه اللعبة. وثالث الخاسرين هم اولئك القابضين على جمر الموت واليتم والثكل في بلاد الربيع العربي، لأن توقيت البرنامج ليس بريئا، وإن كان بريئا والأمر صدفة، فمن الأخلاق أن لا تقيم عرسا وجارك في حالة حزن وعزاء، وهذا من أبسط البديهيات في أخلاقنا العربية والإسلامية. وأما الخاسر الرابع في هذه المعادلة هم الشباب الذين يزيف وعيهم وتستدرج طاقاتهم ليتم تبديدها في آفاق تصرفهم عن قضاياهم المركزية وطموحاتهم المشروعة وتنمي لديهم الذاتية السلبية والإقليمية البغيضة والعصبية التي رسختها الأنظمة الرسمية على مدار عقود.

من المستفيد من هذه المظاهرة الإعلامية؟ لا شك أن أول المستفيدين هي ميزانية المؤسسة الإعلامية التي حصدت الملايين من جيوب الفقراء والغلابى، وشركات الاتصالات في الوطن العربي الذين لم يتقدموا بأية مبادرة حتى اللحظة للأخذ بأيدي المهمشين والمحاصرين والمذبوحين في كل أفق وعلى كل أرض من أراضي الربيع العربي. والثلاثي الذي تبروز على مسرح ( أرب أيدول ) ليحقق شهرة مضاعفة ونجومية وأرصدة وبذخا يندى له جبين الأمة في مرحلة من أدق المراحل وأخطرها.

نسوغ لكم ذلك عندما تتحقق الأولويات، أو عندما تتضمن هذه البرامج مبادرات مادية إيجابية لحل مشاكل إنسانية أو تقدم مبادرات مادية لجهات تعاني جوعا وفقرا وتهميشا، أولدعم مؤسسات خيرية وتعليمية، إذ يبدو أن شريحة من مجتمعنا العربي الإعلامية والفنية تعيش في أبراج عاجية ولا تعرف ماالذي يحدث لأهلهم ومستقبل أوطانهم، نأمل أن تتبنى مثل هذه البرامج والقائمين عليها والمشاركين فيها برامج تجعل المواطن العربي يحس أنه ليس وحده في مواجهة المستجدات المحزنة والفقر التاريخي والتهميش الذي ينهش طموحه ويختزل نشاطه الإنساني في البحث الدائم عن لقمة الخبز ودفاتر الأبناء وأقلامهم.

أيها السادة الذين تحسسوا رؤوسهم بعد قراءة هذه المقالة: ليس هذا النقد انغلاقا وكراهية للفن، لقد امتعتم الناس ولكن نهبتم جيوبهم وزيفتم وعيهم ورسختم بينهم الإقليمية البغيضة، وإن كنت مخطئا فبادروا لبرنامج للهواة فقط له موضوع محدد يستجيب لشجون الامة ويخصص ريعه لشريحة من الناس الذين لا يملكون الخبز لينضموا إلى جمهوركم ويمجدوا برامجكم. وإن لم يكن ذلك من أجل الآخرين فمن أجل آخرتكم وأنتم تقفون بين يدي ربكم، لتسألوا فلا تجدوا جوابا وهي لحظة من الصعب تمثلها إلا عندما تبتلون بمصائب في أعزائكم وفي أغلى ما تملكون، عندها فقط تنظرون إلى السماء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية