المستوطنون بدأوا حملة عنيفة لتخفيف توجيهات اطلاق النار
26 - May - 2013
حجم الخط
0
إن المستوطنين الذين يتجولون في شوارع الضفة الغربية يلاقون في الاشهر الاخيرة صعوبة حقيقية، هي ارتفاع عدد حوادث رشق فلسطينيين سيارات اسرائيلية بالحجارة. وهذه ظاهرة لا تكاد تسجلها أدوات الرصد الاعلامية، ما عدا حوادث قليلة، كالاصابة الخطيرة التي تعرضت لها الصغيرة إيدل بيتون قرب اريئيل، قبل نحو من شهرين. ورغم أن المنظومة الضخمة من الشوارع الالتفافية التي عُبدت في الضفة، منذ اتفاقات اوسلو في 1993، تضاءل الاحتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين، وبقيت الى الآن اماكن في الطريق الى الخليل خاصة، تمر فيها سيارات اسرائيلية قرب قرى فلسطينية ـ وتتلقى حجارة كثيرة، ولاسيما منذ نهاية السنة الماضية. يقوم المستوطنون بنضال على صعيدين، الاول وفيه اعلان القسم الأشد اتجاها الى القتال من المستوطنين، حربا لا هوادة فيها لقائد منطقة الوسط نتسان ألون، ويعمل هؤلاء على الدوام على اضعاف منزلته، أو ربما حتى في نقله من عمله. والثاني تم البدء في الأسابيع الاخيرة بحملة مغطاة اعلاميا بصورة جيدة لتغيير توجيهات اطلاق النار لقوات الجيش الاسرائيلي في الضفة، بزعم ان التعليمات الحالية تضائل رد الجنود وتشجع عنفا فلسطينيا. إن ألون مستهدف للمتطرفين في المستوطنات منذ نحو من ثلاث سنوات وقد حددوه منذ زمن على أنه عقبة ينبغي ابعادها، إما بسبب طبيعته (فهو يوحي بالبرود ولا يميل الى مصادقة المستوطنين)، وإما بسبب مواقف سياسية يسارية تُنسب الى زوجته. ولم ينفع ألون ماضيه باعتباره كان قائدا ممتازا لدورية هيئة القيادة العامة. فبعد كل عملية تتم في المناطق توجه اليه اتهامات مباشرة دونما صلة بنجاح القوات التي يتولى قيادتها في قمع الارهاب الفلسطيني. هذا ما حدث ايضا بعد قتل أفيتار بورفسكي من يتسهار في الشهر الماضي، حينما دعا رئيس المجلس الاقليمي السامرة، غرشون مسيكا، علنا الى عزل قائد المنطقة واضطر وزير الدفاع ورئيس هيئة الاركان الى الدفاع عنه. وفي نفس الوقت تمت في المدة الاخيرة ايضا ادارة نضال عام صارخ في مسألة توجيهات اطلاق النار، وهنا ايضا توجه الاتهامات الى ألون. أتم المستوطنون، يوم الجمعة، مسيرات احتجاج في أنحاء الضفة من اجل طلبهم هذا، وعُلقت في عدد من المفترقات المركزية لافتات تندد بقائد المنطقة، كُتب على واحدة منها ‘مع نتسان ألون لا يوجد أمن’. وفي مقابل ذلك نشر في صحيفتي ‘معاريف’ و’مكور ريشون’ تحقيق اخباري وسلسلة مقالات، تقوم على شهادات جنود يخدمون في الضفة. واشتكى الجنود ومنهم عدد من رجال الاحتياط من ان الجيش ليس لديهم قوة كافية لمواجهة راشقي الحجارة والزجاجات الحارقة. وحدّث الصحافيون عن أنهم شعروا بالذل بسبب تحرشات مشاركين في مظاهرات فلسطينية. أرسل ألون في الاسبوع الماضي رسالة مؤثرة الى قادة في المناطق، واجه فيها الدعاوى المتصلة بسياسة اطلاق النار. واعترف بأنه وجد اختلالات في أداء قوات واجهت مظاهرات فلسطينية في عدة حوادث في الآونة الاخيرة. لكنه يعتقد مع ذلك ان التوجيهات القائمة والوسائل التي تستعملها القوات كافية للتغلب على خطر الطرف الفلسطيني. وكتب الى القادة يقول: ‘إن استعمال قوة موزونة لا يعني الوهن وعدم التصميم’. يأخذ الجيش الاسرائيلي حقا بسياسة ضبط للنفس نسبية في المناطق حتى في مواجهة تظاهرات عنيفة. وهذا التوجه مقرون بفهم منذ سنوات يرى انه اذا تركنا الجانب الاخلاقي، فان قتل المدنيين الفلسطينيين، النساء والاولاد وكذلك ايضا الشباب المسلحين بسلاح بارد فقط (الحجارة)، لا يجلب على أثره إلا فترات تصعيد طويلة. في بدء السنة بعد سلسلة حوادث قُتل فيها اربعة فلسطينيين غير مسلحين، منهم طالبة جامعية شابة، أصدر ألون وثيقة كانت ترمي الى تحديد توجيهات اطلاق النار للقوات، وبيان انه يحتاج الى قدر من ضبط النفس لمنع اشعال الساحة كلها. وذلك في فترة تعتبر ايضا حساسة بسبب الجمود السياسي وطلب الجمهور الفلسطيني بدء انتفاضة ثالثة. لا مكان للاستهانة بشعور الجنود المحبط، الذين يواجهون التظاهرات، لكن يصعب ان تُقبل ببساطة تسويتهم بين مواجهات عنيفة تتم على نحو عام داخل القرى الفلسطينية أو قربها، وبين الحوادث في الشوارع. وفي أكثر التظاهرات لا يتعرض مواطنون اسرائيليون لخطر حقيقي، والذين يواجهون الحجارة والزجاجات الحارقة جنود يملكون معدات وقاية. عندنا انطباع ان المقاتلين أكثر شكوى من الشعور بالاذلال والمس بما يرونه فخرا وطنيا، أكثر من شكواهم من مشكلة تكتيكية أو استراتيجية حقيقية. ولا شك في ان جنود الاحتياط خاصة يجب ان يحصلوا على تدريب اعداد أكثر كثافة قبل العمل في المناطق، كي يستطيعوا مواجهة تظاهرات كبيرة لم يجربوا مثلها في العقد الاخير، لكن المسألة مسألة اعداد أكثر من ان تكون مسألة توجيهات. ويقول الزعم المضاد إن الضعف هو ضعف ـ فالجيش الاسرائيلي يُرى سلبيا ازاء المشاغبين، ولهذا يتلقى المواطنون الاسرائيليون الضربات في الشوارع. لكن المظاهرات الفلسطينية التي تجري في ايام الجمعة وفي اماكن محددة في الأكثر لا تقترب الى الآن من ضخامة الحوادث الضخمة في الانتفاضة الاولى، أو بدء الانتفاضة الثانية. وعند الجنود وسائل كافية للرد على تعرض حياة الاسرائيليين في الشوارع للخطر. ويوجد منطق كبير في زعم ألون، أن المس بالفلسطينيين بلا حاجة حينما لا يكون ذلك من اجل الدفاع عن النفس، سيشعل الضفة من جديد زمنا طويلا. لكن للهجوم على ألون، سواء من المستوطنين أو من الجنود، سياقا سياسيا أوسع، فحكومة نتنياهو الحالية التي أدت اليمين الدستورية قبل أقل من شهرين هي الأكثر عطفا على المستوطنين منذ فترة طويلة. وقد فُوض الى مؤيدين واضحين لمشروع المستوطنات من البيت اليهودي ومن الليكود، وزارات مركزية، القرارات المتخذة فيها حيوية للمستوطنين (مثل وزارة البناء والاسكان ووزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد والاديان). ويتمتع البيت اليهودي ايضا بقوة أكبر مما كان لديه في الماضي في الكنيست وفي لجان مركزية كاللجنة المالية ولجنة الخارجية والامن. اذا توصل ضباط الجيش الاسرائيلي الى استنتاج ان ألون بقي وحده وأن ترقيته بعد ذلك قد يضر بها إغضابه لرؤساء ‘يشع’، فان مرؤوسيه من الضباط في المناطق سيسارعون الى ملاءمة أنفسهم مع التوجهات الجديدة. ولن يتجرأ أحد على مواجهة المستوطنين مع هزيمة قائد المنطقة. ويتعلق جانب سياسي مهم آخر بالدور المزدوج الذي يؤديه في هذه القضية اعضاء حزب البيت اليهودي، الذي أبرز في المعركة الانتخابية الاخيرة تأييده للجيش الاسرائيلي واستغل لصالحه الخلفية الحربية لعدد من كبار اعضائه. إن واحدا منهم هو عضو الكنيست الجديد يوني شتيبون وهو ضابط من غولاني حظي بوسام تقدير لبطولته في معركة بنت جبيل في حرب لبنان الثانية، وهو الذي أجاز الكنيست في الاسبوع الماضي، في اقتراح قانونه الجديد الذي يُمكن الجنود من رفع دعاوى تشهير على من يُشهرون بهم. وتحدث شتيبون عن ان قضية فيلم محمد بكري ‘جنين جنين’ عن المجزرة التي لم تقع في مخيم اللاجئين في 2002، هي التي حثته على تقديم اقتراح القانون. فمن المثير لذلك ان نرى ان الهجمات الشخصية على نتسان ألون لأنه يتخلى في ظاهر الامر عن أمن المستوطنين، تحظى بدعم عدد من اعضاء الكنيست من هذا الحزب. إن هذه الهجمات نفسها كان يمكن ان تُرى إضرارا بالجيش الاسرائيلي، بنفس القدر.