الناصرة- “القدس العربي”:
تبدو الإدانات الإسرائيلية والدولية لجرائم المستوطنين بحق المدنيين الفلسطينيين فارغة وعقيمة، ما دامت في إطار البيانات والضرائب الشفوية، من دون عقوبات وخطوات فعلية على أرض الواقع، ولذلك من المرجح أنها ستتكرر، وتتحمل إسرائيل مسؤولية كل ذلك كونها الجهة المحتلة.
بعدما تصاعدت وتيرة الإدانات في العالم لاعتداءات المستوطنين، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي حمّلت إسرائيل مسؤولية جرائم المستوطنين، انتقلت السلطات الإسرائيلية من حالة التجاهل والصمت، أو الإدانة الخجولة، للغة أكثر وضوحاً في التنديد بجرائم المستوطنين. ولم يُبق وزير الأمن الوطني إيتمار بن غفير، المدان بالعنصرية والإرهاب عدة مرات في محاكم إسرائيلية، لرئيس حكومة الاحتلال خياراً بالاحتفاظ بالصمت، فقال، في مستهل الجلسة الأسبوعية للحكومة، اليوم الأحد، إن الدولة لن تحتمل قيام المستوطنين بأفعال غير قانونية.
وكان بن غفير قد زار، قبل يومين، مستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، والتقى مستوطنين، ودعاهم للركض للتلال، والتمسك بها، وبناء بؤر استيطانية. هذه التصريحات غير القانونية، التي تنتهك القانون الدولي بشكل سافر، كما تنتهك المواثيق الدولية، وتخالف الخدع الإسرائيلية المعهودة في هذا المضمار، المتمثلة ببناء بؤر استيطانية غير قانونية “ردا على الإرهاب الفلسطيني”، والعودة لتبييضها والاعتراف بها من قبل حكومة الاحتلال، وبالتالي تسمينها وتحويلها لمستوطنة كبيرة، وكل ذلك ضمن إستراتيجية التهويد والاستيطان بالخطوة خطوة.
وانضم جيش الاحتلال والمخابرات العامة لتسجيل موقف رسمي معارض لجرائم المستوطنين، بعد ثلاثة أيام من الهجمة الدموية على ترمسعيا، فجاء في بيان مشترك لهما: “في الأيام الأخيرة تجري في الضفة الغربية اعتداءات عنيفة من جانب مواطنين إسرائيليين ضد فلسطينيين أبرياء. تنافي هذه الاعتداءات كلّ قيمة أخلاقيّة ويهوديّة، وهي إرهاب قومي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ونحن ملتزمون بالتصدي لها. تعمل قوات الأمن على التصدي للمُخلّين بالأمن، معرّضة حياة جنود جيش الدفاع الإسرائيلي، ورجال شرطة حرس الحدود والعاملين في الشاباك للخطر”.
كما جاء في هذا البيان المشترك إشارة لتضرر مصلحة إسرائيلية جراء هذا الانفلات الدموي للمستوطنين، فقال إن “هذا العنف يزيد من الإرهاب الفلسطيني، يضر بدولة إسرائيل، وبالشرعية الدولية لقوّات الأمن في مكافحتها للإرهاب الفلسطيني، كما أنّه يسبب في ابتعاد قوّات الأمن عن مهمّتها الرئيسية في مواجهة الإرهاب الفلسطيني”.
وزعم جيش الاحتلال والشاباك أنهما، مع الشرطة، “ملتزمون بمواصلة العمل بحزم، وبكل الوسائل المتوفّرة لنا للحفاظ على الأمن والقانون داخل الضفة الغربية”. وأوضح البيان أن “الجيش سينقل قوات ويقدّم التعزيزات لمنع الأحداث من هذا النوع في الضفة الغربية، كما أن الشاباك سيوسّع الاعتقالات، بما فيها الاعتقالات الإداريّة ضد المُخلّين بالأمن، الذين يتصرّفون بشكل عنيف ومتطرّف داخل القرى الفلسطينية”.
وخلص البيان المشترك للقول: “كما نناشد القادة في المستوطنات، المربّين وقادة الجمهور، إلى الاستنكار العلني لأعمال العنف هذه، والتجنّد لمكافحتها”.
في المقابل يؤكد سكان قرى فلسطينية تتعرض لاعتداءات المستوطنين أن جنود جيش الاحتلال يشاركونهم في الاعتداء عليهم، وبخلاف مزاعم رسمية للجيش.
يشار إلى أن الإدارة الأمريكية أبلغت حكومة الاحتلال، قبل أسبوعين، بقرار اتخذته وزارة الخارجية الأمريكية، قبل سنتين، بشأن إلغاء تمويل، أو المشاركة في مشاريع أبحاث وتطوير وتعاون علمي تجري في المستوطنات، مثل جامعة “أريئيل”. ويوضح موقع “والا” العبري أن المسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية قال إن “التعليمات، التي جرى تعميمها، أوضحت أن المشاركة في مشاريع مشتركة مع إسرائيل في مجالات العلوم والتكنولوجيا في المناطق التي جرى إدخالها تحت السيطرة الإسرائيلية، بعد 5 حزيران/يونيو 1967، والتي ينبغي إقرارها في مفاوضات حول حل نهائي، لا تتجانس مع سياسة الولايات المتحدة”.
ويلغي قرار إدارة بايدن السياسة التي أعلنت عنها إدارة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، التي سمحت، لأول مرة منذ احتلال العام 1967، بتحويل أموال الحكومة الأمريكية إلى مشاريع بحثية وعلمية في المستوطنات.
وتزداد هجمات المستوطنين وحشية، في العام الجاري، لوجود وزراء مستوطنين داخل الحكومة يساندونهم معنوياً ومادياً، بل إن وزير المالية، وزير الأمن الإضافي، المستوطن باتسلئيل سموتريتش، بات الحاكم الفعلي للضفة الغربية، أو وزير الاستيطان ووزير الفصل العنصري، كما وصفته صحيفة “هآرتس” العبرية في افتتاحياتها الأخيرة.
وتحذّر جهات إسرائيلية من أن تسمين الاستيطان، وزيادة أعداد المستوطنين، الذين يبلغون اليوم نحو 600 ألف نسمة، يقيمون داخل نحو 170 مستوطنة، سينتج واقعاً ثنائي القومية ينهي الفكرة الصهيوينة، لأن إسرائيل ستغدو دولة غير يهودية، وغير ديموقراطية، علاوة على استعداء العالم. ويبقى امتحان كل هذه الإدانات المحلية والدولية رهناً بمدى لجم جرائم المستوطنين، فالأمور بخواتيمها، وحتى الآن تدلل التجربة أن المستوطنين هم رسل حكومات الاحتلال، ويحظون بدعمها، وأن تحفظاتها العلنية ما زالت فارغة، فعلى الأرض تستمر أعمال سلب ونهب مقدرات الفلسطينيين، وحتى الآن قتلت قوات الاحتلال، منذ بدء العام، نحو 180 فلسطينياً، مقابل قتل 28 إسرائيلي.