هل فشلوا حقا؟ وهل سيلقي المشروع الاستيطاني الهائل عما قريب الي مزبلة التاريخ؟ زميلي الوف بن يرد علي هذا السؤال علي النحو التالي: أجل المستوطنون فشلوا فشلا مذهلا (كما كتب في مقالة جيدة التعليل في هآرتس 16/3 الوف بن يوضح ان المشروع الاستيطاني الهائل يوشك علي الانتهاء في ظل خطة اولمرت للانطواء.
المستوطنون لم ينجحوا حسب رأيه في جر عدد كاف من اليهود للاستيطان في المناطق وابتعدوا عن الجمهور العريض ليبقوا علي الهامش. كما ان المستوطنين حسب رأيه لم يلعبوا أي دور امني في مكافحة الارهاب.
ولكن وبالرغم من انني كنت اود بأن اصدق ما يقوله بكل جوارحي وبالرغم من أن المستوطنين لم ينجحوا فعلا في الوصول الي ارض اسرائيل الكاملة الا أنهم ما زالوا بعيدين عن الفشل والكفاح من أجل انقاذ اسرائيل من اياديهم سيستغرق مدة طويلة ويكلف ثمنا باهظا بالدم والدموع. من الصعب ايضا التنبؤ بمن سيتغلب علي من ـ يهودا علي اسرائيل ام اسرائيل علي يهودا. لان المتآمرين غريبي الاطوار والخلاصيين والمتعصبين الذين يقدسون الارض علي حساب الانسان قد ينجحون في جر شعب اسرائيل نحو الضياع والهلاك بالرغم من كل شيء.
خطة اولمرت تتحدث عن التراجع والانطواء ضمن الكتل الاستيطانية الموسعة وعن تغيير مسار الجدار الامني ـ وهذا بمثابة نجاح للمتسوطنين لانهم يعرفون انه لا يوجد من يقبل هذه السياسة احادية الجانب في الطرف الاخر. كل مساحة الضفة تبلغ 6 الاف كيلو متر مربع أي (30 في المئة) من مساحة اسرائيل عشية حرب حزيران (يونيو) ولكن اسرائيل ليست مستعدة لاعادة هذا القدر القليل بسبب وجود حقائق علي الارض ـ أي الحقائق التي فرضها المستوطنون. وهكذا يقترح اولمرت حلا مستحيلا: ثلاث كتل استيطانية تقطع أوصال الضفة وتحول الكيان الفلسطيني الي دولة غير قابلة للبقاء. كتلة ارئيل الكبري ستقطع مركز الضفة وكتلة معاليه ادوميم التي ستتصل بالقدس من خلال منطقة E-1 ستقطع الضفة الي شطرين وغوش عصيون ستدس اصابعها متغلغلة نحو كريات اربع وتقضم الاراضي الممتدة جنوبا. هل يخطر ببال أحد أن يظهر فلسطيني واحد ليوافق علي ذلك؟ وهل ستوافق اية دولة كانت علي مثل هذا الضم؟
الضم المكثف سيقود نحو اتجاه آخر: تواصل الحرب الدموية وليس للهدوء والمفاوضات والسكينة، وان لم تتمكن حماس من توفير البضاعة فسيتحول الفلسطينيون اليائسون نحو القاعدة ونواصل نحن العيش علي حد السيوف في حرب دائمة وتدفع ثمن العقارات خلال دم ابنائها ـ الي ان تأتي حرب ياجوج وماجوج التي يتمني المستوطنون قدومها، عندها ستقوم هذه الحرب بتطهير الضفة وربما تطهرنا نحن ايضا. لذلك نقول انهم لم يفشلوا بعد. بالتأكيد لا. هناك مجال مركزي واحد نجح المستوطنون فيه تماما: تحويل فك الارتباط عن غزة الي صدمة ورفع ثمنها الي عنان السماء. ميزانية الانسحاب الاصلية لـ 7.000 شخص كانت 5.5 مليار شيكل. الا انها تضخمت الي مليار في الوقت الذي لا تملك فيه هذه الحكومة 500 مليون لمكافحة حوادث الطرق او 400 مليون لتعديل سلم الادوية الضحلة. ولكن لدي هذه الحكومة 3.5 مليار شيكل للتجاوز غير المخطط لميزانية فك الارتباط نتيجة لذلك ستصل تسعيرة ترحيل 70 الف مستوطن في الضفة الي رقم ضخم يصعب تحمله. ولدي المستوطنين نجاح آخر: النجاح علي المستوي الاعلامي في عدم ابراز العلاقة بين تكلفة الاستيطان الهائلة وبين الوضع الاقتصادي المتردي الذي تعاني منه طبقات كثيرة. الجمهور لم يستوعب حقيقة أن المليارات المحولة للمناطق تأتي علي حساب التنمية في مدن التطوير وان ذلك يؤثر علي خط الفقر وعلي الفجوات الواسعة بين الشرائح المختلفة.
المعطيات بالفعل تشير الي ان الفقر والفجوات قد اخذا في الاتساع منذ أوساط السبعينيات وهذا يتزامن مع الفترة التي بدأت تتزايد فيها تكلفة الاستيطان والامن في المناطق.
هناك علاقة واضحة بين مستوي الشوارع المتردية وحوادث الطرق الصعبة داخل الخط الاخضر وبين الجسور والانفاق والطرق المتطورة في الضفة. المستوطنون نجحوا حتي في اخفاء العلاقة بين تدني المنتوج القومي (50 في المئة بالمقارنة مع الغرب) وبين النفقات الهائلة في المناطق.
المستوطنون طمسوا كذلك الصلة بين العنف المتفشي في المجتمع الاسرائيلي وبين العنف المشروع في المناطق. ولكن الامر الاشد بلاءا من ذلك كله هو نجاحهم في طمس ابصار الناس عن حقيقة تحول اسرائيل الي دولة احتلالية متجبرة وقاسية تقوم بقتل الناس بلا محاكمة وتسلب الاراضي بغطاء قانوني وتهدم المنازل وتمس بالارزاق وتتسبب في الفقر والبطالة والفاقة في صفوف شعب بأكمله وتسخر من توراة ورسالة انبياء اسرائيل. فمن الذي سيزيل الغبار عن عيونكم يا عاموس ويشعياهو وبرمياهو؟
نحميا شترسلركاتب في الصحيفة(هآرتس) 21/3/2006