يضفي شهر رمضان المبارك على مدينة صيدا (40 كلم جنوب العاصمة اللبنانية بيروت) رونقاً خاصاً، وتتوزع البهجة في المدينة بين العبادات الدينية والعادات الشعبية، وبين الواجبات الدينية والتقاليد المتوارثة، وتتمتّع المدينة بسحر خاص خلال ليالي شهر رمضان، حيث يمتزج الضوء بعتمة الحجر التاريخي داخل المدينة القديمة وخارجها.
وفي هذا الشهر من كل عام تعيش مدينة صيدا القديمة أجواء وطقوسا رمضانية، تناقلتها الأجيال عبر العصور، ومن أهم هذه الطقوس، هي مهنة المسحراتي. فمدينة صيدا لا تزال تعتمد على المسحراتي التقليدي القديم الذي يرتدي ثيابه التقليدية، ويحمل طبلته وقنديله ويجوب الشوارع والأزقة ليوقظ الناس على أجمل المدائح بصوته الصادح، ليقوم الناس إلى سحورهم، مرددا بأعلى صوته “يا نايم وحد الدايم … يا نايم وحد الله…قوموا على سحوركم جاي رمضان يزوركم”.
ورغم كل التساؤلات حول دور المسحراتي في هذه الأيام في ظل التكنولوجيا والإنترنت والتلفزيون ومنبّه الساعة، وما إذا تحول إلى جزء من تراث رمضان وعاداته وتقاليده، إلا أن أهالي صيدا يعتبرون أن طلة المسحراتي بزيه العربي وطبلته وصوته يضفي على الشهر رونقا مدهشا.
ومهما اختلفت الآراء حول المسحراتي ودوره وأهميته في هذا الوقت، وما إذا كان الناس يعتمدون عليه أو تحول إلى تراث، إلا أنه يبقى شاهدا حياً على قدوم رمضان وانتهائه، وهو ذكرى خالدة مع كل الذين عاشوا في أحياء وحارات المدينة القديمة، وتكفي طلته وطبلته وصوته ليوقظ الناس ويدعو إلى التقوى.
تقول الحاجة أم نزار خاسكية وهي تقف قرب شباك منزلها تنتظر المسحراتي بعد أن سمعت صوته من بعيد “عندما نسمع مدائحه وصوت الطبلة التي يحملها، نقف عند شرفات منازلنا لنراه ونتحدث معه ونقدم له ما يحتاج، كأنه يحمل بركة شهر مبارك” وأضافت “المسحراتي جزء من تراث المدينة، ويظهر قبل الفجر متجولا بين الأزقة والساحات، مرددا العبارات الداعية للسحور”. وتابعت أن أهالي المدينة القديمة كانوا ينامون وينتظرون المسحراتي ليوقظهم، “لم يكن في السابق لا أجهزة تلفزيون ولا قنوات فضائية ولا إنترنت ولا منبه ساعة ما يجبر الناس على النوم قبل السحور، فاكتسب المسحراتي أهمية خاصة، أما اليوم فإنه بات من تراث رمضان، يعتمد الناس عليه ليوقظهم من النوم وبالأساس غالبية الناس تبقى ساهرة وتنام بعد السحور وأداء صلاة الفجر”.
وأكدت أن “المسحراتي” لم يفقد دوره وأهميته كونه يصدح بصوت التقوى، ويدعو الناس إلى الالتزام بسنة السحور وهذا أمر جيد.
ويؤكد مفتي صيدا الشيخ سليم سوسان لـ”القدس العربي” أن لشهر رمضان في مدينة صيدا بهجة خاصة، فهو شهر التوبة والمغفرة، تتزين أحياء وأزقة وشوارع المدينة وساحاتها العامة باللوحات الدينية والتراثية والرايات والأنوار وتظهر البهجة على وجوه الأهالي الذين يقيمون السهرات حتى وقت متأخر من الليل. لافتا إلى أن الأهالي متمسكون بدور المسحراتي من أجل تناول وجبة السحور. ويرى أن المسحراتي أصبح من معالم صيدا وتراثها الديني والشعبي.
ويشير المفتي إلى أن المسحراتي في مدينة صيدا يقوم بعمله الطوعي قبل صلاة الفجر بموافقة دار الفتوى، ودون مقابل مالي، لكن المحسنين، وأهل الخير يقدمون له مبالغ مالية مع نهاية شهر رمضان وأول أيام عيد الفطر.
يصدح صوت المسحراتي عباس قطيش بين الأحياء والأزقة والحارات الشعبية في مدينة صيدا القديمة، ويمارس عمله منذ أكثر منذ ثلاثين عاما، تطوعاً بموافقة من دار الإفتاء في صيدا التي منحته الإذن بذلك، كما سهّلت مهمته بلدية صيدا وشجعته وحددته ووضعت له ضوابط رمضانية.
لم يرث قطيش المهنة عن أبيه أو جده، إنما تعلمها من الحاج خضر السالم، إذ كان يرافقه في جولاته.
ويقول عباس قطيش وهو يحمل الطبلة ويرتدي لباسه التقليدي الجلباب والطربوش والزنار: “أنا مسحراتي صيدا القديمة منذ أكثر من ثلاثين عاما، أتجول في حاراتها وأزقتها، وأقوم بإيقاظ الناس ليلاً في شهر رمضان على السحور بفرح ومتعة، وفي طفولتي كنت أرافق الحاج خضر السالم في جولاته على مدى سنوات، وتعلّمتُ منه المهنة التطوّعية وأصولها، إلى أنْ أصبحت مسحّراتياً معروفاً بين أبناء البلد، أجول بين المنازل في الحارات الضيّقة لأوقظ الناس على صدى طبلتي مع الأدعية، وأتوقّف بين الحين والآخر لأخذ قسط من الراحة أستعيد بها نبرة صوتي، أحياناً أتناول كوباً من الشاي أو القهوة خلال فصل الشتاء، أو البارد من شراب التمر هندي والجلاب في فصل الصيف، لأطفئ فيه لهيب الحر، إنّما الحمد لله تلطّفت أجواء رمضان هذا العام بنسمات رطبة، فأنا أبداء بمهمتي حوالي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وأُنهيها قبل نصف ساعة من أذان الفجر، فأصلي الفجر ثم أنام”.
لا يتعب قطيش من لف الحارات العتيقة ولم تضنه زواريبها وأزقتها الضيقة. وفي رمضان من كل عام يحمل الطبل وينقر عليه مترافقاً بصوته الرفيع المحبب إلى قلوب الصيداويين: “يا صايم وحّد الدايم” و”قوموا لسحوركم عباس جايي يزوركم” و”رمضان كريم يا صايم وحّد الله” وغيرها من “الرديات” الرمضانية المعروفة في المدن التراثية.
وكثيرا ما يجود المارة على عباس بإكراميات تفرح قلبه وتشعره ببعض الرضى، كما يجود عليه البعض بالسحور إلى طاولتهم وينهي مهمته بمنقوشة أو بصحن فول وكوب شاي.
وهو لا يقر أبداً أن الحاجة إليه وإلى طبلته وحتى صوته قد انتفت مع التكنولوجيا المتطورة، إذ يؤكد بابتسامة خفيفة “رغم التكنولوجيا المتطورة ومنبّه الساعة، فزمني باقٍ ويبقى لطبلتي وقع خاص على الناس ينتظرونها غداة كل سحور، أتلو معها القصائد والتواشيح الدينية، وأكاد لا أمر قرب منزل إلا وتضاء أنواره. أما الساهرون فانهم يسعدون حينما يسمعون صوتي ويروني مرتدياً الثياب العربية وكثيراً منهم يطلب أن يلتقط صوراً معي”.
يقوم قطيش بمهمته في تسحير الناس، حتى رؤية هلال العيد ليخرج صباح العيد معايدا الناس الذين يجودون عليه بالعيديّة التي تعتبر نوعاً من الشكر له على ما قدمه من تعب وجهد خلال الشهر.
يعتقد البعض أن مهنة المسحراتي شارفت على الانقراض في العديد من المدن، لكن صيدا تصر على الحفاظ على هذه العادة المحبوبة في هذا الشهر الكريم وتتمسك بالمسحراتي وتقدم له الدعم والحوافز والتقدير للاستمرار بعمله.