المسخ‭ ‬اللغوي

الملاحظ‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يخص‭ ‬الكتب‭ ‬المدرسية‭ ‬لبعض‭ ‬المستويات‭ ‬الأولية‭ (‬التعليم‭ ‬الابتدائي‭)‬،‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الموسم‭ ‬الدراسي‭ ‬2018‭- ‬2019،‭ ‬هو‭ ‬انحراف‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬عن‭ ‬مجراها‭ ‬الأصلي‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مفهوم‭ ‬أو‭ ‬مبرر‭ ‬حتى،‭ ‬بحيث‭ ‬تم‭ ‬إقحام‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الكلمات‭ ‬والتعابير‭ ‬العامية‭ ‬‮«‬‭ ‬كبغرير،‭ ‬وغريبة،‭ ‬وبريوات،‭ ‬وكعب‭ ‬غزال‭ …‬‮»‬‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬يهدد‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية‭ ‬التعلمية‭ ‬برمتها،‭ ‬ومن‭ ‬خلالها‭ ‬المشروع‭ ‬التعليمي‭ ‬والثقافي‭ ‬الوطني‭ ‬الذي‭ ‬ناضل‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬المغاربة‭ ‬منذ‭ ‬سنين‭ ‬طويلة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المنعطف‭/‬المنزلق‭ ‬الخطير‭ ‬يحق‭ ‬لنا‭ ‬كمغاربة،‭ ‬لغتهم‭ ‬الرسمية‭ ‬ـ‭ ‬دستوريا‭ – ‬هي‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭: ‬ما‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العناد،‭ ‬بتطبيق‭ ‬مشروع‭ ‬قديم‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬حوله‭ ‬إجماع‭ ‬وطني،‭ ‬والذي‭ ‬قد‭ ‬يلقي‭ ‬بنا‭ ‬في‭ ‬غربة‭ ‬الغراب،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يفلح‭ ‬في‭ ‬تقليد‭ ‬الحمامة،‭ ‬وحينما‭ ‬أراد‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬طبيعته،‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬نسي‭ ‬طبعه‭ ‬وأصله؟2

هل‭ ‬بمقدور‭ ‬الأستاذ،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬نهيئه‭ ‬نفسيا‭ ‬لهذا‭ ‬الأمر،‭ ‬أن‭ ‬يستوعب‭ ‬الصدمة‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬هذا‭ ‬الرهان،‭ ‬خصوصا‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬فم‭ ‬المدفع،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬شبيها‭ ‬بسيرك‭ ‬ماسخ؟‭ ‬ألا‭ ‬نكون‭ ‬بذلك‭ ‬قد‭ ‬أجهزنا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬شخصية‭ ‬الأستاذ‭ ‬وهيبته‭ ‬كمرب؟‭ ‬ألا‭ ‬يطرح‭ ‬تعدد‭ ‬اللهجات‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬مشكلا‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح؟‭  ‬لماذا‭ ‬يقتصر‭ ‬التطاول‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬دون‭ ‬سواها‭ ‬من‭ ‬اللغات‭ ‬المدرسة‭ ‬كالفرنسية‭ ‬مثلا؟‭ ‬ما‭ ‬مصير‭ ‬التلاميذ‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬العشوائية‭ ‬والبلقنة‭ ‬اللغوية؟

ليس‭ ‬من‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬المدرسية،‭ ‬بتعليمنا‭ ‬الأولي‭ ‬ـ‭ ‬الأساسي‭ ‬هو‭ ‬محاولة‭ ‬مكشوفة‭ ‬لتمرير‭ ‬مشروع‭ ‬التدريس‭ ‬بالدارجة،‭ ‬الذي‭ ‬أثار‭ ‬جدلا‭ ‬كبيرا‭ ‬بين‭ ‬رافض‭ ‬ومؤيد،‭ ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬يحسم‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭. ‬والحق‭ ‬نقول‭ ‬إنه‭ ‬واهمٌ‭ ‬من‭ ‬يزعم‭ ‬أو‭ ‬يظن‭ ‬حتى،‭ ‬بأن‭ ‬التدريس‭ ‬بالدارجة،‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬هو‭ ‬المدخل‭ ‬الحقيقي‭ ‬لإصلاح‭ ‬المنظومة‭ ‬التعليمية‭ ‬التي‭ ‬آلت‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬آلت‭ ‬إليه،‭ ‬وإن‭ ‬كنا‭ ‬نشك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬السبب‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬المخطط‭ ‬هو‭ ‬إنقاذ‭ ‬تعليمنا‭. ‬لقد‭ ‬أصبحت‭ ‬النوايا‭ ‬مكشوفة‭ ‬للقريب‭ ‬والبعيد،‭ ‬والمتمثلة‭ ‬في‭ ‬إضعاف‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬لصالح‭ ‬اللغة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬بنية‭ ‬مبيتة،‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬ويقوي‭ ‬فكرة‭ ‬التبعية‭ ‬التي‭ ‬مهد‭ ‬لها‭ ‬المستشرق‭ ‬كولان‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬سابق،‭ ‬قبل‭ ‬اليوم‭.‬

كنا‭ ‬وما‭ ‬نزال‭ ‬مع‭ ‬الطرح‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬بأن‭ ‬لغة‭ ‬المنظومة‭ ‬التربوية‭ ‬ينبغي‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بصيغة‭ ‬الجمع‭ ‬لا‭ ‬المفرد،‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬ـ‭ ‬الأولى‭ ‬ـ‭ ‬صيغة‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬التعدد‭ ‬اللغوي‭ ‬والثقافي‭ ‬والقيمي‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬المغرب

أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التأثيرات‭ ‬المباشرة‭ ‬والآنية‭ ‬لهذا‭ ‬المخطط،‭ ‬فإننا‭ ‬نقول‭ ‬بأن‭ ‬القسم‭ ‬داخل‭ ‬المدرسة‭ ‬سيتحول‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬للفرجة‭ ‬والسخرية‭ ‬والتهكم‭ ‬بفعل‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬ينجم‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬سيناريوهات‭ ‬دارجة‭ ‬لا‭ ‬يفصل‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬مثيلاتها‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬سوى‭ ‬أسوار‭ ‬المدرسة‭. ‬تصوروا‭ ‬معي‭ ‬مشهد‭ ‬التلاميذ‭ ‬وهم‭ ‬يرددون‭: ‬غريبة‭.. ‬بغرير‭..‬غريبة‭..‬غ‭.. ‬وكيف‭ ‬سيكون‭ ‬موقف‭ ‬الأستاذ‭ ‬الذي‭ ‬لن‭ ‬يستطيع‭ ‬إيقاف‭ ‬ضحك‭ ‬وقهقهة‭ ‬التلاميذ،‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬واقع‭ ‬الحال‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬بذلك؟

صحيح‭ ‬جدا‭ ‬أننا‭ ‬كنا‭ ‬وما‭ ‬نزال‭ ‬مع‭ ‬الطرح‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬بأن‭ ‬لغة‭ ‬المنظومة‭ ‬التربوية‭ ‬ينبغي‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بصيغة‭ ‬الجمع‭ ‬لا‭ ‬المفرد،‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬ـ‭ ‬الأولى‭ ‬ـ‭ ‬صيغة‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬التعدد‭ ‬اللغوي‭ ‬والثقافي‭ ‬والقيمي‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬المغرب،‭ ‬لكن‭ ‬بشكل‭ ‬معقول‭ ‬وعلمي‭ ‬ومتفق‭ ‬عليه‭. ‬أما‭ ‬أن‭ ‬نعمل‭ ‬على‭ ‬تهجين‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬ومسخها‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬بداعي‭ ‬التخفيف‭ ‬من‭ ‬صعوباتها،‭ ‬وكذا‭ ‬فتحها‭ ‬على‭ ‬مكون‭ ‬لغوي‭ ‬مغربي‭ ‬آخر،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬محيطها‭ ‬السوسيو‭ ‬ثقافي،‭ ‬فأمرٌ‭ ‬مكشوف‭ ‬لأنه‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬حق‭ ‬أريد‭ ‬به‭ ‬باطل‭. ‬كان‭ ‬بالإمكان،‭ ‬مثلا،‭ ‬أن‭ ‬يخصص‭ ‬أصحاب‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬مادة‭ ‬مستقلة،‭ ‬خاصة‭ ‬بالدارجة‭ ‬المغربية،‭ ‬بكتاب‭ ‬مستقل،‭ ‬وأستاذ‭ ‬متخصص،‭ ‬ومفتش‭ ‬للمادة‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأمازيغية،‭ ‬أيضا‭ ‬وعطفا‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬كان‭ ‬بالإمكان‭ ‬اعتماد‭ ‬لغة‭ ‬عربية‭ ‬مبسطة‭ ‬في‭ ‬التدريس‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ما‭ ‬دعا‭ ‬إليه‭ ‬المفكر‭ ‬المغربي‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬العروي،‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬النوايا‭ ‬حسنة‭ ‬فعلا‭. ‬

والحاصل‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬البلقنة‭ ‬اللغوية‭ ‬التي‭ ‬آلت‭ ‬إليها‭ ‬لغتنا‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬كتبنا‭ ‬المدرسية،‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الموسم‭ ‬الدراسي،‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تنتج‭ ‬لنا‭ ‬جيلا‭ ‬مشوها،‭ ‬جيلا‭ ‬ليس‭ ‬بمقدوره‭ ‬أن‭ ‬يحدد‭ ‬أو‭ ‬يقرر‭ ‬مصيره‭ ‬بيده‭. ‬إنه‭ ‬جيل،‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬العروي‭ ‬دائما،‭ ‬وفق‭ ‬هذا‭ ‬المخطط،‭ ‬خُلق‭ ‬لكي‭ ‬يكون‭ ‬مصيرُه‭ ‬المعامل‭ ‬فقط‭. ‬ولنا‭ ‬أن‭ ‬نتصور‭ ‬جميعا‭ ‬بشاعة‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬نؤول‭ ‬إليه‭ ‬كشعب‭ ‬يحظى‭ ‬بكل‭ ‬مقومات‭ ‬النجاح‭ ‬والتطور‭ ‬والازدهار‭.‬

أما‭ ‬بعد‭..  

إن‭ ‬ما‭ ‬تخطط‭ ‬له‭ ‬بعض‭ ‬الجهات،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مسخ‭ ‬لغتنا‭ ‬العربية،‭ ‬بتطعيم‭ ‬كتبنا‭ ‬المدرسية‭ ‬ببعض‭ ‬الكلمات‭ ‬والمفردات‭ ‬والتعابير‭ ‬المستقاة‭ ‬من‭ ‬الدارجة‭ ‬المغربية،‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬استكمال‭ ‬باقي‭ ‬مخططات‭ ‬المشروع‭ ‬المشار‭ ‬إليه‭ ‬أعلاه،‭ ‬محاولة‭ ‬مكشوفة‭. ‬وقد‭ ‬تصدت‭ ‬لها‭ ‬شخصيات‭ ‬وازنة‭ ‬وبارزة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الفكر‭ ‬والثقافة‭ ‬والسياسية‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬المفكر‭ ‬المغربي‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬العروي،‭ ‬وأستاذ‭ ‬اللسانيات‭ ‬عبد‭ ‬القادر‭ ‬الفاسي‭ ‬الفهري،‭ ‬وعالم‭ ‬المستقبليات‭ ‬المهدي‭ ‬المنجرة‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬بالحرف‭ ‬‮«‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الاستعمال‭ ‬المكثف‭ ‬للدارجة‭ ‬بريئا‭ ‬فنحن‭ ‬أمام‭ ‬مخطط‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬العربية‮»‬،‭ ‬هذا‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬المؤسسات‭ ‬المختصة‭ ‬والوازنة‭ ‬التي‭ ‬تصدت‭ ‬بقوة‭ ‬لهذا‭ ‬المشروع،‭ ‬إذ‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬الائتلاف‭ ‬الوطني‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭.‬

٭‭ ‬كاتب‭ ‬مغربي‭      

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية