المسرح الملحمي والقضايا السياسية: حكاية (السيّد) و(التابع) بين بريخت وألفريد فرج

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: تعود ثنائية السيّد والتابع إلى الكوميديا اللاتينية القديمة، حيث الأعمال المسرحية التي حاولت الكشف عن مفارقات العصر من خلال شخصيتين غاية في التناقض، بدايتها التفاوت الطبقي. وتطور الأمر روائياً عن طريق سرفانتس في «دون كيخوته»، ودينيس ديدرو الذي قلب الآية في روايته «جاك القدري»، وجعل العمل باسم التابع، وأعطاه الصوت السردي الأقوى في الرواية. مع ملاحظة وجود هذا الشكل ـ السيّد والتابع ـ في تراثنا السردي، والمتمثل في «حكايات ألف ليلة وليلة»، وإن كان بصورة غير مباشرة، ولكن في العصر الحديث وجدت هذه الثنائية طريقها لمناقشة عدة قضايا على رأسها السُلطة، وكيفية السخرية منها وتبيان أوجه القصور في عقلية مَن يمثلها. النموذج الأشهر يأتي من بريخت (1898 ــ 1956) ومن خلال المسرح الملحمي الذي وضع بريخت له أسسه وتقنياته، رداً على المسرح الأرسطي المعهود، الذي رآه بريخت مسرحا يعمل لخدمة السلطة في الأساس عن طريق المحاكاة والتطهير، وخلق متفرج سلبي يستقبل العمل ويتماهى معه، دون تفكير أو محاولة لتغيير ما هو قائم. ومن خلال عمل بريخت «السيّد بونتيلا وتابعه ماتّي» يأتي المؤلف المصري ألفريد فرج (1929 ــ 2005) ليقدم عمله المسرحي «علي جناح التبريزي وتابعه قفه» مستلهماً تقنيات بريخت، والإطار العام للمسرحية، لمناقشة أوضاع سلطة انقلاب يوليو/تموز 1952 ورجالها، رغم نفي فرج التأثر ببريخت ــ وهو ما يُنافي المنطق ـ وأن الأمر يعود لتأثره بالتراث العربي المتمثل في حكايات ألف ليلة!

فكرة الكرنفالية

تعود ظاهرة الكرنفال إلى بدايات عصر النهضة، وقد انتقلت إلى الأدب، وتمثلت في تعدد الأصوات واختلاط الأدوار وتبادلها، فالكنيسة الكاثوليكية التي كانت مُتحكمة في كل شيء، كانت سُلطة لا تنشد سوى استقرارها، وبالتالي تحرص على وجود حالة من التنفيس حتى لا ينفجر الوضع، وذلك بالسماح ببعض التجاوزات في أيام معينة من الأعياد الدينية. مساحة الحرية هذه هي التي أصبحت في ما بعد بمثابة الوعي الذي ساهم في التقدم الأوروبي (حالة بونتيلا وماتّي، والتبريزي وقفة). وتمثلت هذه الظاهرة في الطعام والشراب والضحك (المائدة الوهمية التي أقامها التبريزي لقفة، ومأدبة بونتيلا والقاضي).

بريخت

الاستناد إلى التراث

المُلاحظ على تجربة كل من بريخت وفرج أنهما من أصحاب اتجاه الالتزام في الأدب، وبالتالي الوقوف أمام قضايا العصر من خلال الفكر الانتقادي للسلطة. فبريخت هارب من النازية إلى فنلندا، وفرج ينتقد تجربة انقلاب يوليو 1952. وكما استلهم بريخت موضوعه من حكايات شعبية فنلندية، يستلهم فرج مسرحيته من عدة نصوص في ألف ليلة وليلة، وهي ـ حسب قوله ـ المائدة الوهمية، حكاية الجراب، ومعروف الإسكافي. وفكرة استلهام التراث فكرة مُلحة ومكرورة لدى ألفريد فرج، من منطلق أنها قضية هوية وبحث عن استقلال سياسي واقتصادي وثقافي. ولكن.. وجد فرج ضالته في شكل بريخت الملحمي، حيث السرد والقص بالأساس، ولعبة وضع الشخصيات التاريخية أو التراثية في إطار عصري، وهو الأنسب لمعالجة موضوعات تلك الفترة.

البناء الدرامي

تبدو التشابهات الكثيرة بين العملين في البناء الدرامي، بداية من العنوان، وذكر كل من اسمي (السيّد) و(التابع) صراحة، ثم تتعدد هذه التشابهات.. فنص بريخت يتكون من برولوج و12 مشهدا، بينهما أغنيات لكسر الإيهام ونفي فكرتي التماهي والتطهير. بينما يتكون النص عند فرج من فصلين كل منهما يتكون من مشاهد قصيرة، وبينهما فاصلاً درامياً (لوحة الجراب) بديلاً عن أغنيات بريخت بين المشاهد. مع ملاحظة أسلوب الأداء التمثيلي، كمخاطبة الجمهور مباشرة، تاكيداُ على كسر الإيهام.

اختلاف النهاية

لم يكن في إمكان ألفريد فرج، وهو القارئ الجيد لتاريخ المسرح الغربي وتطوراته، أن يقوم بإنهاء مسرحيته بأسلوب عقلاني كما ختمها بريخت، وقد انفصل التابع (ماتّي) عن سيده (بونتيلا)، فالأمر في الشرق وفي مصر بالتحديد أفدح، ولن يكون الختام إلا بالمزيد في الظلال، فـ(قفة) لا يترك (التبريزي) بل يخرج معه لاستقبال القافلة التي لن تجيء، وهو الوهم الذي صدّره عبد الناصر إلى شعب قفة، االذي بعدما كان يحترف صنعة الإسكافي، أصبح متسولاً وقد أنفق ماله على الأمير/الزعيم الوهمي. فالتبريزي استمر في الكذب حتى صدق نفسه، وأوحى للآخرين بتصديقه، بينما يترك ماتّي بونتيلا إلى الأبد. وهو ما يتسق والطبيعة المختلفة للشخصيات، فالتبريزي يضربه الخيال، فيتوهم ويجعل الآخرين يتوهمون، بينما بونتيلا عندما يغرق في السُكر يغيب عقله ويحل ضميره.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية