في رواية حنان الشيخ ‘حكايتي شرح يطول’ تظهر سيدة الحكاية ‘كاملة’ (أم حنان) رغبتها في اقتناص الممنوع، واختراقه في زمن محافظ تكون فيه السينما شرطا أنطولوجيا بقبول شيء لا تعرفه وهو الزواج،لكن ماذا تعني ‘كاملة’ بالنسبة لهذا الموضوع؟
أليست هذه الحكاية جسرا لقول ما أريد قوله، أنا المولع بالفن السينمائي منذ الصغر، ومنذ الصغر تحضر العفاريت والمساخيط وقطاع الطرق والأشباح في ساحة عامة تكون فيها الصورة معلقة على الحائط، نستمتع بشريط لم نكن نعرف معانيه بعد، بل كانت جاذبية الأشقر والشقراء والصوت هي الأهم بالنسبة لنا، كنا نرتق حكايا الشيخ الحكواتي على الصورة، أو على الأقل كنا نلبس الممثلين لباس حكايا ‘عنترة’ ‘وسيف بن ذي يزن’ وغيرهم. هنا يحضر المنع مثلما تحضر القراءة والتأويل. البيت ينتظرني كما الهارب من عقوبة ما، أعرف أن أبي ينتظرني بالوعد والوعيد أو بصفعة مدوخة أو… هكذا تبدو السينما مرادفة للعصيان والتأويل مثلما يكون مجال تلقيها عامرا بالمصائد والمكائد والخرافة والأشباح. بل الأكثر من ذلك الصورة تحجب هذا الرعب القادم من مكان لا نعرفه.
في منتصف السبعينات من القرن الماضي تدربت على التمرد على كل شيء قائم، ضد المؤسسة والأسرة وما تلاها في السياسة والحزب، انخرطت – ساعتها في النادي السينمائي بمدينة الخميسات، كان الانخراط واجبا لا مناص منه، كنت مسؤولا في المكتب، لم أكن أعرف مآل ذلك، كان التمرد هو بوصلة الروح وقماطها الشفاف.كنا نناقش الشريط السينمائي من خارجه كأن الكلام الذي نريد قوله كان محبوسا طيلة أيام الأسبوع لينفجر. كأن قاعة السينما ‘مرحبا’ فضاء لتحرير الكلام من فرامل صدئة. كنا ثلاثة: المتكلم (المتلقي) والشريط والبوليس السري. كل واحد من هؤلاء الثلاثة يعرض ما يقوله، فالمتلقي يتكلم خارج الشريط ،والبوليس السري يتلصص على المتلقي كي يكتب ما يريده الضابط وهكذا دواليك.
إنها لعبة ‘كاملة’ في رواية حنان الشيخ، لعبة يتواطأ الجميع ضد الجميع كما الحقيقة تماما. أذكر أني تعلمت القبلة من السينما كأني أسرقها دون رقيب.
لكن بين قراءة الشريط وقراءة الشرطي السري والقبلة المسروقة في الظلام ثمة ما يربط هذه العناصر لا لإعادة حكيها، بل للتفكير فيها، في بعدها الجمالي الذي لم نكن ننتبه إليه في السابق. أتذكر الآن ما قاله نور الدين الصايل أن المدينة لم تتغير وأن جمهورها يتكلم لغة الخشب، وأن الخشب يحمل صوتا واحدا كما اتفق، أو بالأحرى كما سوته الايديولوجيا وقومته آلياتها التنظيمية . كل شيء انهار، إلا أن الشيء الوحيد الذي يدفعني لإعادة كتابة القبلة المسروقة في قاعة السينما هو الأهم ما دمت خارج سياق الشريط السينمائي. صحيح أننا تعلمنا الكثير من كبار السينمائيين كإزنشتاين وغيره من البولونيين والألمان الشرقيين، وبالجملة في البعد المرصع بالأحمر والثورة والأمل كما تعلمنا. من جهة ثانية كيف أكتب الآن عن السينما؟ كيف أتذكر ما تناسته الذاكرة واستوطن في حواس أخرى. الآن أتذكر أفلاما مستوحاة من أعمال روائية. لا أتحدث هنا عن روايات ‘ألبرتو مورافيا’ و’فكتور هوجو’ و’نجيب محفوظ ‘ و’إحسان عبد القدوس’ وغيرهم بقدر ما أتحدث عن روايات يصعب على القارئ متابعة تفاصيلها في التجريب ك ‘محاكمة كافكا’ وهنري ميلر وإبراهيم أصلان والطاهر بن جلون وغيرهم…
قد يقول قائل إن الأفلام السينمائية للرواية الجديدة ليست إضافة جمالية فحسب، وإنما تيسير لتلقي لتلك الرواية، كأن المخرج السينمائي هو القارئ المعول عليه في تشييد المتعة، وإيصال الرمز والابتعاد عن الإطناب في حين يظل السيناريست قارئا محتملا للرواية يعيد كتابتها في مئات من الأوراق، لأن كل جملة في الرواية لا تنبسط إلا في ورقة أو أكثر. هنا السيناريست كاتب للمرة الثانية، والمخرج يبتعد عنهما معا ليشتغل بالضوء والعتمة، بالديكور والملابس، والممثلين والأقنعة، بالخدعة والحقيقة، وبالجملة قوة المخرج ليست في تقديمه للصورة فحسب، بل في كيفية خداعنا. فكيف نسقط نحن المخدوعين في تلك اللعبة؟ مرة التقيت بالأصدقاء ‘الشوبي وخيي والبسطاوي محاولا تقريب النظر أيهما الوجه وأيهما القناع فاقتنعت أنهم لا يحملون أقنعة وإنما يمثلون كما يعيشون. المخرج إذن هو الآمر بالخدعة كي يرسم لطريقه مخرجا يفوز فيه المبدع الخداع على الحقيقة، وتلك مسألة فلسفية تفترض منا نقاشا آخر.
لكن ها أنا الآن فقدت ما خزنته الذاكرة في حاسة البصر، ولم أعد أرى الصورة إلا من صوتها وهي تجربة أخرى. لا أقول أنها تعتمد على الوسيط الوصفي السمعي كما تلك القبلة المسروقة تماما. وإنما في كيفية البحث عن خطوط انفلات ممكنة بين النور والعتمة، بين البصر والعمى.لا أحيل هنا على المشهد التراجيدي الذي يعيشه العربي بقطع رأس المعري وطه حسين وإخفاء وجه أم كلثوم، مثلما لا أحيل على التناقض البين بين النور والعتمة بين الرموش والعين، وإنما أتحدث الآن وهنا على ذاك الخط المنفلت بين هذا وذاك لنرسم مشهدا آخر يذوب فيه الأول في الثاني، وإن كنت أعرف أن البعض منكم لا يحب الغبش ولا يعشق اللون الرمادي، أنا الآخر أمقته. بيد أني أحاول التسلل إلى هذا الوسط المنفلت سرا كي أرسم صورة أخرى لمخرج أعمى يحمل الكاميرا في النهار أو في الليل سيان، ويتابع الصوت كما لو كان يستدل بعكازه. الصوت غير ثابت كما الصورة، كما الكاميرا كما الممثل، كما قاعة السينما، كما المتفرج، كما دور الصحافة…اللون منحنى يتبع خطوط انفلاته كي يؤسس للسينما وجهها الآخر دون وسيط، وكي يعيد للمعري رأسه ولطه حسين وجهه ولأم كلثوم صوتها.
كاتب وباحث من المغرب
البريد الالكتروني:[email protected]