ـ رقابة بلا رقيب.
من أين تأتي هذه الرقابة؟ كيف تجلّت؟ ما هو سقفها ؟ و تحت أي شعار تضطلع بدورها؟.
بعد التنّزيل ..لعبت المفاهيم الدينية دوراً أساسياً في رسم وتحديد أطر السلوك الإنساني بشكل عام ، وألقت بظلالها الحادة على مفاصل وتفاصيل الحياة البشرية بكل نشاطاتها ، ومن ضمنها النشاط الفني بأشكاله المتعددة ، فطبّقت أقصى أشكال الرقابة على الفنون التي برز العنصر البشري فيها ملموساً محسوساً حاضراً مؤثراً بشكل مباشر وفعّال، فكان للفنون المنبريّة حصّة الأسد منها وخصوصاً المسرح وهو الفن الجامع لكل أنواع الفنون بأشكالها المختلفة.
لقد كانت الرقابة المطبّقة على المسرح رقابة اجتماعية دينية أخلاقيّة تأتّت من التشريعات الدينية السلوكية على اختلافها واختلافاتها وتعدد رسائلها تفصيلياً واضعة العمل المسرحي ضمن قوالب أخلاقيّة محددة يمنع الخروج عنها أو تجاوز خطوطها حتى لو كان هذا على حساب الشروط الفنية التي طالما أُغفلت وهُمّشت أهميتها تحت هذا السقف ، معتبرة أن الدور الواجب تقديمه من خلال هذا النشاط ينحصر في تكّريس و تقديم المفاهيم الاجتماعية الدينية الأخلاقيّة السائدة المتفق عليها بطبيعة الحال .
ـ إذن بالمرور.
من هنا نستطيع أن نلتمس ونقرأ مخاوف رائد المسرح العربي مارون نقاش ، عندما قرّر الدخول بهذا الفن بمعناه العريض الاحترافي إذا صح التعبير إلى ميدان الواقع الاجتماعي العربي ، إذ يتّضح قلقه وارتيابه من عدم قبوله أو رفضه أو اعتباره فعل ضار بالأخلاق العامة ، فألقى خطبة بمناسبة افتتاح مسرحية البخيل عام 1848 مؤكداً من خلالها على انسجام هذا الفعل الفني واتساقه مع المفاهيم الأخلاقية للمجتمع محاولاً كسب شرعية الفعل وترخيص اجتماعي للقيام فيه ، مدلّلا على القيم التي يحملها فن المسرح حيث قال فيها:
‘ بهذه المراسح تُكشف عيوب البشر، فيعتبر النبيه ويكون منها على حذر. وعدا اكتسابه منها التأدّب ورشفهم رضاب النصائح والتمدن والتهذيب ، فإنهم في الوقت ذاته يتعلمون ألفاظاً فصيحة ويغتنمون معاني رجيحة …ثم يتنعّمون بالرياضة الجسديّة واستماع الآلات الموسيقيّة، ويتعلّمون إن أرادوا مقامات الألحان وفن فنانين الندمان ، ويربحون معرفة الإشارات الفعاّلة وإظهار الأمارات العمّالة …ويتلذذون بالفصول المضحكة المفرحة و الوقائع المسرّة المبهجة ، ثم يتفقهون بالأمور العالمية والحوادث المدنية ، ويتخرجون في علم السلوك.’
حاول النقاش في كلامه هذا الحصول على إذن بالمرور وطمأنة الرقابة بمعناها الأخلاقي الاجتماعي العام إلى أن هذا الفن القادم لن يكون إلا رافداً قوياً لكل مفاهيم الأخلاق وشروط التربية والتهذيب المرعية والسلوك الحميد.
توخّياً للموضوعية في عرض هذه الفكرة وجب علينا الذكر إن هذا الواقع الاجتماعي السلطوي القائم آن ذاك لم يكن حالة عربية متفرّدة زماناً ومكاناً ، فقد مرّت أوروبا سابقا بما يشبه هذا الوضع من سيطرة للمفاهيم الدينية الأخلاقية الاجتماعية الصارمة على الفنون عامة وعلى المسرح بوجه خاص ، إذ أنه وفي العصر الاليزابيني مثلاً ظهرت مجموعات متزمّتة ممن سمّوا في زمن شكسبير بالتطهيريين الذين استطاعوا وقف عجلة المسرح زمناً طويلاً تحت حجّة إخلاله بالآداب العامة.
ـ في العناية المركزة.
لا يسعنا في معرض الحديث عن المسرح في حضرة الأخلاق القفز أو اجتناب التطرّق إلى دور المرأة في هذا النشاط الفني الاجتماعي ، إذ أن محاولة نشاطها فيه ، ومحاولة المسرح ضمّها إليه ، كان قد شكّل أحدى أكثر التحديات الأخلاقية إشكالية ، تحد أيقظ أزمة اجتماعية أخلاقية حادة أدخلته في حالة حرجة كادت أن تودي به بكليته.
لم يكن من الطبيعي بقاء المرأة في منأى عن المشاركة في العمل المسرحي ذلك بحكم طبيعته في محاكاة الواقع الإنساني الاجتماعي والتي تشكل المرأة جزء لا يمكن إغفاله أو الاستغناء عنه ، فكان لزاماً عليها وعلى العاملين في الحركة المسرحية ، خوض معركة مرهقة وصراعاً مريراً في مجابهة السلطة الأبوية والزوجية والعائلية والدينية ، إضافة إلى السلطة الاجتماعية العامة المتجسّدة في قائمة طويلة من القيم والمعتقدات والأنظمة والنواهي ، التي تعتبر المرأة جوهر القيمة الأخلاقية وركنها الأساس ، فمجرد ظهورها العلني كان يشكل خرقاً أخلاقياً فاضحاً، كيف هو الحال إذاً بوقوفها على منبر مرتفع عريض مضاء وقيامها بلعب دور مسرحي؟!!.
انطلاقاً من ذاك المفهوم الأخلاقي السائد حينها نستطيع أن نتصوّر مستوى الصراع الذي خاضته المرأة لتنجز قبول حضورها وثباتها وعملها في هذا الميدان ، وحجم المسؤولية التي وقعت على كاهل المسرح في احتوائها وتقديمها و تكريس دورها الاجتماعي والفني ضمن إطار أخلاقيّ واضح متّسق مع المفهوم الأخلاقي للمجتمع حتى استطاع إقناعه بطبيعية حضور المرأة فيه بل وضرورة وجودها وتقديمها لوظيفة أخلاقيّة من خلاله أيضاً.
ـ إسهامات منقذة.
لقد أسهم التطور الفكري والتقدم العلمي ، خصوصاً العلوم الإنسانية منها ، في تبسيط وتوضيح المفاهيم العملية والسلوكية للفنون ، فعمد إلى تحليلها و تقديمها وعرضها واضعاً الرقيب الاجتماعي الأخلاقي في حالة من الاسترخاء والركون والاطمئنان لها ، نازعاً عنها صفة الدخيل الغريب على الواقع أو صفة المشبوه المتهم حتى تثبت براءته ، ويعتبر تطوّر علم الاجتماع في هذا السياق من أهم العوامل التي ساعدت على توقيع هذه الحالة عندما اعتبر أن كل أثر إنساني فنّي أو موقف أو رأي جديد ، يحمل في جوهره وذاته ملامح الوسط الاجتماعي الذي نشأ فيه ، بمكوناته وأخلاقياته ومفاهيمه الأساسية .
فبدأ يُنظر إلى الفن المسرحي من هذه الزاوية ويوضع ضمن هذا الإطار رغم استمرار اعتباره فناً دخيلاً على المجتمع العربي ، إلا أنه استطاع فرض شرعيته واكتساب احترامه من خلال سلوكه ونشاطه العملي عندما استقى موضوعاته من واقعه وقدّم رؤاه تحت مظلة المفاهيم الأخلاقية السائدة للمجتمع.
لقد أثبت هذا الفن مدى ارتباطه الوثيق بواقعه الاجتماعي عضوياً وموضوعياً سواء في الأخذ من هذا الواقع أو في إعطائه ، موظفاً أدواته كلها في خدمة قضايا مجتمعه وهمومه وتطلعاته.
نشأت الفنون وعاشت استمرّت وتطوّرت نظرياً وعملياً في معركة جدلية حارة بينها وبين الأخلاق ، محاولة إثبات شرعية وجودها وضرورة استمرارها ، وأهمية دورها الإنساني والاجتماعي موالية له أحياناً ومعارضة أحيان أخرى ، إلى أن ارتقت المفاهيم الإنسانية العامة وانتقلت بحكم التطوّر الاجتماعي والنتاج المعرفي الواقعي لهذا التطور لتشمل الفنون كجزء من الأخلاق بحد ذاتها ، وكلاعب رئيسي في التنظيم الأخلاقي والتوجيه السلوكي . ونتيجة لذلك التطور أصبح من المعلوم بما لا يقبل الشك الدور الهام الذي يضطلع به المسرح بكافة أشكاله وألوانه في حمل وتقديم ونشر القيم الأخلاقية الإيجابية واضعاً إياها في قالب فني أدبي جميل مستوحي موضوعاته من الواقع والتاريخ والدين والميثولوجيا ونتاج الإرث الفني الجمالي للإنسانية جمعاء.