وحدها الأرقام يمكن جمعها في أي مكان، على ورقة بيضاء، أو صفحة جدار، أو باب متهالك. فعملية الجمع تحدث في الأذهان، وفي الأعيان الصيغة المجردة منها. أمّا أن تعيش أسرة في خيمة، أو غرفة، أو شقة صغيرة، فإنهم سيتحولون إلى «مكدوس». تلك هي قصة السوريين الضائعين في مخيمات الوجع، من الزعتري إلى هاتاي، مرورا بالبقاع! وليست ببعيدة عنهم أوضاع أخوتهم في النزوح، فأولئك.. وهؤلاء.. وجها المأساة السورية، أما الحياة الكريمة فهي لمن أدرك أن الوطن غال، فباعه! أما البقيّة فقد سقطت عن أغصان شجرهم اليابس، أحلامهم الخضراء، وتحولوا إلى كائنات بيولوجية، يمكن اختصارها بسلة غذائية، تقدمها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أو الهلال الأحمر! وتحول ليلهم إلى ظلام، وظلام فقط.
تمكث في قاعه البهيم رغباتهم التي لم يعد الوصول إليها ممكناً، وحقوقهم التي أصبحت ترفاً بعيد المنال، وأحلامهم التي ودّعت ما بقي في ذاكرتهم من خيال، فالمريض كما يقول أرسطو: لا يستطيع أن يلبس ثوب العافية، بمجرد رغبته بذلك، وأصبح غدنا هو الغد الذي ننتظره، وليس الغد الذي نصنعه، فالمأساة السورية رغم التوثيق اليومي لمعطياتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، وعلى الرغم من الحضور الاعلامي الذي لم يسبقه مثيل عبر التاريخ، ما زال الكثير من وجوهها طي الكتمان، أو التجاهل، وستظهر النتائج الكارثية لمتلازمة القهر السوري قريباً، بل قريباً جدا. ولن تقتصر على بيع الأعضاء، وزواج القاصرات، وتراجع شرائح اجتماعية كبيرة إلى ما وراء خط الفقر، وانتشار الأميّة. ثمة مشاكل اجتماعية هائلة، ومترابطة، ليس أولها التفكك الأسري، ولن يكون آخرها ما لا نريد ذكره. فالأنظار الآن تركض بين الليرة السورية وقيمتها الشرائية. وما زال هناك من يقول إن المياه ستعود إلى مجاريها، ويتناسى أنها لن تكون صالحة للشرب. فالكل يبحث عن إثبات وجهة نظره، وليس عن الحقيقة. ولم يفكر أحد في تجسير الهوة بين الفرضيات الإعلامية والوقائع، وكأن حياتنا أصبحت مادة إعلامية، حقوق نشرها غير محفوظة، فاكتب ما تشاء، المأساة السورية تحتمل.
«أثناء حرب الخليج كتب جون بودريار تحت عنوان «حرب الخليج لم تحصل» كلّ من لا يتعرّف على الحرب عبر التجربة المباشرة، لا يطلّع فعليّاً على الحرب، بل على تمثيلٍ لها، يخلقه الإعلام والتلفزيون والأيديولوجيا».
«أثناء حرب الخليج كتب جون بودريار تحت عنوان «حرب الخليج لم تحصل» كلّ من لا يتعرّف على الحرب عبر التجربة المباشرة، لا يطلّع فعليّاً على الحرب، بل على تمثيلٍ لها، يخلقه الإعلام والتلفزيون والأيديولوجيا». وباعتباري ابن الحالتين/ اللجوء والنزوح/ فقد عشت، وعايشت، وخبرت الكثير مما لم يتطرق إليه الإعلام، فوجود الأسرة ومن معهم من ذوي القربى في غرفة، أو خيمة، أو حتى في شقة صغيرة، يجعل العيون تنام، ولكن الغرائز الجائعة فإنها لا يمكن أن تنام. فالرغبات لا تموت في الحروب؟ وأغلب الدراسات النفسية تؤكد أن الغرائز، خاصة الجنسية منها، تستيقظ في الحالات التي يتهدد فيها الوجود الإنساني. مشكلتنا أننا نستطيع أن نرى الفعل، ولكن لا نستطيع رؤية الدوافع التي تحركه. نستطيع رؤية الخلافات الزوجية، ونسمع أنها قامت من أجل الأولاد، أو غير ذلك، والحقيقة أن الأولاد ليسوا سوى ذريعة، ثمة كبت جنسي قد استفحل بين الأزواج، وأخذ يتمظهر بأشكال مختلفة. يروي لي (أ. س) الرجل الخمسيني، في إحدى السهرات، أنه منذ ثمانية أشهر لم يقترب من زوجته، كل يوم أقول: اليوم خمر.. وغداً سيكس « خلصنا الخمر، وما إجا السيكس»! أما أم تيسير فإنها تقول لي مازحة، لو كان لدي موبايل، لكنت أرسلت لزوجي رسائل غرامية، فيبتسم زوجها، ويقول: رسالتك وصلت. يربكني هذا الوجع الناضج بينها وبين زوجها. ومما أذكر ذلك اللقاء الذي جمعني بأحد الأصدقاء الشعراء على شاطئ اللاذقية، كان برفقة زوجته، وفي معرض حديثه أراد أن يرسم لي صورة ما هو فيه، فقال: النزوح، أن تكون هناك.. وتعيش هنا. أن تعلق في حلم اللقاء. فقلت له مازحا: الحلم يتأبط ذراعك «في إشارة لوجود زوجته معه»، فرد عليّ: إنها أبعد مما تتصور يا صديقي، إضافة لذلك ما يعانيه أغلب النازحين من ضغط المصاريف التي لم تعد تتناسب مع مواردهم، وآجار البيوت المتسارع صعودا، وتكاليف التعليم في كل مراحله، بعد أن أصبحت الدورات والدروس الخصوصية ثقافة عامة، وأجور النقل المرتبطة بسعر المحروقات الذي لم يتوقف عن الارتفاع، كل تلك العوامل، وما يتبعها، أدى إلى تعب في النفوس قد لا تفصح عنه الأبدان، وهذه النفوس المتعبة صارت تفصح عن تعبها عن طريق ردود الأفعال في البيت أولا، وحين يضيق البيت بها ذرعا، تتحول إلى مشاكل عائلية.
كاتب سوري