جاء حدث احتلال فلسطين وسبيها عام 1948، وإقامة دولة إسرائيل فيها، على هيئة زلزال، مس على نحو مفجع، حياة الفلسطينيين والعرب والإقليم، وبعض العالم المعني بها وبأحداثها، وكان ما ترتب عنه في يومياتهم مروعا وخارج الوصف، غير أن الجروح البليغة التي أحدثها في روحهم ووعيهم ووجدانهم وتصوراتهم، كانت أشد هولا، وطرحت عليهم رغما عنهم أسئلة وتحديات صعبة ومعقدة، امتدت من التاريخي الملموس حتى الروحي البعيد.
في رد أولي على ما جرى قامت أجيال متعاقبة من فلسطينيين وعرب وآخرين، استبطنوا فلسطين فكرةً ومعنىً وكياناً، وانخرطوا في مسيرة انعتاقها كشرط بات تاريخيا ووجوديا لانعتاقهم، وسعوا لتحريرها ضمن ممكناتهم وظرفهم بما توفر بين أياديهم، وما ابتدعوا في كل صعيد. مع تقادم سبيها كانت فلسطين تتحول عند الناس المعنيين بها لدعوة متجددة، وإلى دليل ومعيار، لاختبار إنسانيتهم وخياراتهم وتعبيراتهم عن أنفسهم، من بسيط اليومي حتى تخوم الوجودي. واحد من هؤلاء الذين سكنتهم فلسطين وسكنوا فيها منذ مهد وعيهم، كان إلياس خوري الذي ظل مقيما هناك إلى ما بعد الثرى.
***
التعبير عن الإيمان بـ»فكرة ما» له أشكاله الكثيرة، غير أن الكتابة: نصا أو فعلا (حيث الفعل هو كتابة من نوع خاص) تظل من أعلاها وأبقاها في الزمن، ولأن فلسطين في سيرتها وصيرورتها التاريخية والروحية، هي، بذاتها وكما تشكلت في الزمني والروحي، نص مكتمل بالغ السمو والعلو، فقد كانت لها قدرة فريدة على ان تكتب معناها وسريانها في صفحات وعي الناس والزمن، وكلما كتبتهم كانوا يكتبونها على طريقتهم.
ملحمة الكتابة لفلسطين وعنها، تصير صدى لما تكتبه في روح وخيال المشغولين بها، بمقدار ما تكون تعبيرا وتجليا لانفعالهم بها، لذلك ظلت كتابة فلسطين في أي نحو، أو الكتابة عنها ولها بالكلمات أو بالأفعال عند: الكاتب والمقاتل والقريب والبعيد والحالم والحامل لمعناها في أي نحو، أمرا يسيرا وبهيا، يسري مثلما تسري الأفكار الجاذبة في النفوس، وبالقدر ذاته كانت أمرا مركبا، لأنها تشبه تشييد الهياكل والمقامات والعلامات، باستخدام الكلمات أو الأفعال، التي تقول فلسطين وتروي وجعها وأملها.
***
«سؤال فلسطين الذي يختزن كل أسئلة الوجود الخالدة» على ما قال محمود درويش يوما، طرح نفسه على المعنيين بها بقسوة: عن الحرية والانعتاق وتقرير المصير والحق في العيش العادي أسوة بكل شعوب الله، والحق بـممارسة حتى فعل «الغفلة» الآمنة التي لا يعكر صفوها خوف، أو تهديد خارج عن سياقها الاعتيادي، بما أن عيش «الغفلة» أو أن تكون غافلا وغافيا، هي حالة وحاجة وممارسة إنسانية من حق كل الناس ، سواء أنتجتها رتابة العيش، أو راحته، أو التحايل اللطيف على متطلباته المضنية. كل هذا وأكثر هو بعض ما يفتقد إليه الفلسطينيون وشعوب المنطقة منذ قرن وعقود تتطاول.
***
انشغل إلياس خوري بأسئلة فلسطين وتداعياتها، وما كانت تطرحه من تحديات، وسعى للإجابة عنها بالنص والخطى ما استطاع لذلك سبيلا، ولم تكن فلسطين عنده دراما تاريخية وجودية، مباغته، صادمة فقط، بل صارت: راية وخيارا لا التباس فيه. ومعقلا يتجلى في مداه وعد الانعتاق المكلف أكثر فأكثر، كلما اشتد عليها الحصار. وكانت أملا ظل يواصل إعادة ترميم نفسه كلما تكسرت به السبل، يولد جمالها ويستخرجه من صميم الوجع والمأساة، وتحقيق خلاصها كشرط لخلاص العالمين. وعندما كانت له اجتهاداته ومواقفه، التي لم تكن فلسطين موضوعها المباشر، وأثارت نقاشا عند البعض وتساؤلا عند البعض الآخر، ظلت فلسطين بظلالها ومعناها وآفاقها ومداراتها وحضورها، هي التي تحدد صورته وملامحه، وبقي هناك في حيزها وحرمها، غير محايدٍ ولا صامت، يمجد الحب والجمال والحرية ويناهض الفساد والتسلط والانغلاق.
***
التزام إلياس خوري بفلسطين فكرةً وقضيةً ومعنىً، ومضيه نحو وعدها البهي الصعب، رسم حضوره في ذاكرتها، وهناك ارتقى نصا وموقفا، فصار شاهدا على أن من يتدثر بفلسطين، يمضي مع الفائزين بأنفسهم وخيارهم، راضيا عما فعله بوعيه وعن الطريق الذي صارت فيها خطاه.
*كاتب واستاذ جامعي من فلسطين.