المسلسلات التلفزيونية العربية: لماذا تتكاثر في رمضان؟
سعيد محمد سعادةالمسلسلات التلفزيونية العربية: لماذا تتكاثر في رمضان؟لو نظرنا إلي واقع المسلسلات التلفزيونية والأعمال الدرامية المعروضة في شهر رمضان من كل عام، لوجدناها ـ في أكثر حالاتها ـ لا تخرج عن ثلاثة أصناف أو أشكال، موزعه علي النحو الأتي:ـ أولاً: المسلسلات التاريخية: وهي أعمال درامية فنية، تستقي مادتها ومواضيعها من التاريخ وما وقع فيه من أحداث ووقائع، كان لها كبير الأثر والأهمية، مما دفع منتجي الدراما، في وقتنا الحاضر ـ للسعي حثيثا من اجل تجسيدها في أعمال فنيه درامية، ومن ثم عرضها علي شاشات التلفزة كما حصلت ووقعت في تلك الأزمان.وهذه المسلسلات التاريخية إضافة إلي أنها أعمال درامية ذات مستوي عال من القيمة الفنية، وخاصة مصداقيتها في تناول الموضوع التاريخي واسلوب طرحه، وعلي الرغم من التكاليف الباهظة في الانتاج والتنفيذ، فهي ايضا عبارة عن وثائق وسجلات تكرس وتوثق لتلك الاحداث والوقائع التي جرت في الحقب التاريخية البائدة. ومما يشير الي مصداقيتها وقدرتها علي الاقناع لنا، اننا نشعر ونحن نشاهدها عبر شاشة التلفاز وكأنها تصوير حي ونقل مباشر لتلك الاحداث والوقائع، حيث يبعث ـ هذا الشعور ـ في نفوسنا جرعة كبيرة من التأثر والانفعال بها، تفوق أضعافا كثيرة جدا مما لو كنا نقرأها في كتاب او نطالعها في مرجع يتحدث عنها باسلوب السرد والرواية فقط، ولذا فهي تترسخ في اذهاننا ونحفظها في مخيلتنا ـ عبر هذا الاسلوب الدرامي / المرئي ـ بشكل أعظم دقة وأكثر قدرة من الأسلوب الكتابي/ القرائي.والمتتبع لمثل هذه المسلسلات، سوف يلاحظ بشكل واضح وجلي، أنها جاءت علي نوعين من حيث تناولها للموضوع التاريخي. فالنوع الأول يركز علي شخصيات تاريخية محددة، تدخل في باب السير، كسير الملوك والعظماء والقادة، أو إلي ما هنالك من شخصيات أخري، كانت في سيرتها محور الأحداث ومركزها الأساس، لما لها من دور بارز وأثر فاعل في تلك الأحداث ووقوعها آنئذ، وسواء كانت هذه الشخصيات إيجابية ذات فائدة لمجتمعاتها وواقعها، أم كانت سلبية تجر المصائب والويلات علي اهل زمانها وعصرها، فهي تبقي في النهاية، شخصيات مؤثرة في مجتمعاتها فاعله فيها. ومن هذه المسلسلات علي سبيل الذكر لا الحصر: المتنبي، صلاح الدين، هولاكو، الزير سالم، عمر الخيام، الظاهر بيبرس، صقر قريش (عبد الرحمن الداخل)، الحجاج، امرؤ القيس، أبناء الرشيد، خالد بن الوليد….. الخ.أما فيما يخص النوع الآخر من المسلسلات التاريخية، فهي تلك التي تركز علي الاحداث والوقائع التاريخية، بعيدا عن ذكر شخصيات محددة بعينها، تكون هي بؤرة التركيز او صاحبة البطولة المطلقة في المسلسل كما في السير الغيرية، وذلك طبعاً لاهمية هذه الاحداث وقيمتها البالغة علي كافة المستويات والصعد الحياتية في ذلك الوقت، سياسية كانت، أم اجتماعية، أم اقتصادية…. الخ، ومن هذه المسلسلات علي سبيل المثال:ـ ربيع قرطبة، ملوك الطوائف، أخر الفرسان، الصعود إلي القمة، الشوكة السوداء، ذي قار، الموت القادم من الشرق، زمان الوصل. وهناك ـ ايضا ـ بعض المسلسلات التي لا تفصلنا عن زمن احداثها سوي بضعة عقود من الزمن، وتحديداً وقعت احداثها في القرن التاسع عشر وصاعداً، ندخلها في إطار المسلسلات التاريخية، إن جاز لنا ذلك، وهي من مثل: أيام شامية ، الخوالي ، فارس بلا جواد ، الشتات ، ليالي الصالحية ، محمد متولي الشعراوي ، أم كلثوم ، التغريبة الفلسطينية ، نزار قباني ، قاسم أمين ، عائد إلي حيفا ، العندليب ، باب الحارة …. الخ. ثانياً: المسلسلات الحديثة الجادة الذي يغلب عليها الطابع المأساوي، فهي مسلسلات بدأ الاهتمام بها وبعرضها علي شاشات التلفزة، الفضائية والأرضية، أكثر من المسلسلات التاريخية، وذلك لكثرة إنتاج مثل هذه المسلسلات، بسبب الإقبال الكبير علي مشاهدتها من الناس عامة، هذا من ناحية، ومن ناحية اخري ـ مرتبطة بسابقتها ـ أنها تلتقط أحداث الحاضر ووقائعه لتصبح مادة عرضها وأساس مضمونها، ففي الوقت الذي وضح لنا إن المسلسلات التاريخية تعتمد في عروضها ومضامينها علي أحداث وقعت في أزمان غابرة، تفصلنا عنها حقب زمنية متفاوتة في الطول ومتباعدة في الفترات، فأن المسلسلات الحديثة تعتمد في بنيتها المضمونية وقالبها الشكلي علي أحداث الحاضر ووقائعه، وذلك بعرض كثير من القضايا التي نعايشها ونتعاطي معها كل لحظة وحين، كالعلاقات الاجتماعية وتفاعلاتها في كل مناحي المجتمع والحياة، والقضايا السياسية بتشعباتها، وخاصة مسألة الإرهاب والدوافع التي تكمن وراء انتشاره ونموه، ثم الشؤون الاقتصادية وأحوالها وانعكاساتها علي الفرد والمجتمع علي حد سواء، ومن هذه المسلسلات: قتل الربيع ، غصات الحنين ، زمن الأوغاد ، الطريق الوعر ، ذكريات الزمن القادم ، الحور العين ، دعاة علي أبواب جهنم ، صاحبة الامتياز ، سكة الهلالي ، جمرة غضي ، رجال تحت الطربوش، الوزير وسعادة حرمه، أسياد المال، حدائق الشيطان، الهشيم، أحلام لا تنام، الرحي، عايش في غيبوبة ، أعيدوا صباحي ، الفرية ، نجمة الخليج ، دنيا القوي ، غزلان في غابة الذئاب ، غلطة عمر ، الاختيار الصعب … الخ.ثالثا: المسلسلات الحديثة ذات الطابع الملهاوي، حيث تطرح هذه المسلسلات مضامينها وأفكارها في قالب كوميدي يبعث علي الضحك، حتي لتصل في أسلوبها وتناولها للفكرة حد السخرية والتهكم، وفي أحايين أخري تمزج ما بين الكوميدي والتراجيدي (التراجيكمك) في نفس الوقت، ليتشكل من مزجها لون فني أخر، يختلط به الضاحك بالباكي وتتماهي فيه البسمة مع الدمعة في كيفية التناول للموضوع المراد انتاجه وطرحه لجمهور المشاهدين، والذي لا يخرج هذا الموضوع الا من خزانة المجتمع وجعبته الملأي بالقضايا الحياتية بانواعها واشكالها المتعددة: اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية… الخ.وشيء آخر لا بد من قوله ، أن هذه المسلسلات الكوميدية الطابع، لا تختلف عن مثيلاتها من المسلسلات التي ذكرناها في الصنف الثاني من الفقرة السابقة، إلا من حيث أنها (المسلسلات الكوميدية) تصب مواضيعها وتضعها في وعاء كوميدي ضاحك، يشكل ركنا مهما من أركان إنتاجها وصناعاتها. وبهذا يصبح عنصر الإضحاك فيها احد أهدافها ومقاصدها ـ ولا نقصد بالإضحاك هنا، ذلك الذي يكون مجانيا ليس من ورائه طائل إلا الهزل والتهريج، وإنما الإضحاك الموجه والموصل في نفس الوقت إلي هدف ما، يختبئ خلف هذا الاضحاك، والذي يسعي منتجو هذه المسلسلات إلي إيصاله إلي جمهور المشاهدين والمتلقين، ولعل مسلسلات من مثل: سلسلة مرايا لياسر العظمة، غشمشم، بطل من هذا الزمان، بقعة ضوء، عالمكشوف، طاش ما طاش، قريقعان، داوديات، عودة غوار، أبو الهنا، عيلة ست نجوم وأجزاؤها…. الخ أكثر ما تمثل هذا النوع من المسلسلات التلفزيونية ذات الطابع الكوميدي المعروضة في شهر رمضان المبارك من كل عام.كشف سلبيات المجتمع كل عمل فني، مهما كان مضمونه المطروح لجمهور المتلقين او فكرته، ومهما اختلفت اساليبه التعبيرية، او تنوعت قوالبه الفنية، التي يجعلها الفنان /المنتج وعاء لهذا المضمون أو جسداً لتلك الفكرة، لابد وان يكون من وراء انتاجه هدف يرمي اليه منتجه، او رسالة معينة يروم إيصالها إلي جمهور المتلقين، مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف فئاتهم وشرائحهم الاجتماعية وعلي الرغم ـ أيضا ـ من تباين أذواقهم الفنية وتفاوت مستوياتهم الثقافية والمعرفية في كيفية النظر إلي هذا العمل او ذاك. ولهذا ـ ومع كل ما ذكر ـ تبقي الهدفية والقصدية في هذه الإعمال الفنية محط توجهاتهم وإحدي مقاصدهم. ولو اختلفت زاوية النظر والرؤية لأي منهم، كل بحسب ذوقه وثقافته او إسقاطاته النفسية والشعورية علي هذه الأعمال.والمسلسلات التلفزيونية بأشكالها ومواضيعها المتعدده هي ـ بلا شك ـ نوع فني يطرح مادته من خلال فعل التجسيد الدرامي/ التمثيلي، الذي ينهض علي قيام مجموعة من المبدعين: فنانين ممثلين وحرفيين فنيين، إضافة إلي طواقم من العاملين التي تتنوع أدوارهم وتتعدد مهماتهم التكميلية في سبيل انجاز هذا الفن/ العمل علي أكمل وجه، من إضاءة وديكور وموسيقي ومكياج وملابس… الخ حتي بالتالي نصل ـ نحن كجمهور نتلقي هذا العمل ـ من خلال مشاهدتنا له وقد اكتمل فعل انتاجه، إلي الهدف المزروع في مضمونه والقصد المبثوث في ثنايا موضوعه، لنخرج في النهاية، بانطباع ما عن هذا العمل الدرامي، المرهون في نفس الوقت بدرجة اقتناعنا به ورضانا عنه، علي مستوي الشكل والفكرة. وبما إن هذه المضامين المطروحة في المسلسلات التلفزيونية المعروضة في الأعمال الدرامية مأخوذة من مجتمع ما أو مستقاة من واقعة، سواء كان هذا الواقع تاريخيا ماضيا، أم آنيا حاضرا، فإنها بالضرورة سوف تعكس هذا الواقع، او علي الأقل، لابد وأن تتطرق إلي بعض جوانبه المعيشية او تتعرض لبعض قضاياه الحياتية المختلفة؛ تلك القضايا التي يراها مبدعو الفنون ومنتجوها، وخاصة فنون الدراما، مثيرة للانتباه، وجديرة بالاهتمام، لما فيها من أمور، ومواقف حساسة تمس النفس الانسانية وقضاياها المتعددة، سياسية كانت أم اجتماعية أم اقتصادية أم فكرية… الخ، مما يدفع هؤلاء المبدعين ومنتجي فنون الدراما إلي تجسيدها في أعمال فنية، تجيء علي شكل مسلسلات وأعمال تلفزيونية، تبث وتعرض من خلال شاشة التلفاز وعبر محطاته الفضائية. كل هذا من أجل أن يطلع عليها المشاهد / المتلقي، فيري من خلالها سلبيات المجتمع ومشاكله تتعري أمامه وتنكشف بوضوح تام، فيعرف ـ عندئذ ـ الغث من السمين في واقعه ومجتمعه.ارباك المشاهد منذ عقد من الزمن أو أكثر قليلاً، لم نكن نري مثل هذا الكم الهائل من المسلسلات التلفزيونية والأعمال الدرامية، وإنما كنا نشاهد القليل منها مقارنة مع هذه الأيام. أما اليوم وفي ظل الأسباب سالفة الذكر، فإننا بتنا نشاهد كثيراً من المسلسلات التي أصبح حضورها بارزاً علي مستوي الشكل والمضمون في كثير من الدول العربية مثل: سورية ودول الخليج وخاصة دولة الكويت و بعض دول المغرب العربي مثل تونس…الخ.والجدير بالذكر انه علي الرغم من كثرة إنتاج هذه المسلسلات فإن هذا لم يمنع من ظهور كثير من هذه الإعمال في مستويات درامية عالية القيمة علي مستوي فني وتقني. ولكن الشيء الذي لابد من قوله ـ أن كثرة هذه المسلسلات التلفزيونية، وتخصيص عرضها في شهر واحد (شهر رمضان) قد احدث إرباكا عند المشاهد متمثلاً بعدم قدرته علي متابعة هذا الكم الهائل من المسلسلات في هذه المساحة الزمنية القصيرة علي أكمل وجه.والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، علي عاتق من يقع من هذا الإرباك؟هل يقع علي مؤسسات الإنتاج، أم يقع علي محطات التلفزة والقنوات الفضائية التي تقوم بعرض هذه المسلسلات جميعاً في فترة واحد؟ سؤال نطرحه علي أهل الاختصاص والمعنيين بهذا الشأن، عسانا نلقي مجيبا عن هذا التساؤل.ممثل ومخرج مسرحي ـ فلسطينSaid.saada.gmail.com