يقدم الممثل الأمريكي بول بولمان، إضافة جديدة إلى تاريخه الفني عبر المسلسل الذي بدأ إنتاجه عام 2017 في ثلاثة أجزاء ليكون هذا المسلسل من الأعمال النوعية في فئة الجريمة والتحقيق، لكن عبر خلفية تعتمد مرجعيات نفسية، وفلسفية، وهو ما يشكل محور المسلسل الذي لا يعتمد على عامل الإثارة الناتجة عن كلاسيكية الجريمة الغامضة حسب، وإنما القدرة على اكتناه ما في داخل الإنسان، وتحديد الدوافع العميقة التي لا يمكن أن نراها عبر السطح، بل ينبغي أن ننظر إلى ما وراء الظاهر، لندرك حقيقة أفعالنا، والأهم دوافعنا.
عقاب الذات
يتأسس المسلسل الذي حصل على تصنيف 7.9 على موقع IMDB على بنية سردية تعتمد ثلاثة أجزاء، غير أن كل جزء ينطوي على قصة مختلفة تتعلق بجريمة مختلفة ظاهرياً، لكن القاسم المشترك بين هذه الأجزاء شخصية المحقق «هاري إمبروس» الذي يؤدي الممثل دوره بول بولمان، في مسلسل ينطوي على قدر واضح من السوداوية، لكن الأهم من ذلك محورية جلد الذات، وهذا ما يبرر عنوانه حين تتقاطع الشخصيات التي تتورط في جرائم مع مكنونات عميقة في حيوات شخصية المحقق «هاري» الذي ينبعث ماضيه، ليكون جزءاً من محاولاته لفهم دوافع الشخصيات (المجرمين) في ارتكابها لهذه الجرائم، ولاسيما استدعاء علاقته المتوترة مع أمه، التي كانت تعاني من مرض نفسي، ما جعل طفولته شديدة القتامة حين قام بإحراق منزله، وعاش جزءاً من طفولته في دور الرعاية فضلاً عن غياب الأب.
هكذا يبدو هاري أسير ماضيه وإحساسه الدائم بأنه خارج العالم، أقرب للانعزال، ولاسيما مع فشل زواجه، وفشله في أن يكون أباً مثالياً لابنته، وجداً لحفيدته، ومن هنا فإن إحساسه العميق بجلد الذات، وتعذيبها بالتوازي مع تلك الوحدة المفرطة والحساسية الواضحة تجاه الأشياء، والآخرين يبدو جزءاً من ماهيته المعقدة، التي أتقن بولمان تجسيدها، عبر ملامح وجهه المتعبة والمرهقة، كما لحيته المهملة ليبرز إحساسا بالخواء، لكن هذا لم يمنع من تدفق حاسته العميقة القائمة على فهم الأشياء، وفك الرموز، ومتابعة عمله بشغف منقطع النظير، كونه يدرك في أعماقه أن بعض الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم لم يكونوا سوى ضحايا، أو نتاج مجتمع، ونظام فاسدين.

تظهر شخصية بولمان في الجزء الأول، وهو خاضع لعلاقة مع امرأة، حيث يرتبط هذا في علم النفس بالرغبة في التكفير عن ذنب ما، أو عبر تجسيد العقاب الذاتي، من خلال اختبار تجربة الألم، لكن هاري يسعى بكل قوة لتجاوز هذا الشعور، والتخلص من كل تبعات هذا الوجود. ولعل هذه المشاعر تسهم في فهم الجريمة الأولى، التي يحقق فيها عندما تقوم امرأة (أم) بقتل رجل، دون مبررات كافية، وهنا يبدأ الحفر لمعرفة دوافع الجريمة التي يتمكن المحقق «هاري» من تفكيك رموزها، كونها تنهض على علاقات مستترة أو منسية ستبدو أقرب للعلامات التي تكشف الدوافع التي تتصل برغبة الضحية في أن تتحول إلى جلاد، أو مركزية الانتقام في اللاوعي، فالإنسان محكوم بالدفاع عن نفسه تجاه ما يهدده، وهنا نلمح تلك الخاصية الفلسفية التي تحدث عنها الفيلسوف الإنكليزي هوبز في البحث عن مبررات الأفعال، ومنطق حفظ الذات ليتمكن المحقق بعد ذلك من كشف الحقيقة انطلاقاً من حاسته التي تستند إلى منظوره تجاه العالم، وقراءة الخريطة النفسية المعقدة للنفس البشرية، ولاسيما دافع المرأة التي عاشت، وهي طفلة في منزل عائلة متشددة دينياً ترى بأن كل شيء يحصل يعدّ جزءاً من العقاب السماوي.
إكراهات الهيمنة
في الجزء الثاني يكون الانتقال إلى جريمة أخرى، لا تتصل بالجريمة الأولى، لكن توحدهما أنساق السيطرة أو الهيمنة والتطرف بوصفها الثيمات المحورية، كما تجسدها مجموعة دينية متطرفة تتخذ من إحدى المزارع مستوطنة لها، وهناك تتخذ الجريمة بعداً معقداً، حيث يتهم فيها طفل بقتل زوجين كانا ينقلانه لرؤية شلالات نياغرا، وعلى الرغم من أن كل الدلائل تشير إلى تورط الطفل بتسميم هذين الزوجين، غير أن هاري يرى ما هو أبعد من ذلك، حيث إيمانه بأن الطفل لا يمكن أن ينهض بهذا الفعل؛ من منطلق بأن الطفل يولد صفحة بيضاء، تتسم بالخير، ومن هنا يتجه المحقق إلى البحث عن الروابط والعلاقات ضمن مرجعية الطفل الذي ولد وتربى في كنف تلك المجموعة الدينية، في حين كانت المسؤولة عن تربيته أماً غير بيولوجية، وكي يتمكن هاري من تفكيك العلاقات المتشعبة، يعود إلى مسقط رأسه، وهو مكان الجريمة ليواجه ماضيه وطفولته، وعلاقته المتوترة مع منزله، وأمه المريضة، وهنا تتقاطع ذاته مع هذه الجريمة، كما حصل في الجريمة الأولى، حيث يكون الشخص الوحيد القادر على إدراك دوافع الطفل الذي تعرض لهيمنة الأفكار، علاوة على تجارب صعبة، حيث كان مدفوعاً بلا وعي للفعل نتيجة المفاهيم التي غُرزت في عقله الخام، وقوامها حقائق دينية مغلوطة آمن بها، لذلك اقتنع (الطفل) بأنه عندما يقتل الزوجين، فإنهما سينتقلان إلى عالم أفضل، وهنا نشاهد تبرير وضع قطعتين نقديتين على عيون الضحيتين، وهي ممارسة كانت شائعة لدى الإغريق قديماً عند موت أحدهم، وانتقاله إلى العالم الأخر. ولعل التحقيق في الجريمة يدفع المحقق لإقامة حوار فلسفي عميق مع الأم غير البيولوجية كي يتمكن من الوصول إلى الحقيقة، وشيئا فشيئا يكشف تورط الكثيرين من مسؤولي أهل البلدة، ولاسيما في إدارة الشرطة.
ولعل المسلسل في هذا الجزء يرغب في تعرية النموذج المتطرف لبعض الجماعات التي تنهض على أفكار مشوهة، كما قدرتها على بناء علاقات من القوة والهيمنة، من خلال اختراق المراكز العليا، وفي النهاية يتمكن هاري من تبرير الجريمة، وتحقيق شيء من البراءة للطفل – على الرغم من وقوعها كما حصل في الجزء الأول- وهذا جاء عبر فهم الدوافع والبراهين والسياقات، التي لا تبدو لنا كما هي في الظاهر، فدائما وراء أي فعل طبقات عميقة من المضمر الذي يتصل بالبعد النفسي أو الثقافي الناشئ عن نموذج من الهيمنة والسيطرة عبر قوة أخرى.
ولعل التحقيق في الجريمة يدفع المحقق لإقامة حوار فلسفي عميق مع الأم غير البيولوجية كي يتمكن من الوصول إلى الحقيقة، وشيئا فشيئا يكشف تورط الكثيرين من مسؤولي أهل البلدة، ولاسيما في إدارة الشرطة.
التحديق في الهوة
في الجزء الثالث تقع جريمة أخرى، وهنا يظهر المحقق وقد بدا أكثر إرهاقاً، ومرضاً، كما أنه يعاني من الوحدة حيث يعيش في بيت منعزل في غابة لتأكيد توحده، ونأيه عن العالم، غير أن الجريمة الأخيرة تبدأ من حادث سيارة اقتنع الجميع بأنه كان عرضياً، فليس هنالك من جريمة، بيد أن حاسة هاري تقوده إلى التحقيق، وبناء الأدلة، ووضع سيناريو محتمل لجريمة، لكنه يحتاج للبراهين، فتتجه الدلائل إلى مدرس ثانوية يتهم بقتل صديقه في الحادث، عبر التخلي عنه أو تركه ليموت، وعدم المسارعة لطلب الإسعاف، غير أن هذا التخلي كان تتويجاً للتخلي عن اختبار معنى الحياة، من خلال تجربة الموت أو الوقوف على الحافة ضمن بناء فلسفي ابتكره الصديقان منذ أيام الجامعة، وخاصة حين كانا يدرسان الفلسفة.
إن تطبيقهما لهذه الأفكار يتأتى من الفراغ الوجودي العميق الذي سكنهما تجاه الحياة انطلاقاً من أفكار الفيلسوف الألماني نيتشه، أحد أهم الفلاسفة الذين أحدثوا أثراً في إطلاق الاتجاه الوجودي، لكن هذه الصداقة تخضع لنسق معين، فالمدرس يخضع لأهواء صديقه الذي يقود الأول إلى اختبار الخطر، والتجارب الأكثر تعقيداً، ومن أجل ذلك يتخلى المدرس عن صديقه بعد الجامعة، ليعيش حياة طبيعية فيتزوج وينتظر طفلا، لكن عودة هذا الصديق تدفع (المدرس) لهذه الجريمة بغية التخلص من هذه الهيمنة، وهي إحدى الثيمات التي يدركها المحقق هاري.
هذه الثيمة تنتشر في امتداد أفقي بين أجزاء المسلسل، ونظراً لعدم وجود أدلة على الجريمة يبدأ المحقق بكسب صداقة المدرس بغية الحصول على اعتراف منه، فيخوض معه في إحدى الليالي نماذج من تلك التجارب الخطيرة، ومنها الوقوف على حافة بناء شاهق، واختبار العالم الليلي والمخدرات، لكن تلك التجارب ترتقي لتصل إلى ذروتها حين يقود المدرس المحقق لتجربة الموت حين يحفر حفرة ويدفنه فيها مقابل الاعتراف بالجريمة، غير أن المدرس يسحب أنبوب الهواء بعد أن وعد المحقق بإبقائه، كل هذا من أجل اختبار معنى الموت… وفي القبر يستحضر المحقق عوالم طفولته، وجملة من هواجسه ومخاوفه وإحساسه المرهق بجلد الذات حين تخلى عن أمه في المصح، وحرق بيته، كما علاقته مع والده التي نكتشف خواءها حين يستلم أغراض الأب المتوفي فلا يجد فيها شيئا مشتركاً بين الأب وابنه، هذه التجربة تدفع هاري لفهم ما يكمن في وعي المدرس حين يصل إلى حافة الموت، ليقوم المدرس بإخراجه من الحفرة، وهو متحمس لمعرفة أثر التجربة. وهكذا فإن فكرة اختيار التجربة كانت جزءاً من ماهية عمل المحقق فقد مارسها في الجزئين السابقين، خاصة حين اختبر إحدى جلسات المجموعة الدينية بهدف تحرير الذات.
ينتهي الجزء الثالث بحصول المحقق هاري على اعتراف مسجل، لكنه لم يكن كافياً لإدانة المدرس الذي ارتكب عدة جرائم قتل، وتخلت عنه زوجته، وعائلته، فيسعى للانتقام من هاري الذي خانه، لنواجه سلسلة أحداث أضعفت هذا الجزء نتيجة بعض التفاصيل غير المبررة درامياً، لنصل إلى ختام المسلسل حين يتخفف المحقق من عزلته عبر تعرفه على فنانة كانت جزءاً من أحداث الجريمة الثالثة، مع سيطرة إحساس بالذنب لقلته المدرس، والفشل في إخراجه من الهوة التي سقط فيها، فالهوة هي تعبير فلسفي ورد في إحدى الحوارات بين المدرس والمحقق، وقوامها بأنك إذا أمعنت التحديق في الهوة.. فإن الهوة في النهاية سوف تحدق فيك.
ختاماً، يمكن القول إن المسلسل قد بدا مشوقاً كما لم يخلُ من العمق، حيث استند إلى المزج بين التشويق القائم على جاذبية قصص الجرائم، وتحقيق الأثر أو الأبعاد النفسية والفلسفية والثقافية التي كانت جزءا من خطابه الدرامي، علاوة على تميز أداء بولمان الذي شارك في العديد من الأفلام المميزة، ومنها دوره الشهير في فيلم «عيد الاستقلال» 1996، فلا جرم أن يُرشح مع الممثلة جيسيكا بيل للعديد من الجوائز، كما يضاف إلى عوامل تميز هذا المسلسل الرؤية الإخراجية، التي بدت عميقة على مستوى تكوين المشاهد والإفادة من الطبيعة، بالتوازي مع بناء حوار عميق بين الشخصيات، فضلاً عن شد انتباه المشاهد عبر توظيف الإضاءة التي أظهرت ظلال القتامة، وهذا ينسحب تقريباً على الأجزاء جميعها باستثناء بعض حلقات الجزء الثالث التي أرهقتها بعض الأحداث غير الضرورية، لكن الأهم تمكُّن المسلسل من نقد أنساق التطرف الديني، والمؤسساتي، والأهم البحث في إشكاليتي: الذات والهيمنة.
كاتب أردني فلسطيني