المسلسل الكويتي «لا موسيقى في الأحمدي»: الحب السجين في زنزانة الجينات

مروة متولي
حجم الخط
1

يمنحنا المسلسل الكويتي «لا موسيقى في الأحمدي»، الذي يعرض حالياً على قناة «إيه تي في» الكويتية ضمن الموسم الرمضاني 2019 ذلك الجمال الجاد المعد بعناية شديدة وباحترام كبير للمشاهد بعيداً عن الاستخفاف والاستهانة بالفن، من خلال المعالجة الدرامية لرواية حصلت في السابق على جائزة الدولة التشجيعية في الكويت. لم يغير المسلسل عنوانها ولم تتركها كاتبتها الروائية «منى الشمري» عرضة لاحتمال العبث، وسوء الفهم والتفسيرات الفنية المغلوطة، فتعهدتها بنفسها وقامت بكتابة السيناريو والحوار، وتولت مسؤولية توصيلها وإعدادها لمستوى آخر من التلقي وكان عليها أن تقدم أدباً مرئياً هذه المرة يخاطب المشاهد، الذي يختلف عن القارئ، وربما يعد ذلك من أهم أسباب قوة هذا العمل وتماسكه فنياً وعمق ما يطرحه من أفكار وقدرته على التأثير، إلى جانب ما قام به المخرج «محمد دحام الشمري» من جهد متميز أظهر تمكنه من فن إدارة الممثلين جميعاً كبيرهم وصغيرهم، وقدرته على خلق صورة تلفزيونية تصف مكانياً وزمانياً الحياة في الكويت منذ أربعينيات القرن الماضي، واهتمامه ببلاغة تلك الصورة والتشكيل البصري في مختلف كادراته وتكويناته المشهدية، ويتجلى ذلك بشكل أكبر في مشاهد البحر والصحراء التي هي أشبه بتأملات فكرية تزخر بالمشاعر والمعاني التي لا يمكن للكلمات أن تعبر عنها، وعندما تعجز الكلمات والصورة عن التعبير تتدخل الموسيقى، فعلى العكس من عنوان المسلسل هناك الكثير من الموسيقى التي تشهد لمؤلفها «إبراهيم شامل» بالتفوق وتعد من أجمل المعزوفات، التي يمكن الاستماع إليها في عمل درامي بشاعريتها وجيشاناتها العاطفية، وثراء التلوين وقوة الخط الميلودي وتآلف النغمات بشكل آسر والتوزيع الأوركسترالي الأخاذ، وقوة التعبير الدرامي وجمال الانتقالات النغمية والتبادلات بين الآلات الوترية والبيانو، أما موسيقى المقدمة فيميزها هذا المزج البارع بين الموسيقى السيمفونية وإيقاعات البحارة والغواصين صيادي اللؤلؤ والنوخذة والغناء التراثي الكويتي «اليامال»، كما نستمع إلى نوع آخر من الموسيقى في حلقات المسلسل، فعندما تبكي «حصة» يكون البكاء أشبه بلحن حزين منغم، وتقوم الممثلة والمغنية «فوز الشطي» التي تجسد هذه الشخصية بالغناء من حين إلى آخر بدون موسيقى بصوت عذب شجي، ومن أجمل ما غنته حتى الآن سامرية للفنانة الكويتية الراحلة «عايشة المرطي» بعنوان «أنا يا خلي ما قصّرت مير البخت فيني قصّر».
تبدأ أحداث المسلسل في بيت «عضيبان الأجودي» في منطقة المرقاب في أربعينيات القرن الماضي حيث التطلع إلى المستقبل المنتظر في الفحاحيل والأحمدي وشركة النفط ووجود الإنكليز الذين أرسلوا بعثة ضخمة للعمل في الشركة، والتطور العمراني والتغير الذي طال أسرة «عضيبان» بانتقالها من الصحراء في المرقاب إلى البحر وشاطئ الخليج العربي في الفحاحيل. في الحلقات الأولى من العمل تم توظيف الألوان والإضاءة من أجل صناعة صورة بدت في منطقة وسطى بين الأبيض والأسود والألوان، كما تمت محاكاة الأحياء السكنية في السابق والبيوت القديمة والطرز المعمارية البسيطة المعتمدة على مواد البناء الأولية. وتبرز الكاتبة انفتاح المجتمع الكويتي على الثقافات والبلدان الأخرى منذ القدم سواء من خلال السفر للدراسة والتجارة في الهند أو من خلال الاختلاط بالجنسيات الأخرى الموجودة داخل الكويت كالإنكليز والهنود والعرب من مختلف الدول، كما تُظهر بساطة العلاقات الاجتماعية وسهولتها وإن كانت بين طبقات متفاوتة في المستوى الثقافي والاجتماعي والمادي. لكنها توضح منذ بداية المسلسل أن التنوع والانفتاح والتواضع والمساواة في المعاملة وكل هذه الأمور الحسنة تكاد تختفي حينما يتعلق الأمر بالحب والزواج وخصوصاً عندما تحب المرأة، فنرى أن الرجل يسمح له بالزواج من ثقافات وطبقات أخرى، بينما لا يسمح للمرأة، كما في قصة حب «حصة وخميس» التي بدأت وانتهت في طفولتهما بطاعة تامة من «حصة»، التي قبلت بالزواج من ابن عمها.
أما قصة الحب التي تدور أحداثها حالياً في فترة السبعينيات بين «لولوة وسيف» فتواجه الصراع القديم نفسه ومعرضة للمصير التعيس نفسه. وتصف الكاتبة هذا الصراع على لسان بطلتها «لولوة» التي تقول إنها «سجينة في زنزانة الجينات واحتكار الأصل والدم النبيل»، كما تصف معاناتها في مشهد آخر وذلك الاختيار الصعب بين «البؤس بدون الحب والشقاء بدون الأهل».
وإلى جانب الخيال وحكايات البحر والصحراء يمدنا المسلسل بمعلومات تاريخية وتثقيف أدبي وفني واجتماعي ويقدم لنا صورة عن الحياة في الكويت من خلال العادات والتقاليد والأطعمة واستخدام العامية العتيقة أحياناً والمصطلحات التي كانت تجري على الألسنة فيما مضى، والفنون التي ساهمت في تكوين الأجيال محلياً كبرنامج «ماما أنيسة» ومسرحيات الفنان الراحل «عبد الحسين عبد الرضا» في حقبة الأبيض والأسود، وعالمياً كالفنون الغربية الإنكليزية والأمريكية والشرقية كالهندية والمصرية.
وتقدم الكاتبة بعض الأفكار والمعاني التي تشد اهتمام المشاهد وتأسره وتتمكن من إثارة خياله كما في تركيزها على أهمية التفرد والاختلاف، وأن السائد من الأفكار ليس هو الصحيح دائماً بالضرورة، كما تجعلنا نرى الأمور من منظور آخر ونتقبل الأفكار الجديدة، كما في ذلك المشهد الرائع بين الحفيدة «لولوة» والجد «عضيبان» و»البومة» الجريحة التي يحاول كل منهما مداواتها ويعطف كل منهما عليها، وعلى الرغم من تشاؤم الجميع منها وكراهيتهم لرؤيتها يصفها الجد بأنها «ودودة ووديعة وذكية»، كما تنزع الكاتبة عن الأمومة قدسيتها وتفرق على لسان «لولوة» أيضاً بين الأم والوالدة، فالوالدة ليست أماً بالضرورة والعلاقة بها تنقطع بانقطاع الحبل السري، ونرى «لولوة» تنادي الأم التي أنجبتها بالوالدة بينما تنادي زوجة الأب «حصة» بالأم لأنها هي التي احتضنتها منذ أن كانت في سن الرابعة لترحمها من قسوة الوالدة البيولوجية التي كانت تناديها بـ «البومة» وتتشاءم من تلك الطفلة البريئة لأنها لم تنجب من بعدها وتكويها بالنار وتعضها وتكاد تفترسها بأسنانها وتجوعها ولا تحممها وفي النهاية تركتها لضرتها التي تكرهها غير عابئة.
على مستوى التمثيل تتميز «فوز الشطي» في تجسيدها لشخصية «حصة» التي يصفها العمل بأنها «طينة جنة» أي أنها مخلوقة من نفس مادة الجنة وإليها تنتمي، واستطاعت أن تعبر عن هذه الفطرة الصافية والنفس الصادقة، كما يتميز الممثل العُماني «عصام الزدجالي» في تجسيده لشخصية «خميس» تاجر اللؤلؤ والخبير في الغطس وصيد المحار بأنواعه وأسراره، ويبدع في حكاياته المشوقة والمثيرة للخيال وفي تعبيره الصامت عن حبه لحصة الذي يدفنه عميقاً في أغوار نفسه كسر أبدي.
أما «لولوة وسيف» وقصة حبهما التي تواجه تحدياً صعباً وننتظر معرفة مصيرها في بقية حلقات المسلسل، فتجمعهما المشاهد الممتلئة بالحيوية والجمال والحب، بأداء متميز من الممثلة «شيماء سليمان» في تجسيدها لشخصية ليست بسيطة أو سطحية على الإطلاق عرفت المعاناة والألم منذ أن كانت في المهد وتبدو أكثر عمقاً وتعقلاً من «سيف» طالب الطب والعاشق المتيم الذي لا يعرف سوى معاناة الحب المتأرجح بين الأمل المضيء واليأس المعتم، ويتميز أيضاً الممثل «علي كاكولي» في تجسيده لهذه الشخصية الرومانسية بتقلباتها بين الحب والذوبان في العشق والفرح والغضب والصراخ في حبيبته لكي تقاوم وتعارض العادات والتقاليد، ويخبرها بأنه لو تم تخييره بين الحب والأهل فإنه سوف يختار «الحب ثم الحب ثم الحب» وعلى لسانه تضع الكاتبة عبارات بالعربية الفصحى تستخدمها من حين إلى آخر لتذكرنا بأننا أمام عمل أدبي وشخصيات روائية بالأساس، حيث يقول «كاكولي» في واحد من أجمل مشاهده ويردد في حوار داخلي مع النفس: أدري أن عضيبان بحر سيقف بيني وبينك بنظرته الناقصة للحياة، يقدم الصدقات والمعروف ويخيب مسعى كل محب، يكسر فخار قلوبنا، يتمدد كالكابوس في أحلامنا، لماذا نترك له أعمارنا يرتبها وفق منظوره».

كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية