غالباً ما تسعى الدراما إلى معالجات مقتبسة من مرجعيات واقعية، بيد أن الإشكالية تكمن في المنظور والرؤية، وما ينتج عنه من تعديل في السلوك الإنساني؛ ولهذا فإن فاعلية النسق تتأتى من قيمة الصيغ التي ينتهجها بعض صانعي المسلسل، أو الدراما عبر تبني وجهة نظر ما، إذ قد تذهب لاختبار مقصد قد يبدو توجيهياً أو تعليمياً، غير أن المعالجة تضعها في إطار فني مؤثّر، ومن ذلك الأفلام أو المسلسلات التي تتصل بالكوارث الطبيعية، التي أصبحت شائعة، ومنها أفلام البراكين والعواصف، بما في ذلك تلك التي تتعلق بالتداعيات التي تنتج عن إرادة الإنسان، وأهمها مخاطر المفاعلات النووية، على الرغم من محدوديتها، غير أن حادثاً واحداً يمكن أن تنتج عنه تداعيات كارثية ومستمرة، كما في حادثة مفاعل تشيرنوبيل سنة 1986 الذي يعدّ من أسوأ الكوارث النووية، وفي الوقت الحاضر تتوجه الأنظار نحو القتال الذي يدور بالقرب من المفاعل النووي الأوكراني، مع شعور بالقلق من أي تداعيات أو حوادث.
ومن الحوادث المتصلة بالطاقة النووية أزمة المفاعل الياباني فوكوشيما (2011) بعد تعرضه لسلسلة زلازل وموجات تسونامي أدت إلى انقطاع الكهرباء، وفقدان السيطرة على عمليات تبريد الوحدات المركزية، وقد استمرت الأزمة سبعة أيام، جسّدها مؤخراً مسلسل ياباني بعنوان «الأيام» The Days كناية عن عدد أيام الأزمة. لقد حرص صانعو المسلسل على تقديم عمل تخييلي بالاتكاء على أبحاث تتقصى المحافظة على الوقائع كما هي، غير أن الأهم إبراز السؤال الأكثر محورية، ونعني مدى خطورة هذا المفاعل، على الرغم من استعمالاته السلمية.
التأطير الدرامي
يُشار إلى أن المسلسل من إخراج هيدياكي أنو Hideaki Anno الذي عُرف عنه إبداعه في مسلسلات الأنمي، وفي مسلسله الأخير نرى قدرة على تجسيد ترقب غير مسبوق عبر وعي إخراجي منضبط لا يجنح للمبالغات على غرار الطريقة الأمريكية، إنما يُعنى بتفاصيل الشيء، وأثره، ومدى ما يحمله من تأثير في المتلقي، من خلال تبني مزاج إخراجي متوازن، حيث توظف الرؤية الإخراجية حيّز المفاعل بوصفه جزءاً من الرؤية التي تكاد تقترب من الحرص على التفاصيل، كما دقائق الأمور، فيبدو الزمن رهين المكان. ولعل عبقرية المخرج تكمن في قدرته على إبطاء الإيقاع، كي يستشعر المشاهد المزاج المضطرب أو الكئيب الذي عاينه الموظفون في مبنى المفاعل يوماً بيوم، ولهذا بدا الزمن ثقيلاً بطيئاً، وقد وصفت صحيفة «الغارديان» البريطانية المسلسل بأنه عملية إعادة مذهلة للوقائع التي جرت في تلك الأيام.
يعتمد المسلسل في تكوينه على مركزية الشخصية المحورية «يوشيدا» – مدير المحطة – الذي يضطلع بمهمة السرد عبر تقنية الاسترجاع، حيث يروي ضمن طبقات المسلسل قصة الأشخاص أو العاملين في المنشأة، بدءاً من الموظفين مروراً بالمسؤولين الحكوميين، وصولاً إلى سكان المدينة، فمدير المحطة يعّد الشاهد ـ المسؤول – الذي يروي القصة كما يستطيع أن يضعنا في إطار تفاصيلها عن قرب، مع شيء من التأويل أو قراءة الحدث، حسب منظوره الخاص، لكن الأهم أنه من سوف يروي ما حصل لمن سوف يأتي عبر شهادته التي يضعها في نهاية المسلسل. لعل هذا النمط من التكوين الدرامي يؤطر الفعل أو التجربة بوصفها نتاج اختبار عن قرب، ويمكن أن نتلمس عدداً من خيوط المسلسل التي تتراوح بين ثلاثة محاور: أولا المفاعل عينه المعرض للانفجار في أي لحظة، ومن ثم نختبر الأزمة من خلال شخصية مدير المحطة، الذي يعدّ محوراً ثانياً، كونه من يحدد مصائر العاملين في المبنى أو المفاعل، ومن هنا ينشأ التوتر بين من هم على الأرض، مقابل من هم القيادة السياسية أو النخب التي تشكل محوراً ثالثاً يبدو مأزوماً بتداعيات الموقف، ولاسيما تجاه الرأي العام، حيث نلاحظ الاضطراب في التعامل مع المشكلة، وممارسة التضليل. بما أنّ المسلسل مبني على أحداث حقيقية، فلا بد أن صُنّاع المسلسل سعوا إلى القيام ببحث شامل للتأكد من أن الأحداث التي وقعت خلال الكارثة تطابق الواقع، وهذا ما يمكن أن نلاحظه من خلال تتبع الإجراءات التي تتعلق بعملية معالجة المشكلة، التي تكاد تكون معاينة خطوة بخطوة، ولاسيما مع كل إجراء يفشل في تبريد المفاعلات لنقترب من الحافة أو مواجهة المأساة. ولعل ميزة المسلسل تتمثل بتقديم تجربة فريدة للمتلقي، لمعرفة وقائع أو تعقيدات العملية التقنية التي تتعلق بالتبريد، وقضايا الضغط، لكنها أيضا تُؤطر ضمن معان أخرى لهذه المعضلة، ولاسيما حين ننزلق في مشاهدتنا من متابعة الإطار التقني إلى متابعة الأبعاد الإنسانية للأشخاص الذين يواجهون المأساة، لكن الأهم إننا نرى قيم الاختيار عند البحث عن متطوعين للدخول إلى مركز المفاعل من أجل القيام بإجراءات يدوية لحل المشكلة، وهنا نرى أن العقلية الانتحارية أو الفرق الانتحارية التي ميزت الثقافة اليابانية في الحرب العالمية الثانية، ما زالت جزءاً قائماً لدى العاملين من كبار السن الذين لا مانع لديهم من التضحية بأنفسهم كي يجنبوا الموظفين الشباب، أو الذين لديهم عائلات من التعرض للإشعاع أو الموت.

ينطوي المسلسل على نسق قيمي يتصل بالثقافة اليابانية، ومن ذلك تأكيد قيم الاحترام والتقدير للآخر، على الرغم من حساسية الموقف، فضلاً عن أهمية عدم الذعر، وإلقاء اللوم على الآخر، مع محاولة تفهّم وجهات النظر الأخرى، والأهم الحرص على صون حياة كل شخص، عبر قيمة التضحية، كما تحمل المسؤولية. هذه القيم نراها لدى العاملين في المفاعل، لكن معنى المسؤولية يظهر بشكل جلي لدى مدير المحطة «يوشيدا» كما مساعده، فهذا المدير يبدو أقرب إلى ربان سفينة لن يتخلى عن سفينته، حتى لو غرقت. هذا ما ترصده الكاميرا التي تركز على تعبيرات وجهه، وتدخينه، كما تعامله مع الآخرين، علاوة على رباطة جأشه في مواجهة الأحداث، لكن هذا لا يمنع من إبراز إحساسه، أو حزنه الشديد على من ماتوا أثناء الحادثة، غير أن الأهم من كل ذلك شجاعته في مواجهة السياسيين والقيادة، على الرغم من الحرص على احترام التراتبية، غير أن الموقف بدا أكثر مما يمكن تجاوزه تبعاً لخطورته.
تجاذبات
يرغب المسلسل في تقديم جانب مهم من وقائع هذه المشكلة، ونعني نقد النخب السياسية، أو النظم الإدارية التي تستغرق جزءا كبيراً من يوميات الفعل، كون المعضلة تتجاوز الدولة، بل يمكن أن يمتد أثرها إلى العالم برمته، خاصة حين بدأت بعض الدول بسحب رعاياها.. هكذا تُدار الأزمة من قبل رئيس الوزراء، ومعاونيه، وعلى رأسهم وكالة الأمن والسلامة والجيش والإطفاء وشركة الكهرباء، والأخيرة تعد مركزا مهما في إدارة الأزمة كون المفاعل يعد جزءاً من مؤسساتها. لقد تسبب الزلزال وموجات تسونامي بانقطاع الكهرباء عن المفاعل وعن المدينة، وهذا تسبب بتعطل الأجهزة التي تدير المفاعل، وبدا أن اليابان المتقدمة قد أمست على حافة العودة إلى العصر البدائي، وهنا نلاحظ أن المسلسل قد بدا معنياً بإرسال تنبيهات، أو نقد واضح يتسم ببعدين: الأول توجيه رسالة واضحة تتصل بخطورة المفاعل، والثاني يتعلق بالإداري، حيث نرى اضطراباً شديداً لدى المسؤولين في التعامل مع المشكلة، ولاسيما الرأي العام، فيلجؤون إلى التضليل بخصوص اتخاذ القرارات التي تتعلق بالإخلاء، أو الأبعاد المتعلقة بحياة البشر، كونه يتضارب مع مصالح بعض الشركات الكبرى المرتبطة بشركة الكهرباء، لكن الأهم أن هناك عددا من المسؤولين ليست لديهم معرفة أو خبرة كافية للتعامل مع الموضوع، وكأن المعالجة الدرامية ترغب في أن تنتقد النظم الإدارية التي تقوم بتعيين مسؤولين ليست لديهم معرفة أو مؤهلات حقيقية؛ أو كافية؛ ففي غير مشهد نرى رئيس الوزراء يطالب بجلب مختصين حقيقيين للإجابة عن الأسئلة التقنية، لينزع هذا المسلك المتخيل أو الانطباعات المثالية عن اليابان، التي لا تخلو أيضاً من فساد، أو اضطراب إداري كما في سائر دول العالم، غير أنّ الإحساس بالمسؤولية لدى البعض كان كفيلاً بمعالجة الموقف عبر الشجاعة والتضحية كما الإيثار.
يلقي المسلسل الضوء على حيوات الذين قتلوا في الحادثة، التي على الرغم من هولها، وخطورتها، غير أن الوفيات كانت قليلة. لقد حرصت المشهدية والسياقات على تقديم ذلك بصورة حساسة، أو بدت جديرة بالتقدير بداعي الحرص على بيان قيمة الحياة حتى لدى أصغر العاملين. كما يلقي المسلسل الضوء على الأثر العاطفي والمأساة التي اختبرتها عائلات الضحايا والعاملين، ولاسيما من صغار السن، غير أن المقصد الحقيقي للمسلسل يبقى في سياق عملية طرح أسئلة مهمة حول الطاقة النووية، حيث يثير المسلسل الأسئلة الصعبة التي تتعلق بمدى أمان استخدام الطاقة النووية، ما يجبر المشاهدين على المقارنة بين مخاطر هذه الطاقة، وفوائدها.
إنذار
تجسّد التعقيبات التي تلي نهاية المسلسل على لسان «يوشيدا» تلخيصاً موفقاً للأثر الناتج عن هذه الحادثة، حيث يسرد مدير المحطة فهمه لهذه التجربة، بعد أن نفقت الماشية بسبب هجرة أصحابها، وتشريد الناس من بيوتهم نتيجة قيام الإنسان ببناء متقدم، وإحداث تغيير في الطبيعة كي ينشئ ما يعتقد أنه جزء من تقدمه، لقد أزيلت الأشجار والجبال، ورحلت الحيوانات البرية من أجل بناء المفاعل الذي استغرق بناؤه عقودا، غير أنّ قيمته تلاشت في لحظات، وبات معضلة أبدية، فمخلفات الإنسان الصناعية، قد تبقى لزمن يفوق باقي الأشياء كما هو الوقود النووي، ومن هنا توقفت عمليات التطهير، أو وتفكيك المفاعل لعدم القدرة على الاقتراب من المنشأة التي أمست خاوية. لا شك في أن التخلص من آثار الكارثة يحتاج لسنوات طويلة جداً، ومن هنا تكمن المقصدية الحقيقية، فجدلية الزمن كما الأيام التي جسدها المسلسل تبدو أطول مما نعتقد على المستوى النفسي، ومن هنا طغى الإحساس بأن تدخلات البشر في نظام الطبيعة قد يوصله إلى الحافة، ونعني انتفاء الحياة على الأرض، ولهذا فإن جماليات التصوير قد ركزت على تقييم الأثر الناتج على تدمير المحيط الطبيعي الجميل، الذي تقع فيه المنشأة، وكيف يمكن لهذا الجمال الطبيعي أن ينتهي، ويغدو أثرا بعد عين! فالإنسان هو الكائن الأكثر ضرراً على هذه الكرة الأرضية، فهو الذي يبدد انسجامها، ويقتل تناغمها القائم بين الموجودات كافة.. هذا الكائن العاقل الذي يبدو عقله غير فاعل إذا ما تأمل التّداعيات التي يمكن أن تنتج عن أفعاله التي لا تنتهي بداعي البحث عن القوة، والاستمرارية، والسّيطرة على الطبيعة، ومواردها.
كاتب أردني فلسطيني