يعيش المسلمون في الغرب ومنذ احداث الحادي من أيلول/سبتمبر المشهورة الى الآن، اوضاعا أقل ما يمكن القول عنها أنها جد مقلقة . بل وقد توصف في بعض الأحيان بالتراجيدية . إن المتتبع لشؤون المهاجرين في الغرب عامة والسلمين منهم بصفة خاصة يرى ان هناك ليس فقط تناميا للكراهية ضدهم بل هناك أيضا تغير وتحول فيما يخص أسباب ودواعي تلك الكراهية. ففي اواسط الثمانينيات من القرن الماضي عند صعود الجبهة الوطنية في فرنسا، قيل إن الأمر لا يعدو ان يكون استثنائيا نظرا لوجود اعداد ضخمة من الهاجرين فوق التراب الفرنسي. ولربما حلت الإشكالية بوضع قوانين أكثر صرامة لولوج الأجانب الى فرنسا. لكن عدوى رفض الأجانب انتقلت الى دول اخرى وبسرعة فائقة بل وصاحبتها في كثير من الأحيان اعتداءات على المهاجرين تارة جسدية، وتارة أخرى اعتداءات على ممتلكاتهم، وهكذا وفي ظرف وجيز من الزمن اصبح في جل الدول الأوروبية نظير للجبهة الوطنية من احزاب او منظمات تنعت باليمينية المتطرفة توحدت في اعلان الكراهية للمهاجرين والوقوف ضد القوانين المنظمة لهجرة والضغط المستمر على الحكومات من اجل سن قوانين جديدة اصبح بموجبها الدخول الى اوروبا لغير الأوروبيين من الأمور شبه المستحيلة ، خاصة بعد اقامة الإتحاد الأوروبي بداية التسعينات . هذه التغييرات على المستوى القانوني صاحبتها ترسانات جد مهمة من القوانين الفرعية الأخرى هدفها الظاهري تشجيع المهاجرين المقيمين على الإندماج الكلي في الدول التي يعيشون فيها وتيسير الطرق لهم الى ذلك. لكن الكثير من تلك القوانين شملت تضييقا كبيرا على حرياتهم خاصة فيما يتعلق بالحفاظ على الهوية الثقافية الأصلية للمهاجرين.
والى حدود نهاية القرن العشرين وبداية الواحد والعشرين، كانت العنصرية المتنامية في اوروبا تشمل كل الأجانب على أساس الأصل او العرق فكان الرفض للقادم من خارج اوروبا قائما على هذا الأساس فقط حتى جرت احداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر فأعلن الرئيس الامريكي بوش وقتها الحرب على الإرهاب، ليجعل الكثيرين منها حربا على الإسلام . هذه الأحداث وهذا الإعلان الذي اطلقته امريكا في ذلك الوقت وشرعت مباشرة في تنفيذه في افغانستان والعراق ودول اخرى كان بداية عهد جديد مع العنصرية بالنسبة للمسلمين في الغرب. وهكذا بدأت مباشرة اعمال الإعتداءات على المسلمين تقترف في واضحة النهارانطلقت بالسب والقدح وخلع غطاء الرأس للمحجبات ،ووصلت الى احراق المساجد والمحال التجارية للمسلمين كردة فعل أولى . الا ان الأحداث انتقلت بعد ذلك الى صفوف الأحزاب المتطرفة والمنظمات العنصرية الذين سخروا ابواق الإعلام القائم على الإثارة وتضخيم الأمورمستغلة الضروف الدولية لبث الكراهية والعداء للمسلمين في كافة الدول الأوروبية. وبذلك ارتفعت اسهم اليمين المتطرف وصعدت احزاب عنصرية حتى شارك بعضها في الحكم واقترب اخرون من تشكيل حكومات وساهم آخرون في الحكم بشكل غير مباشر، وكمثال على ذلك نورد حزب هايدر في النمسا وحزب فيلدز في هولندا.
لقد عانى المسلمون في بلاد الغرب منذ ذلك الحين وما زالوا يعانون من الكراهية وتصاعد العنصرية بشتى اشكالها الى اليوم ويتعرضون لمحاسبة على اعمال لم يقترفوها ويحملون مسؤولية احداث ليس لهم يد فيها . لقد اصبحت الجالية المسلمة مفروزة عن سائر الجاليات والمكونات الأخرى في المجتمعات الأوروبية موضوعة بشكل دائم في قفص الإتهام. مجبرة على البحث عن أعذار وكذا على تقديم الإعتذار تلو الإعتذار. وما يزيد الأمر تعقيدا كون الجاليات المسلمة ليست منظمة وليست مؤطرة. تطبعها اختلافات عرقية ولغوية وثقافية تجعله أجزاء متناثرة يصعب تكتلها في جسم موحد يصمد في وجه الصعاب التي تعترضه. فتبرز نقط الخلاف على حساب وحدة الهدف وبذلك يصعب تأطيرها وتوحيد كلمتها. وتحت وطأة الظروف هذه اصبح اختراق الشباب المسلم في الغرب امرا سهلا لمن أراد استغلاله في قضاء حاجة من الحاجات. فعلى الصعيد المحلي اصبح الشباب المسلم عرضة لتجار المخدرات ، محترفا للإجرام ومتعاطيا للدعارة وادارة تجارتها، فاحتلوا مراكز متقدمة في تلك الميادين .هذا من جهة، ومن جهة أخرى يتعرض هؤلاء الشباب المسلم الذي تولد عنده كم هائل من العقد والتساؤلات ونشأت معه بحور من العواطف التائهة ليس يدري أي وجهة يوجهها. هؤلاء الشبان والشابات الاوروبيو المولد، المزدوجو الثقافة ، أضحى عرضة لاختراقات اخرى ذات طابع دولي وعالمي تطغى عليها سمات التطرف والإرهاب.
فمن بريطانيا الى اسبانيا مرورا بهولندا وصولا الى فرنسا، كلها محطات كانت مسرحا لعمليات ارهاب دولية نفذها شباب مسلم ولد وترعرع في اوروبا. شباب تتقاذفه امواج العنصرية وعدم المساواة بينه وبين شباب البد الأصلي لتتلقفه شواطئ سماسرة الإرهاب والتطرف الديني ليتحول إلى ناقم على نفسه ومحيطه ينتظر اشارة الإنطلاقة لتنفيذ مخططات دموية لجهات استغلت حالة اليأس والإحباط عنده باسم الدين ودفاعا عنه.
قد لا يكفي مقال في هذا الموضوع للإحاطة به من جميع الجوانب لكن تناوله باستمرار ومن زوايا مختلفة قد تكون كفيلة بإزالة كثير من الإلتباسات المحيطة به. ومهما يكن فإن الجالية المسلمة في أوروبا التي تفوق الخمسة عشر مليونا تقع على عاتقها مسؤولية جسيمة لإخراج نفسها من النفق المظلم الذي زجت فيه وعليها القيام بواجبها في حماية شبابها من الأخطار التي تحدق به.
محمد الدراعي – هولندا