د. نصيف الجبوريإن الأيام القادمة ستكون صعبة جدا على الجالية الإسلامية، وسوف تستمر لمدة تزيد عن الشهر موعد الانتخابات الرئاسية. إننا سمعنا ونسمع اليوم ونرى الحملات المسعورة ضد المسلمين والأجانب من قبل الحكومة اليمينية، والتي تريد إن تجعلهم كحصان طروادة، وتهدف من هذه الحملة ربح أصوات اليمين المتطرف الذي يزداد شعبية تحت قيادة الفرنسية الشقراء مارين لوبين. في محاولة لإخفاء ضعف الأداء الحكومي منذ أربع سنوات في معالجة ملفات عديدة، والفشل الذريع في علاج المشاكل الحقيقية التي يعاني منها الفرنسيون كالبطالة وتردي خدمات القطاعات الصحية والتعليمية والإدارية والخدمية وتزايد اعداد الفقراء وسوء إدارة المؤسسات العامة وتراكم ديون الدولة. تلتفت الحكومة اليمينية برئاسة ساركوزي من جديد إلى الهاجس الأمني وبالتالي تحميل الأجانب وبالخصوص المسلمين منهم الأزمة الاقتصادية التي تعصف بفرنسا ودول الاتحاد الأوروبي.المسلمون اليوم يطالبون السلطات الفرنسية ان تعاملهم مثل معتنقي الديانات الأخرى في فرنسا كالكاثوليك والبروتستانت واليهود والبوذيين، حسب ما تنص عليه قوانين الجمهورية الفرنسية التي تعتمد على العلمانية المحايدة، التي تعطي الحقوق للجميع دون تمييز بين دين واخر. ولما كان الجميع يعلم علم اليقين بان الدولة لا تستطيع إن تغير نصوص التوراة أو الإنجيل، فكيف يحق لها إذن ان تتدخل في شؤون الدين الإسلامي كي تؤسس إسلاما خاصا على الطريقة الفرنسية. إن للمسلمين الفرنسيين والأجانب القاطنين هنا الحق بممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية وفق القوانين المعمول بها، والتي سبق إن تكفلت بحماية ورعاية إتباع الديانات الأخرى من المسيحيين واليهود وغيرهم. من المعلوم أيضا بان السلطات الفرنسية الحالية ليست الوحيدة التي تتدخل بشؤون المسلمين، إنما هناك نفوذ واسع وكبير لدول إسلامية تتدخل في شؤون الجالية من خلال جمعياتهم الكبرى. فنرى اليوم اتحاد الجمعيات الإسلامية في فرنسا تحت نفوذ هذه الدولة أو تلك ومسجد باريس يخضع هو الاخر لتأثير بعض الدول كذلك الأمر بالنسبة إلى مستشاريه مسلمي فرنسا والجمعيات التركية والإفريقية والباكستانية والهندية الخ.إن من المعلوم والمؤسف حقا إن مسلمي فرنسا ومنذ وقت بعيد كانوا يهرولون وراء الاحداث منذ مشكلة سلمان رشدي وآياته الشيطانية، مرورا بمشكلة الحجاب فالنقاب والهوية الوطنية، وصولا إلى ما تبغي الحكومة طرحه اليوم وهو مكانة الإسلام في فرنسا. لو كان المسلمون يمتلكون النظرة الثاقبة والذكاء والوحدة بين مؤسساتهم لما تفاجأوا بهذه الحملات المسعورة، ولما استهانت بهم السلطات السياسية إلى هذه الدرجة بحيث لا تطلب حتى رأيهم في أمور مصيرية تتعلق بمعتقداتهم.الخلافات ما بين المسلمين تبدأ بأمور قد يتخيلها القارىء بانها تافهة لاول وهلة لكن مخلفاتها عميقة رسخت الخلافات بين المسلمين منذ فترات طويلة. لنأخذ مثلا بسيطا يتعلق بأمر حيوي من أمور المسلمين اليومية في فرنسا وهي قضية حساب أوقات الصلاة لمدينة باريس وضواحيها. فمنذ أكثر من ربع قرن لم يتمكن مسجد باريس واتحاد المنظمات الإسلامية من اعتماد حساب فلكي واحد لتحديد وقت صلاة الفجر في باريس. إن نظرة سريعة على مواقيت الصلاة لهاتين المنظمتين الاسلاميتين نرى بان فرق الوقت بينها لصلاة الفجر يتجاوز عن العشرين دقيقة، ليتساءل المسلمون في فرنسا هل يعقل ان يكون فجران لليوم الواحد في باريس. إن اثر ذلك على تأدية الصلاة خطير ويتحمل مسؤوليته الطرفان إذ ليس من المعقول ونحن في القرن الحادي والعشرين وفي فرنسا بالذات لا يستطيع المسلمون معرفة دخول بداية وقت الفجر انه بالتأكيد أمر يسير وذلك بالاستعانة بمؤسسات فلكية فرنسية متخصصة. إن المسلمين مفتونون كل يوم بهذا الخلاف بين الطرفين، فلو اعتمدنا على سبيل المثال حساب مسجد باريس لصلاة الفجر المتقدم على حساب اتحاد المنظمات الإسلامية، ولنحتمل جدلا خطأ توقيته، فسوف تكون النتيجة إن جميع صلواتنا لوقت الفجر غير صحيحة لان الفريضة قد أديت قبل دخول وقتها. لكن الأمر أكثر خطورة في شهر رمضان، فلو اعتمدنا على توقيت اتحاد المنظمات الإسلامية المتأخر مقارنة بمسجد باريس لمسألة الإمساك عن الطعام والشراب في السحور حيث يمكننا إن نتناوله حتى لحظة دخول الفجر، هنا أيضا لو احتملنا جدلا خطأ حسابات أوقات صلاة الفجر لاتحاد الجمعيات الإسلامية، فأننا سنكون قد فطرنا كل أيام شهر رمضان وبالتالي سيكون صومنا غير صحيح. لنعود من جديد ونتساءل من الذي يتحمل المسؤولية مسجد باريس أم اتحاد المنظمات الإسلامية أم ان لباريس فجرين في كل يوم.مسلمو فرنسا ليسوا مجبرين باستيراد الخلافات العربية والإسلامية، خصوصا في مسألة مواقيت الصلاة ودخول الأشهر القمرية وتحديد أيام الأعياد. إنما نحن هنا بحاجة إلى قرارات وطنية تتخذها الجالية الإسلامية في فرنسا بمعزل عن أية ضغوطات أو تدخلات خارجية. هذا إذا ما علمنا بان هناك العشرات من المشاكل الأخرى التي تنتظر الحلول، كتمويل المساجد وبناء مدارس قرآنية وعربية ومستشفيات وتأسيس بنوك إسلامية وقضايا متفرقة أخرى تهم الجالية كالحج واللحم الحلال وأماكن ذبح الأضاحي والزواج والمقابر الخ.على المسلمين اليوم ان يتعاملوا ويتحاوروا مع غيرهم دون عقد ضمن سياسة الند للند، سواء مع السلطات السياسية والمحلية أو مع أهل الكتاب، فهم يمثلون جزءا أصيلا ضمن المجتمع الفرنسي وهم احد القواعد الرئيسية لمكونات هذا الشعب. كما ينبغي ان لا نرضى بأي حال من الأحوال ان تمارس على مسلمي فرنسا ضغوطات من البلدان المجاورة والتي لها نفوذ مالي أو سكاني ابتداء من العربية السعودية إلى المغرب فالجزائر الخ.إذن يتعين على الجالية الإسلامية ان ترسم طريقا استراتيجيا على المدى المتوسط والبعيد، وتستوعب التغيرات العميقة في المجتمع الفرنسي من النواحي الديمغرافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وان تتواصل المنظمات الإسلامية الكبرى مع قواعدها فضلا عن ضرورة استشارة عموم المسلمين في أمورهم الأساسية التي تتعلق بمصيرهم، ولا يمكن الاعتماد فقط على رواد المساجد فدائرة العلاقات الإسلامية يجب ان تتوسع لتشمل الملتزم بالإسلام وغير الملتزم والملتحي والحليق والمحجبة والسافرة.إن تنسيق العلاقات بين المنظمات الإسلامية له أهمية كبيرة للتعامل مع غير المسلمين، إذ ينبغي التعاون مع أهل الكتاب واحترامهم وفهم قوانين الجمهورية الفرنسية والتجاوب مع العلمانية المحايدة، التي تحترم جميع الأديان بما فيها الإسلام. أخيرا هناك ضرورة ملحة أيضا يجب إن يعيرها المسؤولون المسلمون أهمية فائقة تتعلق بتشجيع وحث المسلمين في هذا البلد لاستخدام بطاقاتهم الانتخابية لخدمة مصالحهم الحيوية.’ كاتب عراقي مقيم بفرنسا