المسلمون ومقاطعة الأعداء
د. محمد صالح المسفرالمسلمون ومقاطعة الأعداءتابعت الثورة الغاضبة التي عمت العالم الإسلامي والعربي احتجاجا علي صحيفة دنماركية لنشرها رسوما كرتونية تمس بمكانة رسول الله محمد عليه السلام خاتم النبيين والمرسلين، تخلل هذه الثورة الشعبية الجامحة أعمال عنف من المتظاهرين وفي مواجهتهم رجال الأمن في بعض الدول العربية وغير العربية مارسوا العنف ضد مواطنيهم الغاضبين علي ما لحق بمكانة رسول الله محمد عليه السلام، من ناحية أخري دول عربية إسلامية مع الأسف الشديد منعت مواطنيها من التعبير عن مشاعرهم دفاعا عن رسول الله، ومع إيماني بان الجرح الذي أحدثته تلك الرسوم عميق جدا في قلب وفؤاد كل مسلم، إلا أن الأمر لا يتطلب ذلك العنف والمس بمؤسسات خاصة ورسمية لها حصانة تكفلها كل القوانين والأعراف الدولية.كنت أتمني مسيرات احتجاج سلمية تعم شوارع ومدن العالم العربي والإسلامي، يسير في مقدمتها فقهاء دين من كل الأديان، ورجال فكر وعلم وتجار وكل أطياف المجتمعات العربية والإسلامية مسنين وشبابا ونساء وأطفالا، كانت ستكون ابلغ تعبيرا وأقوي أثرا عند الرأي العام الغربي وقياداته السياسية والفكرية والدينية.إن أعمال الاحتجاجات العنيفة دفاعا عن الرسول عليه السلام وعن حقوقنا تعطي ذريعة لبعض الدول الغربية لتحول تلك الاحتجاجات والغضب الجماهيري إلي انتقام سياسي من امتنا، وقد هددت بعض الدول الغربية علي اثر تلك المظاهرات العنيفة باللجوء إلي مجلس الأمن الدولي إذا تعرضت سفاراتها لأي أمر لا تقبله تلك السفارة، وبذلك تتحول صور الاحتجاجات علي ما نشر عن رسولنا الكريم إلي صور احتجاجات علي ما لحق بالمؤسسات الحكومية، وتصدر إدانة دولية واحتجاجات دبلوماسية وبذلك يتحول المشهد من حق إلي مشهد باطل وهكذا نخسر توظيف هذا الحشد الإنساني المنقطع النظير الذي امتد من اندونيسيا شرقا مرورا بالعالم العربي ووصولا إلي شمال القارة الأوروبية لصالح قضايانا.(2)أخشي أن تهدأ هذه الثورة العاطفية في العالم الإسلامي والعالم العربي علي وجه التحديد، وأخشي أن توظف حكومات عربية لتهدئة النفوس الإسلامية الثائرة احتجاجا علي ما لحق بسمعة رسولنا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام، ثم نعود سيرتنا الأولي. لمواجهة هذه الحملة الظالمة ضد نبينا محمد رسول الله وضد ديننا الإسلامي وضد امتنا العربية فان أكثر الأسلحة السلمية فتكا بأعداء ديننا وبأعداء امتنا هو المقاطعة الاقتصادية علي مستوي الشعوب وليس الحكومات فقط، لان الحكومات ستتعرض لعقاب منظمة التجارة العالمية، أما الشعب فلا قوة علي الأرض تجبره علي شراء البضائع أيا كان نوعها من أي دولة تعادي ديننا ونبينا، دول مجلس التعاون علي سبيل المثال تنفق قرابة مليار دولار أمريكي علي التدخين وكل هذه الدول ليست مصنعة له وان 98% من الدخان المستهلك في هذه الدول مستورد من خارج العالم العربي. والمرآة الخليجية تقول التقديرات انها تنفق علي أدوات الزينة مبلغا من المال ليس بعيدا عن ما ذكر أعلاه وأيضا تلك سلع مصدرها بعض الدول المعادية لنا نحن المسلمون. فما بالك ببقية دول العالم العربي الذي يقدر سوقه بحوالي 300 مليون مستهلك. الدنمارك والنرويج لهما مصالح استثمارية في مجال النفط والغاز في كثير من الدول العربية المنتجة لهاتين السلعتين الاستراتيجيتين وتستطيع الحكومات في تلك الدول أن تمارس ضغوطا اقتصادية علي تلك الشركات وهذه الشركات ستقوم بممارسة ضغوط علي وسائل إعلامها عن طريق حجب الإعلانات عن هذه الصحف إن هي تعرضت لقيمنا الروحية ومصالحنا الوطنية والقومية.(3)أستطيع القول ان الطريقة التي انتشرت بها الصور الكرتونية التي حاولت تشويه سمعة نبينا محمد عليه السلام من الدنمارك إلي النرويج إلي دول أوروبية أخري ثم إلي استراليا ونيوزلندا لم تكن حدثا بمحض الصدفة، وفي تقديري انه حدث لجس نبض العالم العربي والإسلامي وقياس ردود الفعل في عالمنا العربي ومدي تعاطف دول العالم الإسلامي إذا حدث للمسجد الأقصي أي عملية تخريبية من قبل قطعان المستوطنات الصهيونية وجيش الاحتلال الصهيوني. وعلي ذلك فاني ادعو مؤسسات المجتمع المدني وجميع أهل القلم في عالمنا العربي والإسلامي وأعضاء الغرف التجارية ورجال الأعمال وفقهاء الدين الإسلامي والمسيحي في عالمنا العربي والعاملين علي ردع العدوان عن امتنا أن يحكموا المقاطعة لكل السلع واستثمارات كل الدول التي نالت صحافتها من قيمنا الدينية وحقوقنا الوطنية. يجب أن لا تكون المقاطعة موسمية إنهم سيعاودون الكرة بعمل آخر، إنهم يراهنون علي ثورتنا العاطفية والأعلام الصهيوني يغذيهم بمعلومات تقول ان العرب نفسهم قصير في المواجهات أكانت إعلامية أو عسكرية أو مقاطعة اقتصادية وتحرض الرأي العام الأوروبي والأمريكي علينا بأننا امة سريعة النسيان. إن استثمار وقفة العالم الإسلامي معنا في هذه المحنة أمر في غاية الأهمية وعلي قياداتنا السياسية والفكرية ومؤسسات الرأي العام ورجال الأعمال أن يجدوا في عملية الاتصال والتواصل مع المؤسسات المماثلة في جميع دول العالم الإسلامي لتبادل المصالح والحلول محل الشركات الباغية دولها علي امتنا العربية والإسلامية وبذلك نكون ردعنا العدوان عنا جميعا.لقد هددت دول المنظومة الأوروبية العالم الإسلامي إن هي فرضت مقاطعة اقتصادية علي الدنمارك فان تلك المجموعة الأوروبية ستتخذ إجراءات وقائية لحماية الدنمارك من أي مقاطعة اقتصادية تفرضها الدول العربية، فهل نتحد في مواجهة ذلك الاستكبار؟9