المسيحيون العرب أصحاب تاريخ مشرف في النضال ضد المحتل الإسرائيلي… والدين لله وفلسطين لشعبها

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: بدت لحظة الحقيقة المرة أسرع مما كنا نتخيل.. حتى أولئك الكتاب والمتدثرين برداء السلطة الذين يحومون حولها، باتوا يعترفون بعمق الأزمة التي تواجه البلد.. هي لحظة كاشفة بالتأكيد التي نشارك فيها العالم المحنة الاقتصادية، وإن كان وضعنا أشد إيلاما من الآخرين، كنا في انتظار جني ثمار السنوات الماضية من الصبر والعمل، فإذا بالاقدار تعدنا بمزيد من المفاجآت غير السعيدة. أمس الخميس 19 مايو/أيار تواصل الشعور بالرعب، الذي ينتاب الكثيرين خشية ما يحذر من عواقبه أهل الاقتصاد وخبراء الأموال بشأن سنوات عجاف تقترب منا..
ومن تصريحات رموز المؤسسة الدينية ذات الصلة بتحديات اللحظة الراهنة: قال الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، إن الدولة المصرية لديها القوة والقدرة على مواجهة التحديات كافة، مضيفا أن العالم أجمع في حاجة إلى المنهج المصري الوسطي الذي بُنِيَ من خلال خبرات متراكمة على مدار أعوام. وأضاف أن الهزات التي حدثت في مصر بين الحين والآخر لم تنجُ منها مصر إلا بالعناية الإلهية، وإرادة شعبها وتماسكهم وتعاونهم، وأكَّد أن على المصريين في الداخل والخارج أن يكونوا مدركين للتحديات التي نمرُّ بها، وأن نعمل على بناء الوعي ونتعاون من أجل حلها بالعزيمة والإرادة.
ومن أخبار المحاكم: قضت الدائرة الرابعة إرهاب في محكمة جنايات القاهرة المنعقدة في مجمع محاكم طرة، برفض التظلم المقدم من عزة سليمان مدير مركز قضايا المرأة على أمر منعها من التصرف في أموالها على خلفية اتهامها بقضية التمويل الأجنبي وأيدت قرار التحفظ على أموالها.
معضلتنا الكبرى

موضوع الدَّين العام كان ولا يزال واحدا من أكثر المواضيع المثيرة للقلق والجدل – في الملف الاقتصادي الوطني، وهو بالتأكيد جدير بأن يكون محل اهتمام ومتابعة لما له من آثار وعواقب وخيمة على مستقبل البلد. وزير السياحة السابق ورجل الأعمال منير فخري عبد النور نشر مؤخرا مقالا مهما ومثيرا للجدل على صفحات «المصرى اليوم» بعنوان «دعوة لحوار جاد ومطلوب حول المشكلة الاقتصادية» استعرض فيه بوضوح واختصار موقف الدين المصري العام بشقيه المحلي والأجنبي، وانتهى إلى اقتراح جريء ومثير للجدل حول كيفية التعامل معه. أما عن تحليله للدين العام، فقد لخصه كما اوضح زياد بهاء الدين في “المصري اليوم” في أن الشق المحلي منه سيبلغ هذا العام – وفقا لبيانات مشروع الموازنة – حوالي 5 تريليونات جنيه، والشق الأجنبي حوالي 150 مليون دولار، فيكون المجموع حوالي 8 تريليونات جنيه مصري، بما يجعل عبء خدمة الدين (أقساطا وفوائد) حوالي 80% من الإنفاق العام. أما عن اقتراحه المثير للجدل، فهو أن تعترف الحكومة المصرية بصعوبة الاستمرار في إدارة هذا الدين العام في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة وتناقص موارد العملة الصعبة، وتتوجه للمجتمع الدولي بطلب إعادة هيكلة الدين العام الخارجي وجدولته وتخفيض أسعار فوائده، بهدف تخفيض تكلفة خدمته سنويا، أي بمعنى آخر بهدف منح الاقتصاد المصري «مساحة تنفس» مطلوبة. الفكرة تبدو، كما يرى زياد، في ظاهرها بسيطة، ولكن عواقبها ليست كذلك. فالمعنى العملي لهذا المقترح هو أن تتوجه الحكومة المصرية لممثلي الدول الدائنة الكبرى من خلال ما يسمى «نادي باريس» وتعلن أنها بحاجة للتفاوض من أجل جدولة الدين العام الخارجي. وللدقة وقبل أن يجنح الخيال إلى سيناريوهات كارثية، فإن هذا لا يعني على الإطلاق إعلان الإفلاس، بل مجرد الرغبة في جدولة الدين، بما يتيح تجاوز مرحلة صعبة وعدم التضحية بالموارد المطلوبة للإنفاق الاستثماري والتنموي من أجل خدمة الدين.

«نادي باريس»

يرى زياد بهاء الدين أن الحكومة لو قررت اللجوء لنادي باريس ستكون خطوة بالغة الخطورة والعواقب، لأنها تضع البلد في موقع أدنى ائتمانيا، وتمنح الدائنين جميعا حق استدعاء ديونهم والمشاركة في الجدولة، وتتيح لأعضاء «نادي باريس» وضع شروط صارمة لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني. هذا إذن قرار سياسي خطير قبل أن يكون قرارا اقتصاديا فنيا. لنفترض إذن أن الحكومة لم يعجبها الاقتراح – وهو في تقديري الأرجح- فما البديل الذي تقدمه؟ ما جاء حول هذا الموضوع في المؤتمر الإعلامي، الذي عقدته الحكومة يوم الأحد الماضي للإعلان عن برنامجها الاقتصادي، لم يكن كافيا لسببين: الأول: أنه اكتفى في وصف المشكلة بالتأكيد على أن وضع الدين الخارجي المصري ليس سيئا مقارنة بدول أخرى. والثاني: لأنه أشار إلى أن الحكومة سوف تقوم بخفض نسبة الدين العام إجمالا إلى الناتج المحلي خلال الـ4 سنوات المقبلة من 85% إلى 75% دون بيان أو شرح كيفية تحقيق هذا الهدف الطموح. لا مخرج من هذه الورطة إلا بإعادة النظر في أولويات الإنفاق العام من جهة، وبمزيد من الإنتاج والتشغيل والنمو الاقتصادي من جهة أخرى. فالأهم من القيمة المطلقة للدين العام هو نسبته إلى الاقتصاد القومي.. وإن كانت قدرتنا على تقليل قيمة الدين صارت محدودة، فإن الأمل هو زيادة حجم الاقتصاد القومي، أي زيادة الاستثمار.. نعم، الاستثمار مرة أخرى الذي لا بديل عنه للنهوض بالاقتصاد الوطني. الوزير منير عبدالنور قدم اقتراحا جريئا وخلافيا حول الموضوع، وفتح باب نقاش مطلوب ومكتوم، وأتمنى أن يؤدي إلى مزيد من الشفافية والوضوح حول حجم المشكلة، ومزيد من الرؤى والاقتراحات التي قد تساهم في وضع سياسات تُجنب مصر الانزلاق إلى ما كان يسمى في السبعينيات مصيدة الديون «The Debt Trap» التي سقط فيها العديد من الدول النامية… فهل من مقترحات أخرى؟

إخوة النضال

يستدعي استشهاد الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة برصاص الاحتلال الإسرائيلي إرثا سياسيا للمسيحيين العرب، يزخر بالمواقف والتضحيات دفاعا عن القضية الفلسطينية والاستشهاد في ميادينها، وهو ما سعى عبد الله السناوي لتسليط الضوء عليه في “الشروق”: كان المطران هيلاريون كابوتشي رمزا لامعا لجيل النكبة والمقاومة، ساعد بقدر طاقته وظروفه في دعم المقاومة المسلحة. قرب منتصف سبعينيات القرن الماضي اعتقل أثناء محاولته تهريب أسلحة إلى الداخل الفلسطيني المحتل. قضى أربع سنوات رهن الاعتقال قبل أن يذهب إلى المنفى في الفاتيكان حتى لقي ربه. في تلك السنوات كان اسمه كافيا للشعور بالاعتزاز ومواقفه جديرة باحترام العالم العربي كله. هو سورى الجنسية وفلسطيني الهوى. على خطى المطران كابوتشي مضى بطاركة ورهبان آخرون على الطريق نفسه، يتصدرهم الآن المطران الخمسيني عطا الله حنا. بصوت مدوٍ يدعو في جميع المحافل إلى زوال الاحتلال «لكي ينعم شعبنا الفلسطيني بالحرية التي يستحقها».. «الطريق إلى السلام يمر عبر القدس، فلا سلام بدون القدس، ولا سلام دون عدالة». هو ابن كنيسة القيامة، كما هو ابن فلسطين. لم تكن مصادفة أن أعدادا كبيرة من المثقفين المسيحيين لعبت أدوارا ملهمة في تأسيس منظمات الكفاح المسلح، التي نشأت بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967، أبرزهم الدكتور جورج حبش مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ورفيقه وديع حداد الذي تمكن «الموساد» من الوصول إليه بالسم. المسيحيون العرب مكون جوهرى في الملحمة الفلسطينية. هذه حقيقة نهائية لا يصح المجادلة فيها بالجهل والتجهيل. دفعوا فواتير النكبة وعذاباتها كما دفعها بقية الفلسطينيين، قاوموا الاحتلال باسم الوطنية الفلسطينية وقدموا شهداء كثيرين، كانت شيرين آخرهم.

الدين لله

أكد عبد الله السناوي، أنه لا ينكر أدوار المناضلين المسيحيين وكفاحهم سوى متعصب أو جاهل لا يدري شيئا عما يجري في فلسطين المحتلة ولا طبيعة القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني من احتلال استيطاني عنصري جاثم قبل أي شيء آخر. “نحن هنا رغم الأذى والجحود.. مواكب تمضي وأخرى تعود.. نحن هنا نفجر الإيمان في دربنا نورا.. فينمو في ثرانا الوجود”. هكذا لخص الشهيد الشاعر والمناضل كمال ناصر، الإرادة الفلسطينية قبل أن يجري اغتياله في فبراير/شباط 1973 في العاصمة اللبنانية بيروت، في ما أطلق عليها «عملية فردان» مع رفيقيه كمال عدوان وأبو يوسف النجار. أطلق عليه الزعيم الفلسطيني صلاح خلف: «ضمير الثورة الفلسطينية». دفن حسب وصيته إلى جانب صديقه الحميم غسان كنفانى الروائى الفلسطيني الأشهر. كان ذلك حال القضية الفلسطينية في أوقات تبلور المعاني الكبرى. لا تفرقة بين مناضل وآخر حسب العقيدة الدينية، فالدين لله وفلسطين لأبنائها. يستلفت الانتباه في اليوميات الخطية لجمال عبدالناصر، التي كتبها أثناء حرب فلسطين، أن أعدادا كبيرة من الضباط والجنود الأقباط شاركوا في تلك الحرب ودفعوا فواتير الدم. بين هذه الأسماء الضابط كمال بشارة، وقد شارك عبدالناصر تجربة الحياة والموت والنوم فوق بطانية واحدة والتغطي بأخرى. كانت ثقة عبدالناصر فيه بلا حد والإعجاب بنسقه الأخلاقي والعسكري سجله بخط يده حين وبخ بشارة من تورطوا في التمثيل بجثث القتلى اليهود في منطقة المحجز يوم السبت 2 أكتوبر/تشرين الأول 1948. لا توجد معلومات عن مصيره، أو ما إذا كان عبدالناصر قد فاتحه في الانضمام للضباط الأحرار، الذي أعاد تأسيسه بعد العودة من ميادين القتال. كان خلو التنظيم من أي شخصية تنتمي إلى الديانة المسيحية مادة اتهام.

ملهمة الآخرين

بدأت شهرةُ الصحافية الشهيدة شيرين أبو عاقلة عام 2002. وفيه أيضا انتهت حياتُها على الأرض لتبقى كما قال الدكتور وحيد عبدالمجيد في “الأهرام” مصدر إلهامٍ لكل من يريدُ تحرير وطنه، ولكل صحافي يطمحُ إلى التفوق في أصعب أنواع الصحافة قاطبة. إنه مُخيمُ جنين الصغير مساحة، الكبير دورا وبطولة، منذ أن صار المركز الرئيسي للمقاومة في الضفة الغربية عندما تصدى شبابهُ وشيوخهُ ونساؤه لاعتداءٍ همجي من قوات الاحتلال ارتُكبت خلاله جرائمُ حربٍ وفق التعريف المحدد جدا لهذا النوع من الجرائم في ميثاق المحكمة الجنائية الدولية. كانت هذه المحكمةُ في المهد وليدة عندما حدثت مجزرةُ المُخيم في إبريل/نيسان 2002. كما لم يكن بعضُ الأمور المتعلقة باختصاصها القضائي قد تبلورت. غير أنه بعد 20 عاما، بات في إمكانها أن تنظر في الجرائم الإسرائيلية بعد أن أكدت ولايتها القضائية على الأراضي المحتلة. وربما يستدعى التحقيقُ في جريمة اغتيال أبو عاقلة الرجوع إلى جرائم سابقةٍ منذ مجزرة 2002، التي وُثقت بدقة في كتاب “معركة مُخيم جنين الكبرى 2002: التاريخ الحي” الذي أعده جمال حويل، وقدّم له الأسير مروان البرغوثي. وهكذا صار جنين هو الأشهر بين مخيمات الضفة الغربية العشرين، التي كان سكانُها الأوائلُ كلُهم من لاجئي 1948. وبات منطلقا رئيسا لعملياتٍ فدائيةٍ متكررة. وما زال مصدر الإزعاج الأول لسلطة الاحتلال، التي حاولت اقتحامه مراتٍ عدة آخرها تلك التي استُشهدت فيها أبو عاقلة وهي تُغطيها، عقب ازدياد العمليات التي استهدفت مواقع صهيونية، وتوسع عمليات إطلاق النار التي يقوم بها بعض شبابهُ على حواجز الاحتلال. وفي كل مرة، تتصدى مجموعاتُ المقاومة لمحاولة الاقتحام بشجاعةٍ وبسالة. وليس هذا غريبا على مُخيمٍ جاء سكانهُ الأوائلُ من منطقة الكرمل في فلسطين 1948، نظرا لقربه منها. وكان عددهم الأصلي عند تأسيسه عام 1953 نحو 15 ألفا وفق سجلات الأونروا. وازداد هذا العددُ مع الوقت، رغم أن مساحته تقلُ عن نصف كيلومتر مربع واحد، لكن العامل الرئيسي وراء تحوله إلى منطلقٍ للمقاومة هو انصهارُ الهويات الفصائلية، التي طالما صراعاتُها أضعفت النضال الفلسطيني، في الهوية الوطنية الفلسطينية وتقديم نموذج نادر للتعاون والعمل المشترك.

الضحايا متهمون

سؤال مهم سعى للإجابة عليه عماد الدين حسين في “الشروق”: حينما يقرر مجموعة من المواطنين إيداع أموالهم لدى أحد الأشخاص ليشغلها لهم، ثم يكتشفون في النهاية أنه نصاب كبير، وأن أموالهم تبخرت، فهل يلومون أنفسهم أم النصاب أم الحكومة؟ في الأيام الماضية اكتشف عدد من الأهالي في محافظة أسوان أن الأشخاص الذين وثقوا فيهم، وسلموهم أموالهم كي يستثمروها لهم، نصابون، وأن أموالهم التي قدرها البعض بين 600 مليون جنيه ومليار جنيه، ضاعت. ما قرأناه في الأيام الماضية يتعلق بأربعة نصابين في أسوان خصوصا مركز إدفو أشهرهم شخص شهرته «البنك». هي قصص ليست جديدة، وتتكرر بصورة تكاد تكون كربونية مع فارق الزمان والمكان، منذ نجح أحمد الريان وإخوته، في خداع مئات الآلاف من المصريين في شركات توظيف الأموال منتصف الثمانينيات من القرن الماضي. قد نعذر الذين أودعوا أموالهم لدى الريان وأمثاله، لأن التجربة كانت جديدة، ثم إن عددا كبيرا من المسؤولين وكبار الشخصيات العامة والرموز الدينية، ومن بينهم الشيخ الشعراوي للأسف، التقطوا الصور التذكارية مع الريان، وغالبية الصحف وقتها فتحت صفحاتها أمام سيل من الإعلانات باستثناءات قليلة. لكن كان يفترض أنه وبعد اكتشاف حقيقة الريان أن يفيق الجميع، وألا يثقوا في أي شركات مماثلة. أما المفاجأة فكانت أن الناس لم تتعظ، ولا يمر شهر تقريبا في السنوات الأخيرة، إلا ونسمع عن عملية نصب جديدة بالتفاصيل نفسها تقريبا، لدرجة تجعلنا نسأل عن حقيقة ظاهرة «المستريح الدائم» أو (سيكولوجية النصب والاحتيال المتكرر) حسب تعبير الدكتور محمد المهدي أستاذ الطب النفسي.

وصفة للخداع

واصل عماد الدين حسين كشف ما جرى للكثيرين من أهل أسوان: مواطنون يسلمون أموالهم لشخص ما، أو يبيعون كل ممتلكاتهم ويحولونها إلى أموال سائلة، مقابل وعود زائفة بحصولهم على عوائد شهرية لا تقل عن خمسين في المئة، وتصل أحيانا إلى مئة في المئة. مثل هذا العائد ليس موجودا إلا في التجارة المحرمة وغير القانونية والخطرة، سواء كان مخدرات أو سلاح أو آثار أو غيرها. أحد نصابي أسوان كان مختلفا، ويبدو أنه قرر أن يجاري البيئة المحيطة، لم يكن يحصل من الناس على أموال سائلة، بل كان يطلب من كل منهم تسليمه مواشيه خصوصا العجول. وبالطبع يتضح للجميع أن مثل هؤلاء النصابين «يلبسون طواقي» لضحاياهم حتى يسقطوا في النهاية. في النموذج الأسواني، وحينما اكتشف الناس حقيقة النصابين هاجموا بيوت وحظائر النصابين أو «المستريحين» وعائلاتهم، وأشعلوا النار فيها، خصوصا في قرى وادي الصعايدة والبصيلية ووادي الشرفا في مركز إدفو واعتدوا على المواطنين وحاولوا سرقة المواشي من أهالي قرى النصابين، واشتبكوا مع أقاربهم وأهل قريتهم، ونشبت معارك بأسلحة نارية أصيب فيها ثمانية أشخاص في قرية البصيلية. المأساة أن الأهالي أو الضحايا هاجموا الوحدة الصحية في قرية الشرفا في مركز إدفو كما هاجموا المنشآت الحكومية ومنها المدارس والوحدة الصحية ومكتب البريد في قرى النصابين، وحطموا بعضها وسرقوا محتوياتها، بحجة أن الوحدة المحلية تركت النصابين ينشؤون العديد من الحظائر، وتركوا بعضهم يهرب. السؤال المهم بعد كل هذه التفاصيل، قد نفهم غضب الناس ومحاولة استرداد أموالهم من النصابين، لكن لا نفهم سر محاولتهم تدمير المنشآت الحكومية، وبالمناسبة فإن هؤلاء المهاجمين لا يدركون أن إعادة بناء وترميم هذه المباني الحكومية سيكون من جيوبهم وجيوب دافعي الضرائب. الضحايا سلموا أموالهم بمحض إرادتهم للنصابين، من دون علم الحكومة بل بدافع أساسي وهو الطمع والمكسب السريع والكبير لذا عليهم ألا يلوموا إلا أنفسهم.

مستريحون للأبد

هناك وجه آخر لظاهرة المستريح، يحدثنا عنه محمد أحمد طنطاوي في “اليوم السابع”، ليس له علاقة بحجم الأموال الموجودة مع الناس أو ثقافة التعامل مع البنوك، لكنه يرتبط بصورة مباشرة بثقافة الطمع والرغبة في الثراء السريع، والحصول على أكبر قدر من المكاسب، دون تحري مصدرها أو بذل مجهود فيها، وهذا ما دفع “مصطفى البنك”، سائق التوك توك، لجمع 200 مليون جنيه من الأهالي في أسوان خلال أسابيع قليلة، ولعل أبرز مقوماته أنه كان يشتري المواشي بضعف ثمنها، فتحول إلى سوق بديلة يلجأ لها الجميع، بدلا من السوق التقليدية، التي تخضع لقانون العرض والطلب. ثقافة الطمع وجمع الأموال دون عناء تظهر دائما في أوقات الأزمات والمشكلات الاقتصادية، وتتفاعل طرديا مع زيادة معدلات الفقر، فالغالبية العظمى لا تخطط لما تعمل، ولا تحاول تقديم حلول إيجابية لمشكلاتها، لكن تلجأ إلى المؤقت والسهل، فقد ظن أغلب ضحايا مصطفى البنك، المعروف بمستريح المواشي، أن بإمكانهم بيع مواشيهم بأسعار أعلى، ثم يشترون غيرها بأسعار أقل من السوق الشرعية، وتصوروا أنهم يمارسون الفهلوة والحداقة على مصطفى البنك، لكن هيهات لما ظنوا، فقد اختطف أموالهم، وفر هاربا إلى صحراء الصعيد، حتى تمكنت أجهزة الأمن من ضبطه. ظاهرة المستريح ستظل موجودة ما دامت ثقافة السعي والعمل متراجعة، على حساب المكسب السريع والفهلوة والحداقة والجشع واستغلال الأزمات، لذلك لا أتعاطف أبدا مع كل من تعرضوا للنصب من مستريح أسوان أو غيره من المنتشرين في أغلب محافظات الجمهورية، فقد كانوا على درجة الطمع نفسها، واستحلوا أموالا يعرفون جيدا أنها تمر بطريقة غير شرعية، أو فيها شبهات وشك، ومن هذا المنطلق أشجع على الاستزادة في النشر لهذه القضية، حتى يتعلم الناس ويعرفوا خطورة هذه الظاهرة، ويخرجوا منها بدروس مستفادة حقيقية.

نذير خطر

انتهى محمد أحمد طنطاوي إلى أن مستريح أسوان ليس أكثر من قصة انكشفت سريعا وذاعت في وسائل الإعلام نتيجة تسليط الضوء عليها، وغرابة الأسلوب المتبع في جمع الأموال، لكن هناك العشرات من هؤلاء في كل مركز ومدينة وقرية، يمارسون أعمال النصب والاحتيال على المواطنين، لذلك يجب التصدي لهذه الظاهرة ووضع تكييف قانوني مناسب لها، لخطورتها المباشرة على الاقتصاد، ودورها في تكدير الأمن والسلم العام، وتأثيرها على السلام الاجتماعي، وقد شاهدنا أعمال الحرق والتخريب التي مارسها الضحايا في قرية مستريح أسوان، بعدما فر بأموالهم. الوجه الآخر للأزمة مرتبط بالبنوك، التي يجب أن تتنبه لخطورة ظاهرة “المستريح”، وتتوسع في فروعها وخدماتها الموجهة إلى القطاع الريفي، وتحقق انتشارا معقولا في قرى الصعيد، والمناطق النائية، حتى تقطع الطريق على هؤلاء، وتقدم خدمة حقيقية للناس، تضمن أموالهم ومدخراتهم بصورة كريمة وآمنة، ولا مانع لتلك البنوك من أن تستهدف هذه الظواهر في حملاتها الإعلانية، ليصل الهدف إلى الناس وتستطيع خلق وعي عام بخطورتها على المجتمع، كما أن هذا التحرك سوف يضمن تحقيق الشمول المالي الذي تنشده البنوك، ويسهم في دخول الاقتصاد غير الرسمي إلى الدخول في المنظومة الرسمية، ويقضي على ظاهرة حفظ الأموال داخل المنازل أو توظيفها مع “المستريح”.

المفتي في لندن

نتوجه لمدينة الضباب بصحبة سليمان جودة في “المصري اليوم”: لم يشأ الدكتور شوقى علام مفتي الجمهورية، أن يذهب إلى العاصمة البريطانية لندن زائرا هذه الأيام، إلا وفي حقيبته تقرير مُفصل عن جماعة الإخوان، راح يوزع نسخة منه على كل عضو في مجلس العموم أو في مجلس اللوردات. التقرير أراد أن يبين لأعضاء البرلمان الإنكليزى بمجلسيه، كيف أن العنف قد رافق الجماعة منذ نشأتها في 1928، وكيف أنها في كل مراحل تاريخها الذي يقترب من المئة سنة، كانت توظف النصوص الدينية لإحراز أهداف سياسية تحقق مصلحتها الضيقة لا صالح الأمة على اتساعها. أما توظيف النصوص الدينية لإحراز أهداف سياسية تتحقق بها مصلحة الجماعة لا صالح الوطن، فليس المرء في حاجة إلى شيء يرى من خلاله ذلك بوضوح، سوى أن يستعرض وقائع السنة التي حكمت فيها الجماعة من منتصف 2012 إلى ثورة 30 يونيو/حزيران 2013. أما حكاية أن نهج العنف كان يرافق الجماعة منذ النشأة في الإسماعيلية في تلك السنة، فليس عضو اللوردات في حاجة إلى تقرير المفتي، ولا كذلك عضو العموم.. كلاهما ليس في حاجة إلى ذلك.. ليس لأن تقرير الدكتور علام ليس فيه ما هو مهم في هذا الشأن، لكن لأن أعضاء العموم، ومعهم أعضاء اللوردات، مدعوون إلى الرجوع للتقرير الذي كانت حكومة ديڤيد كاميرون قد أعدته قبل رحيلها عن مقاعد الحكم بقليل.

الجواب معروف

لا يعرف سليمان جودة لماذا لم تفكر حكومة كاميرون في إذاعة ذلك التقرير، ولا لماذا لم تفكر حكومة تريزا ماي التي جاءت بعدها إلى 10 داونينغ ستريت في إذاعته، ولا بالطبع ستذيعه حكومة بوريس جونسون الحالية؟ ما نعرفه من القليل الذي تسرب عن التقرير، في أيامه، أن الانتماء إلى جماعة الإخوان هو طريق إلى الإيمان بالعنف وممارسته.. صحيح أن التقرير قال ما معناه أن الإيمان بالعنف أو ممارسته كنتيجة للانتماء للجماعة أمر محتمل، لكنني أظن أن مسألة الاحتمال هذه التي جرى الترويج لها كفكرة، كانت من قبيل الرغبة البريطانية في التخفيف مما وجدته متوفرا لديها في التقرير لا أكثر.. أما لماذا التخفيف، فهذا هو السؤال، وجوابه أظن أنه معروف، وأظن أنه من وجهة النظر البريطانية مفهوم. لقد أصبحت حكومة كاميرون في طي الماضي، وكذلك حكومة السيدة ماي.. والكلام لا بديل عن أن يكون مع حكومة جونسون، التي تملك أن تذيع التقرير أو لا تذيعه. ولو أنها وجدت الجرأة السياسية لإذاعته، فسوف لا يجد أعضاء العموم ولا أعضاء اللوردات أنهم في حاجة إلى مطالعة تقرير مفتي الديار المصرية.. هذا مع كامل الاحترام بالطبع للرجل، وللتقرير الذي رافقه في رحلته إلى عاصمة الضباب.

أموالنا المهدرة

على مدار سنوات ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، سعى أسعد هيكل في “المشهد”، للبحث عن إجابه على سؤال مطروح منذ 12 عاما مفاده: لماذا لم تسترد مصر الأموال التي هربها مبارك وعصابته للخارج، أو حتى تلك التي استولوا عليها في داخل مصر؟ تابع الكاتب، كنت قد تواصلت منذ عدة سنوات مع المستشار آسر حرب عضو لجنة استرداد الأموال المهربة، حيث قال: “إنه لم تكن هناك أي نية لدى السلطة في مصر لاسترداد جنيه واحد من الأموال التي استولى عليها وهربها مبارك وأولاده للخارج، حتى جهاز الكسب غير المشروع لم يحرك أي دعوى جنائية ضدهم، وكل الجهات التي كانت تعمل في هذا الملف كانت غير جادة، ولم تكن هناك رغبة سياسية في استرداد تلك الأموال”. شكرت سيادته، وقلت له، خيرا فعلت إن استقلت من هذه اللجنة، وأصدرت هذا البيان لتبرئ ذمتك، أمام التاريخ. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فقد ذكرني ذلك بتقديمي استقالتي أيضا، مما سمي عام 2012 بلجنة تقصي الحقائق، وقلت حينها، إنها كانت لجنة لطمس الحقائق، وليس لتقصيها أو كشفها. باختصار، لم تكن هناك رغبه أو إرادة سياسية حينذاك، لا لكشف حقيقة، أو لاسترداد أموال مهربة، فاللجنة التي شكلت لاسترداد تلك الأموال ذاتها، شكلت بعد أكثر من سنة على خلع مبارك، تمكن خلالها رموز حكمه من طمس وإخفاء تلك الأموال.
قانون معطل

عاد أسعد هيكل بالذاكرة لسنوات مضت عندما أعلنت سويسرا عن وجود عشرات الملايين من الأموال التي جمدتها لمبارك ونجليه لديها، وزيارات النائب العام السويسري بنفسه لمصر، إلا أن السلطات نكصت وتقاعست، بطريقة شبه عمدية عن استرداد تلك الأموال، في تصرف يضع الكثير من علامات الدهشة. في محاوله للتشبث بالأمل الذي يراود الملايين استعان أسعد هيكل بنص دستوري معطل في دستور 2014، يمثل أحد نصوص العهد بين الحكام والمحكومين، هذا النص الذي يمنح الأمة المصرية حقها في عدالة انتقالية حقيقية، ويلزم البرلمان بإعداد قانون يكشف الحقيقة ويضع أطرا للمصالحة والمحاسبة وتعويض الضحايا، ألا وهو نص المادة 241 من الدستور الذي يقول: “يلتزم مجلس النواب في أول دور انعقاد له بعد نفاذ هذا الدستور بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة، والمحاسبة، واقتراح أطر المصالحة الوطنية، وتعويض الضحايا، وذلك وفقا للمعايير الدولية”. أكد الكاتب والمحامي أسعد هيكل، أن هذا النص كفيل بأن يفتح المجال أمام كل مسؤول في بلادنا نحو استرداد أموال الأمة المصرية التي نهبت على مدار سنوات طويلة، في الداخل، وهربت للخارج، هذا إذا كانت هناك رغبة وإرادة سياسية. انتهى الكاتب للتساؤل فهل يفعلها البرلمان، وهو حق له وللشعب، أم يفعلها الرئيس، وهو أيضا يحق له اقتراح القوانين، وحق للشعب.

صندوق أسود

نعيش الحب كما تعترف خديجة حمودة في “الوطن” بكل أنواعه وأحواله وألوانه ومعانيه وأهدافه وأحلامه وطموحاته ومراحله ومشاريعه الشرعية، وغير ذلك، والخيالية وبعيدة المنال منذ الساعات الأولى لنا في الحياة، مرورا بالمراحل العمرية المختلفة، وفي كل وقفة لنا مع هذا الساحر، الحب، نحتفظ بأسرار لا يعلمها إلا الله، قد تكون أمنيات مستحيلة، أو لحظات سعادة وربما دموع ألم وشوق وحنين، أو ندم وحسرة على ما قدمناه ومنحناه دون أن نجد مقابلا أو ما تمنيناه. وتنمو مشاعرنا معنا وتتغير وتتبدل وتتحول ويبقى داخل الصندوق الأسود لقلب كل منا مئات اللقطات والحكايات والنظرات والهمسات والنغزات التي تكشف أعماقنا وتفتح قلوبنا وتحكى حكايات العمر كله لو اطلع عليها أحد، ويبدو أن الحياة تلزمنا بأن نضع داخله كل تفاصيل حياتنا وعلاقاتنا، كما تلزم القوانين الدولية المتفق عليها جميع الرحلات الجوية التجارية بحمل جهازي تسجيل معلومات خاصة بأداء الطائرة وظروف الرحلة أثناء الطيران، حيث تحتوى على بيانات الرحلة، مثل سرعة الطائرة والاتجاه والارتفاع والهبوط، بينما يضم الثاني ما يدور داخل مقصورة القيادة من أحاديث.
والطريف كما اوضحت الكاتبة أن تسمية هذا الصندوق ووصفه بالأسود ليس للونه، فالحقيقة أن لونه برتقالي أو أصفر لتمييزه بسهولة بين حطام الطائرة إن وقع لها حادث، أما هذا الاسم فله تفسيرات كثيرة، منها أنه يرجع لكوارث الطيران وتحطم الطائرات وآخر يعود إلى أن مسجلات المعلومات نفسها كانت قاتمة اللون وسوداء من الداخل لمنع التسريبات الضوئية من تدمير شريط التسجيل، كما يحدث في التصوير الفوتوغرافي.
وإذا تحدثنا عن الصندوق الأسود للقلوب الذي نخشى عليه جميعا من التلف أو السقوط بعيدا عنا ليصبح في متناول الأيدي التي قد تنجح في الحصول على ما يحتويه وسماع ذبذباته وأصواته، حيث يتشابه تماما مع الخاص بالطائرات والمجهز بحيث ينبعث منه صوت إذا ما غاص في الماء، كما يبث إشعارا «فوق صوتي» للمساعدة في العثور عليه.

أروح لمين

تابعت خديجة حمودة تأملها لعوالم الرومانسيين الذين لا يعبأ بهم أحد: أما أصوات القلوب وذبذباتها، فهى تنتمي إلى المقامات الموسيقية العربية التي تعددت وتعددت أيضا مناهج تصنيفاتها، فهي أغانينا وموسيقانا بأنواعها المختلفة وهمهماتنا وهمساتنا، ومن السهل أن نشبهها بالسلم الموسيقي الذي تعلمناه صغارا وانطلقت أصواتنا بحروفه الناعمة الصارخة المنادية، ورتّبنا نغماته تصاعديا حسب درجة النغمة ووفق أبعاد ومسافات محددة. وتتشابه محتويات صندوق القلوب مع الدرجات الموسيقية التي يطلق عليها الموسيقيون والعازفون اسم «ديوان»، حيث تبدأ بالدرجة المنخفضة وهي (القرار) وتنتهي بأعلى الدرجات (الجواب) ولكل مقام أبعاد ومسافات يتميز بها عن غيره، ويعد النشاز هو الخروج عن درجات المقام. ومن الطريف أن يضم الصندوق الأسود للقلوب تلك المقامات التي تحمل في عالم الأنغام رسائل شعورية، تعبر تعبيرا دقيقا عن لحظات حياتنا من مشاعر محددة مختلفة متنوعة شاملة جامعة ما نعيشه ونتنقل بينه، فمقام (الصبا) أكثر المقامات حزنا، وهو الذي غنت به أم كلثوم مطلع أغنية (هو صحيح الهوى غلاب)، ومقام (النهاوند) يحمل الشعور بالحيرة والتساؤلات وغنت به (ودارت الأيام)، أما مقام (عجم) فيُستخدم في غناء الكنائس، بينما يعتبر مقام (بيات) مقاما شعبيا ومعناه الفرح والسرور، ويأتى مقام (سيكا) ليبعث السعادة للروح، أما مقام (حجاز) فهو الدفء والفرح، ويليه مقام (راست) وهو سيد المقامات وأروعها، ومثال له أغنية (أروح لمين) ويعبر عن الشيء الواضح الصحيح المستقيم. فليبحث كل منا عن محتويات صندوقه الأسود الذي ستنطلق منه الأنغام إن سقط في المياه، وستنطلق منه الأصوات تدندن: دو – ري – مي – فا – صول – لا – سي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية